الإمام الكاظم (عليه السلام) مدرسة الصبر الواعي وكظم الغيظ في زمن القهر

 

الإمام الكاظم (عليه السلام) مدرسة الصبر الواعي وكظم الغيظ في زمن القهر

 

مقدمة 

 

حين يُذكَر اسم الإمام موسى بن جعفر الكاظم، لا يُستحضر مجرد رجل صالح، ولا عالم من علماء الأمة، بل تُستحضر مدرسة أخلاقية وروحية وعقدية نشأت في أشد عصور الظلم العباسي، ونجحت – رغم السجون والقيود – في حفظ خط الإمامة، وصيانة هوية التشيّع، وبناء الإنسان من الداخل.

 

الإمام الكاظم عليه السلام لم يكن إمام مرحلة رخاء، بل إمام مرحلة القهر والاختناق السياسي، حيث صودرت الحريات، وضُيِّق على أهل البيت، وحوصرت الكلمة، فكان الصبر الواعي، وكظم الغيظ، والتخطيط الهادئ، هي أدوات المواجهة.

 

أولًا: دلالة اللقب «الكاظم» في المنهج القرآني

 

لقّب الإمام بـ الكاظم لكثرة ما كظم من الغيظ، لا ضعفًا، بل تحكمًا أخلاقيًا نابعًا من قوة روحية.

 

قال تعالى:

 

> ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 134)

 

هذه الآية ليست وصفًا عامًا للأخلاق فحسب، بل تجسدت عمليًا في سلوك الإمام، حتى قال المؤرخون: ما أوذي أحد مثل موسى بن جعفر، فصبر كما لم يصبر أحد.

 

ثانيًا: الإمام والسجن… الخلوة التي تحوّلت إلى مشروع عبادي

 

قضى الإمام الكاظم عليه السلام سنوات طويلة متنقلًا بين سجون بغداد والبصرة، حتى عُرف بـ سجين السجون.

لكن اللافت أن السجن لم يكن قطيعة عن الله، بل خلوة عبودية عالية المقام.

 

روى الشيخ المفيد:

 

> كان موسى بن جعفر يقول في سجنه:

«اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد فعلت، فلك الحمد» (١).

 

وهنا يتحقق معنى قوله تعالى:

 

> ﴿الَّذِينَ ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (سورة الأنفال: 2)

 

فالسجن عند الإمام لم يكن تعطيلًا للدور، بل تحويلًا للمحنة إلى منحة.

 

ثالثًا: الصبر الواعي لا الصبر السلبي

 

من الخطأ المنهجي اختزال صبر الإمام الكاظم عليه السلام في الاستكانة؛ بل كان صبرًا استراتيجيًا. بمعنى ان صبره له ثمرة بقاء الخط الرسالي الذي يريده الله سبحانه والوعد الإلهي الذي لا بد أن يمر بمراحل والذي نص عليه النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم 

فعن ابنِ عبّاس رضيَ اللهُ عنهما قالَ قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم « النجومُ أمانٌ لأهلِ الأرضِ منَ الغرق، وأهلُ بيتي أمانٌ لأمّتي منَ الاختلافِ فإذا خالفَتها قبيلةٌ منَ العربِ اختلفوا فصاروا حزبَ إبليس» . (٢) 

وروى الصّدوقُ بسندِه عن عليٍّ بنِ أبي طالب عليهِ السلام قالَ: قالَ رسولُ الله صلّى اللهُ عليهِ وآله: النجومُ أمانٌ لأهلِ السّماءِ فإذا ذهبَت النجومُ ذهبَ أهلُ السّماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لأهلِ الأرضِ فإذا ذهبَ أهلُ بيتي ذهبَ أهلُ الأرض. (٣)

فبقاء الإمام الكاظم عليه السلام أمان للمشروع الإلهي وأمان لأهل الأرض لأن من نسله صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه 

فقد ورد عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام:

 

«إن لصاحب هذا الأمر غيبة، لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل» 

قلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم.(٤)

 

وقد مارس الإمام الكاظم هذا المعنى عمليًا، فاختار حفظ الكيان الشيعي بدل الصدام الذي يُفني القلة المؤمنة.

وهذا منسجم مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195)

 

 

رابعًا: رعاية الشيعة من خلف القضبان

 

رغم السجن، لم ينقطع الإمام عن شيعته، بل أسّس شبكة وكلاء في الأمصار، تُدير شؤونهم المالية والعقائدية والاجتماعية.

 

قال الإمام الكاظم عليه السلام:

 

«من تولّى أمر يتيم من آل محمد، قطع الله عنه النار كما قطع عنه اليتم» (٥)

 

وهؤلاء الوكلاء كانوا امتدادًا عمليًا لقيادة الإمام، وهو ما مهّد لاحقًا لمرحلة الإمام الرضا عليه السلام.

 

خامسًا: الإمام الرضا (عليه السلام) امتداد المشروع

 

لم تكن إمامة الإمام علي بن موسى الرضا انتقالًا شكليًا، بل استمرارًا لمشروع مدروس.

 

الإمام الكاظم ربّى ولده الرضا إعدادًا علميًا وروحيًا خاصًا، حتى قال فيه:

 

روى ابو الصلت الهروي أن موسى بن جعفر عليه السلام كان 

يقول لبنيه: «هذا اخوكم علي بن موسى الرضا عالم آل محمد فسلوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول فاني سمعت ابي جعفر بن محمد عليه السلام غير مرة يقول لي: إن عالم ال محمد لفي صلبك وليتني ادركته فانه سمي امير المؤمنين عليه السلام» (٦)

وهذا يؤكد أن الإمامة مشروع متصل بالسماء، لا رد فعل عاطفيك كما يعرفه البشر . 

 

سادسًا: البعد الأخلاقي والتربوي في سيرة الإمام

 

من أشهر مواقفه الأخلاقية 

كان رجلٌ عمريّ بالمدينة يؤذي الإمام (عليه السلام) ، فكلَّما رآه شتمه وسبّ الإمام علي (عليه السلام)، فقال له بعض حاشيته: دعنا نقتله، فنهاهم عن ذلك، فركب يوماً إليه فوجده في مزرعة فجالسه وباسطه، وقال له: كم غرمت في زرعك هذا؟ قال: مائة دينار. قال: وكم ترجو أن تصيب؟ قال: مائتي دينار. فأخرج له صرّة فيها ثلاثمائة دينار، فقال: هذا زرعك على حاله يرزقك الله فيه ما ترجو. فاعتذر العمري إليه وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالاته وكان يخدمه بعد ذلك

.

 

وهذا تجسيد لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34)

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

 

خاتمة المحاضرة

 

الإمام الكاظم عليه السلام ليس إمام سجن فحسب، بل إمام بناء الإنسان تحت الضغط، وإمام حفظ العقيدة في زمن الفتنة، وإمام الصبر الجميل الذي لا يفرّط بالحق ولا يبدده.

 

إنه نموذج حيّ لكل من يعيش قهرًا أو ظلمًا:

لا ينكسر،ولا يحقد،ولا يتنازل، وأن يجعل من محنته طريقًا إلى الله.

 

إعداد:

زاهر حسين العبدالله

https://t.me/zaher000

المصادر والمراجع

 

١-الشيخ المفيد ج٢-ص٢٤٠.

٢- المُستدركُ على الصّحيحين: 3 / 149. 

٣- كمالُ الدينِ للصّدوق، ص205. 

٤- علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج ١ - الصفحة ٢٤٦.

٥-ميزان الحكمة – محمد الريشهري- ج٤-ص٣٧١٠.

٦-بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج٤٩- ص١٠٠. 

 

  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🔲الشيخ جواد الدندن( شمعة العلم والتقى)

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٣٧ ) كيف يحصل الشاب والفتاة المؤمنة فضل الساعات في شهر رمضان