المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2026

السجاد (ع) المناجاة كخطّ إصلاحي في زمن القهر

صورة
  السجاد (ع) المناجاة كخطّ إصلاحي في زمن القهر مقدمة: لم تكن المناجاة عند الإمام السجّاد عليه السلام انسحابًا روحيًا من الواقع، ولا تعويضًا نفسيًا عن العجز السياسي، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، صيغ بلغة الدعاء والمناجاة، وحُمِّل بمضامين الوعي، وبُثّ في وجدان الأمة بهدوءٍ عميق في أشدّ عصور القهر الأموي. لقد علم الإمام، بحكم دوره الرسالي، وفي ظرفٍ مختنق اندثرت فيه معالم الدين، وغُيِّبت فيه الحجة، أن المواجهة المباشرة قد تُستأصل، أمّا صناعة الإنسان من الداخل فهي الباقية، المتراكمة، والعصيّة على الإلغاء. ويتجلّى هذا الدرس الروحي العميق في ثنايا مناجاته حين يقول: الشاهد: «إِلَهِي لا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ… مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يَا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ» (مناجاة الخائفين – الصحيفة السجادية) الدلالة: لا تعبّر هذه المناجاة عن ضعف أو هروب، بل عن إعادة تعريف لمصدر القوّة؛ إذ يحرّر الإمام(ع) الإنسان من الارتهان للسلطة الظالمة، ويوجهه إلى الارتهان لله سبحانه، وهو الأساس المتين لكل إصلاح هادئ، طويل الأمد. ومن هنا نقف مع شواهد من...

العباس بن علي (ع): الولاية الكاملة ومنزلة ما بعد الشهادة

صورة
العباس بن علي (ع): الولاية الكاملة ومنزلة ما بعد الشهادة مقدمة: لم يكن العباس مرافقَ دربٍ في كربلاء، ولا أخًا عاديًا دفعه الذهاب مع أخيه مجرّدُ النسب، بل كان ترجمةً صامتةً لليقين، ولسانَ حال الطاعة حين تعجز الكلمات. كان ينظر إلى الإمام الحسين (ع) لا بعين الأخ على أخيه، بل بعين الوليّ إلى حجّة الله سبحانه وتعالى. فلا يتقدّم إلا بإذنه، ولا يتأخّر إلا بأمره، ولا يختار لنفسه طريقًا إن لم يمرّ أولًا من باب إمام زمانه. فعمق علاقة الأخوين لم يكن دماءً تجري في عروقهما فقط، بل جمعتهما علاقة روحٍ ووجهةٍ ومصيرٍ وهدفٍ لا رجعة فيه. كانت علاقة ذوبانٍ في ذات إمامه الحسين عليه السلام، حتى لم يعد يُعرَف العباس عليه السلام إلا بقدر ما يُعرَف الإمام الحسين عليه السلام، ولم يُذكَر السيف إلا وهو مشدودٌ إلى راية الإمامة. فجسّد بحق آية الولاية والطاعة بكل صورها، كما في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (٥٩)﴾ النساء. الطاعة هنا مطلقة لا مشروطة، ولا تكون مطلقة إلا لمعصوم. فالعباس عليه السلام جسّد هذه الطاعة بيقينٍ عميق في أقسى ظرفٍ تاريخي، دون تردّد أو اعتراض أو ...

حسينٌ مني: هوية… وأنا من حسين: بقاء

صورة
                                             حسينٌ مني: هوية… وأنا من حسين: بقاء حديث النبي الأعظم الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا» بحار الأنوار، ج 43، ص 271. ليس هذا الحديث جملةً عاطفية، بل نصٌّ عقديٌّ ودلاليٌّ عميق، يحمل أكثر من مستوى في الفهم والمعنى. ويمكن بيان دلالاته في المحاور الآتية: أولًا: الدلالة النَّسَبِيَّة والوجودية كلمة النبي الأعظم محمد (ص): «حُسَيْنٌ مِنِّي» تدلّ على: انتماء الإمام الحسين عليه السلام إلى رسول الله (ص) انتماءً وجوديًّا، لا يقتصر على النسب، بل يشمل الروح والرسالة. الإمام الحسين (ع) امتدادٌ طاهر لذات النبي الأعظم (ص) في القيم والأخلاق والوظيفة الإلهية. وهذا ينسجم مع كونه سبط النبي وريحانته، لكن النصّ يتجاوز القرابة البيولوجية إلى وحدة الهوية الرسالية.   ثانيًا: الدلالة الرسالية والعكسية (وهي الأخطر) حينما يقول النبي الأعظم محمد (ص): «وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ...

حوارية (١٦٠) حوار في عمق المناجاة الشعبانية

صورة
  حوارية (١٦٠) حوار في عمق المناجاة الشعبانية     المثقّف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عندي تساؤل. أقرأ المناجاة الشعبانية كثيرًا، لكن أشعر أنها تتجاوز الدعاء المألوف… كأنها تهدم شيئًا في الداخل. ما الذي تفعله بالضبط؟ الجواب (بسمه تعالى): أخي الكريم، هذه المناجاة ليست مجرّد كلمات تُتلى، ولا دعاءً لإرضاء الروتين اليومي؛ فينبغي أن تُقرأ بقلبٍ حاضر، لا بخوفٍ أو شعورٍ بالذنب. فهي تعلّمك أن تقلب ضعفك إلى باب قربٍ وسكينة، وانكسارك إلى بداية رجاءٍ للرحمن الرحيم. هذه المناجاة ليست لتغيير ما حولك فقط، بل لتغيير نظرتك لنفسك… ومن هنا يبدأ كل شيء؛ لأنها لا تبدأ من الطلب، بل من نزع الوهم. هي لا تعلّمك ماذا تقول لله سبحانه، بل كيف ترى نفسك أمامه وحده لا شريك له. المثقّف: وما أول وهم تهدمه، تقصد؟ الجواب: وهم الاستقلال والحرية الخادعة. فحين تقول في المناجاة: «وَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ، مُسْتَكِينًا لَكَ، مُتَضَرِّعًا إِلَيْكَ، رَاجِيًا لِمَا لَدَيْكَ ثَوَابِي، وَتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، وَتَخْبُرُ حَاجَتِي، وَتَعْرِفُ ضَمِيرِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُ مُنْقَلَبِي وَمَثْوَايَ...

وهكذا… ارتحل النور. سماحة الحجة السيد علي الناصر

صورة
  وهكذا… ارتحل النور. رحل العلّامة السيّد علي الناصر (رحمه الله)، رجلٌ لم يكن عالِمًا فحسب، بل كان مشروع هدايةٍ قائمًا بذاته. أسّس ـ رضوان الله عليه ـ قواعد التشيّع في حاضرة الدمام وسيهات، من منبر المسجد الجامع الذي انطلقت منه رسالته لإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، ونشر تعاليمهم بالحكمة والبصيرة. فكان جامعًا بين حكمة الموقف، وحنان الأب، وحزم العاقل في إدارة الشأن العام، مؤمنًا بأن السلم هو الطريق الأرسخ لترسيخ العقيدة وبناء الإنسان. جسّد عمليًا وصيّة جدّه الإمام الصادق عليه السلام: «كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا» فكان زينًا في خُلُقه، وفي خطابه، وفي حضوره بين الناس. سعى جاهدًا في تشجيع كل مشروعٍ يخدم المذهب، ويُعمّق جذوره في قلوب المؤمنين، مؤمنًا بأن البناء الهادئ أبقى من الصخب، وأن العمل الصادق أبلغ من الضجيج. ولا يُنسى ذلك الموقف الذي هزّ الدمام، حين فقدنا ثُلّةً من شبابنا المؤمن في غدرٍ غاشم… يومها رأيناه يبكي بكاء الأب، لا دموع الخطيب، بل دموع القلب الذي احترق لفقد أبنائه. كانت دموعه خطابًا صامتًا، أبلغ من كل الكلمات، شاهدةً على إنسانيته وصدق انتمائه لهم. وظلّ ـ حتى...