همس المحبّين حين يكون الستر حبًّا

 

همس المحبّين حين يكون الستر حبًّا

قراءة شرعية تربوية في فلسفة الستر ومسؤولية القوامة

مقدّمة

ليست قضية الستر والاحتشام قضية مظهرٍ خارجيٍّ مجرّد، ولا نزاع أذواقٍ بين جيلٍ محافظٍ وآخر منفتح، بل هي في جوهرها قضية أمانة، ومسؤولية، وحبٍّ واعٍ، يتداخل فيها التكليف الشرعي مع الفطرة الإنسانية، وتتقاطع فيها مشاعر الأبوة والأخوّة والزوجية مع منطق الحساب الأخروي.

ومن هنا تأتي هذه القراءة، لا بوصفها خطاب منعٍ أو تشديد، بل بوصفها همسَ محبّين، حين يكون الستر تعبيرًا عن الكرامة، لا عن الخوف، وعن العناية، لا عن السيطرة.

 

أولًا: المسؤولية الشرعية قبل أن تكون اجتماعية

يؤسس القرآن الكريم لمسؤوليةٍ واضحةٍ لا تقبل التمييع ولا التأويل العاطفي، وهي مسؤولية حماية النفس والأهل من موارد الهلاك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (سورة التحريم: 6)

هذه الآية لا تخاطب سلطةً قمعية، بل تخاطب ضمير الولاية والرعاية، وتجعل الأب والزوج والأخ في موضع السؤال والمحاسبة، لا في موضع التفرّج والحياد.

ويؤكّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (سورة الصافات: 24)

فالمسؤولية هنا وجودية وأخروية، لا تُرفع بتغيّر الأعراف، ولا تُسقطها كثرة السالكين طريقًا واحدًا.

 

ثانيًا: الستر بوصفه تكريمًا لا انتقاصًا

يُخطئ من يظن أن الستر نقيض الجمال، أو أن الاحتشام إلغاء للأنوثة. فالقرآن حين شرّع الستر، لم يشرّعه خوفًا من المرأة، بل حفظًا لكرامتها:

قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (سورة الأحزاب: 59) 

فالآية المباركة تربط بين الستر، والمعرفة، وعدم الأذى؛ أي أن الستر هو هوية احترام، لا بطاقة إقصاء.

وقد عبّرت الروايات عن هذا المعنى بوضوح، كما ذكر مولانا النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم 

«أما الحياء فيتشعب منه اللين، والرأفة، والمراقبة لله في السر والعلانية، والسلامة، واجتناب الشر، والبشاشة، والسماحة، والظفر، وحسن الثناء على المرء في الناس، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته» 

وعن مولانا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:

« أصل المروءة الحياء، وثمرتها العفة» 

وعن الإمام الباقر عليه السلام:

الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه 

جميع الأحاديث (١)

فالحياء هنا ليس ضعفًا، بل قوة داخلية تضبط السلوك قبل أن تضبطه القوانين.

ثالثًا: صوت الأب… الخوف من الموقف لا من المجتمع

الأب في هذا المقام لا يتحدث بلسان العرف، بل بلسان الآخرة. هو لا يخشى كلام الناس بقدر ما يخشى لحظة الوقوف بين يدي الله سبحانه، حين لا تنفع الأنساب ولا العناوين:

قوله تعالى : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشعراء: 88–89)

ومن هنا فإن منع الأب ليس تسلّطًا، بل قيامٌ بحق الأمانة، إذ كيف يرضى أن تُختزل ابنته في صورةٍ تُستهلك، أو مظهرٍ يُسوّق، وهو يعلم يقينًا أنها أغلى من أن تُعرض، وأكرم من أن تُستباح؟

رابعًا: صوت الأخ… معرفة الواقع لا وهم الشعارات

الأخ لا يتكلم من برجٍ فقهيٍّ معزول، بل من معرفةٍ بطبائع النفوس، وما يُقال في الخلوات والمجالس، وما لا تسمعه الفتاة ولا تراه. وقد أشار القرآن إلى خطورة الانسياق خلف العموميات:

قال تعالى : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
(سورة الأنعام: 116).

فليست الكثرة دليل حق، ولا الشيوع مبررًا للتنازل، بل العبرة بالميزان الإلهي لا بالترند الاجتماعي.

خامسًا: صوت الزوج… الغيرة أمانة لا شكًّا

غيرة الزوج في المنظور الشرعي ليست نتاج ضعفٍ أو مرض، بل ثمرة إحساس بالأمانة، قال النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم :

«يا معاشر قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»(٢)

فالزوج حين يدعو زوجته إلى الستر، لا يسلبها جمالها، بل يحفظ خصوصيتها، ويصون البيت من القلق، ويحوّل العلاقة من تنافس مع العيون إلى سكنٍ وطمأنينة، كما أراد الله سبحانه في قوله تعالى :

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (سورة الروم: 21)

 

سادسًا: الغربة… إعادة تعريف

ليست الغربة أن تكوني مختلفة عن الناس، بل أن تكوني مشابهة لهم في معصيتهم. الغربة الحقيقية أن تفقدي تميّزك عند الله من أجل قبولٍ زائفٍ عند البشر.

وقد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن هذا المبدأ بقوله:

« إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون» (٣)

 

الخاتمة: عهد محبّة لا وصاية

الستر ليس قرار خوف، بل قرار حبٍّ واعٍ. حبّ الله سبحانه قبل حب النفس،
وحبّ الكرامة قبل حب الظهور، وحبّ الآخرة قبل زينة العاجلة.

وحين تختار المرأة الستر عن وعي، لا عن قهر، تكون قد انتصرت لنفسها، وفطرتها، ومستقبلها الأخروي. فتكون مصدقاً لقوله تعالى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
(سورة الأعراف: 128)

والحمد لله ربّ العالمين. 

 

✍️ زاهر حسين العبدالله

المصادر 

(1)  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٧١٧. 

(2)  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ١٢١٢.

(3)  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - الصفحة ٩٠٧.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🔲الشيخ جواد الدندن( شمعة العلم والتقى)

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٣٧ ) كيف يحصل الشاب والفتاة المؤمنة فضل الساعات في شهر رمضان