المشاركات

المشاركة المميزة

هندسة الذات: كيف تعيد المناجاة الشعبانية صياغة العقل والروح؟

صورة
    هندسة الذات: كيف تعيد المناجاة الشعبانية صياغة العقل والروح؟   التلميذ:  يا معلمي، أسمعك كثيراً ما تلهج بالمناجاة الشعبانية، فما الذي يجعل هذه الكلمات تحديداً بمثابة "هندسة" للذات؟ الجواب بسمه تعالى : يا بني، الهندسة هي قانون وضعي يهدف إلى وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة.   والمناجاة الشعبانية هي قانون إلهي تفعل ذلك بالضبط؛ فهي تعيد ترتيب أولوياتك، وتضع قلبك وروحك في مركزه الصحيح تجاه علاقته بالخالق. إنها ليست مجرد ممارسة عبادية، بل هي عملية "إعادة ضبط" للكيان الإنساني وبلغة اليوم هي إعادة ضبط للمصنع الإنساني.   التلميذ:   وكيف تبدأ هذه العملية في "العقل"؟ نحن نعلم أن المناجاة عاطفية، فما دخل العقل فيها؟   الجواب:  سؤال ذكي! العقل في المناجاة يتحرر من "وهم الأسباب". حين تقرأ: «وَبِيَدِك لا بِيَدِ غَيرِك زِيادَتِي وَنَقصِي وَنَفعِي وَضَرِّي»، هنا العقل يتلقى صفعة توقظه من ركونه للبشر أو الخوف من الظروف. المناجاة تعلم عقلك "التوحيد الأفعالي"؛ أي أن تدرك بعمق أن المحرك الحقيقي لهذا الكون كله هو الحق سبحانه، وهذا يمنحك ثباتاً ذهنياً واست...

الإمام المهدي (عج) أفق طمأنينة ومشروع انتظار حيّ

صورة
   الإمام المهدي (عج) أفق طمأنينة ومشروع انتظار حيّ مقدمة: في زمنٍ تتكاثر فيه الخيارات والملذّات والشهوات، رغم ذلك تضيق فيه الصدور، يعيش كثيرٌ من الشباب فراغًا روحيًا صامتًا؛ لا يُرى في المظاهر، ولكن يظهر بتمثّلاتٍ في القول والفعل، مثل: أشعر بالملل، وعدم الراحة، وعدم السكينة، لذلك يُرهق أرواح الشباب من الداخل. فيكون عندهم حالةُ فراغِ معنى في الحياة، لا فراغُ وقتٍ فحسب، وقلقُ بوصلةِ فكرٍ لا قلّةُ إمكاناتٍ متاحة. وقد وضع القرآن يده على أصل هذا الداء حين قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤) وهذه الآية تبيّن حالة الفراغ الروحي التي يشعر بها الشباب إذا ابتعد عن ذكر الله في كل شؤون حياته. ولذا ذكر الله سبحانه من أهم دعائم الاستقرار الروحي والنفسي لمواجهة ضغوط ومتغيرات الحياة، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) فالطمأنينة ليست ثمرة الامتلاء الخارجي، بل نتيجة صلةٍ صحيحةٍ بالله سبحانه ومشروعه في الحياة. وحين تنقطع هذه الصلة، تظهر بصورٍ أبرزها «المعيشة الضنك» مهما اتّ...

السجاد (ع) المناجاة كخطّ إصلاحي في زمن القهر

صورة
  السجاد (ع) المناجاة كخطّ إصلاحي في زمن القهر مقدمة: لم تكن المناجاة عند الإمام السجّاد عليه السلام انسحابًا روحيًا من الواقع، ولا تعويضًا نفسيًا عن العجز السياسي، بل كانت مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، صيغ بلغة الدعاء والمناجاة، وحُمِّل بمضامين الوعي، وبُثّ في وجدان الأمة بهدوءٍ عميق في أشدّ عصور القهر الأموي. لقد علم الإمام، بحكم دوره الرسالي، وفي ظرفٍ مختنق اندثرت فيه معالم الدين، وغُيِّبت فيه الحجة، أن المواجهة المباشرة قد تُستأصل، أمّا صناعة الإنسان من الداخل فهي الباقية، المتراكمة، والعصيّة على الإلغاء. ويتجلّى هذا الدرس الروحي العميق في ثنايا مناجاته حين يقول: الشاهد: «إِلَهِي لا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ… مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يَا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ» (مناجاة الخائفين – الصحيفة السجادية) الدلالة: لا تعبّر هذه المناجاة عن ضعف أو هروب، بل عن إعادة تعريف لمصدر القوّة؛ إذ يحرّر الإمام(ع) الإنسان من الارتهان للسلطة الظالمة، ويوجهه إلى الارتهان لله سبحانه، وهو الأساس المتين لكل إصلاح هادئ، طويل الأمد. ومن هنا نقف مع شواهد من...

العباس بن علي (ع): الولاية الكاملة ومنزلة ما بعد الشهادة

صورة
العباس بن علي (ع): الولاية الكاملة ومنزلة ما بعد الشهادة مقدمة: لم يكن العباس مرافقَ دربٍ في كربلاء، ولا أخًا عاديًا دفعه الذهاب مع أخيه مجرّدُ النسب، بل كان ترجمةً صامتةً لليقين، ولسانَ حال الطاعة حين تعجز الكلمات. كان ينظر إلى الإمام الحسين (ع) لا بعين الأخ على أخيه، بل بعين الوليّ إلى حجّة الله سبحانه وتعالى. فلا يتقدّم إلا بإذنه، ولا يتأخّر إلا بأمره، ولا يختار لنفسه طريقًا إن لم يمرّ أولًا من باب إمام زمانه. فعمق علاقة الأخوين لم يكن دماءً تجري في عروقهما فقط، بل جمعتهما علاقة روحٍ ووجهةٍ ومصيرٍ وهدفٍ لا رجعة فيه. كانت علاقة ذوبانٍ في ذات إمامه الحسين عليه السلام، حتى لم يعد يُعرَف العباس عليه السلام إلا بقدر ما يُعرَف الإمام الحسين عليه السلام، ولم يُذكَر السيف إلا وهو مشدودٌ إلى راية الإمامة. فجسّد بحق آية الولاية والطاعة بكل صورها، كما في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (٥٩)﴾ النساء. الطاعة هنا مطلقة لا مشروطة، ولا تكون مطلقة إلا لمعصوم. فالعباس عليه السلام جسّد هذه الطاعة بيقينٍ عميق في أقسى ظرفٍ تاريخي، دون تردّد أو اعتراض أو ...