حوارية (١٦٠) حوار في عمق المناجاة الشعبانية

 


حوارية (١٦٠) حوار في عمق المناجاة الشعبانية

 

 


المثقّف:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عندي تساؤل.
أقرأ المناجاة الشعبانية كثيرًا، لكن أشعر أنها تتجاوز الدعاء المألوف… كأنها تهدم شيئًا في الداخل. ما الذي تفعله بالضبط؟

الجواب (بسمه تعالى):
أخي الكريم، هذه المناجاة ليست مجرّد كلمات تُتلى، ولا دعاءً لإرضاء الروتين اليومي؛ فينبغي أن تُقرأ بقلبٍ حاضر، لا بخوفٍ أو شعورٍ بالذنب.
فهي تعلّمك أن تقلب ضعفك إلى باب قربٍ وسكينة، وانكسارك إلى بداية رجاءٍ للرحمن الرحيم.
هذه المناجاة ليست لتغيير ما حولك فقط، بل لتغيير نظرتك لنفسك… ومن هنا يبدأ كل شيء؛ لأنها لا تبدأ من الطلب، بل من نزع الوهم.
هي لا تعلّمك ماذا تقول لله سبحانه، بل كيف ترى نفسك أمامه وحده لا شريك له.

المثقّف:
وما أول وهم تهدمه، تقصد؟

الجواب:
وهم الاستقلال والحرية الخادعة.
فحين تقول في المناجاة:
«وَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ، مُسْتَكِينًا لَكَ، مُتَضَرِّعًا إِلَيْكَ، رَاجِيًا لِمَا لَدَيْكَ ثَوَابِي، وَتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، وَتَخْبُرُ حَاجَتِي، وَتَعْرِفُ ضَمِيرِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُ مُنْقَلَبِي وَمَثْوَايَ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُبْدِئَ بِهِ مِنْ مَنْطِقِي، وَأَتَفَوَّهَ بِهِ مِنْ طَلِبَتِي، وَأَرْجُوهُ لِعَاقِبَتِي، وَقَدْ جَرَتْ مَقَادِيرُكَ عَلَيَّ يَا سَيِّدِي فِيمَا يَكُونُ مِنِّي إِلَى آخِرِ عُمْرِي، مِنْ سَرِيرَتِي وَعَلَانِيَتِي، وَبِيَدِكَ لَا بِيَدِ غَيْرِكَ زِيَادَتِي وَنَقْصِي وَنَفْعِي وَضَرِّي».

فأنت لا تهرب من عقوبة، بل تهرب من فكرة أنك مستقلّ قادر وحدك.
والتعبير في المناجاة بالوقوف هنا ليس جسديًا؛ بل هو سقوط كل المساندات النفسية، والمتمثّلة في قوة فكرك، وعضلاتك، وما تتعلّق به في هذه الدنيا.

المثقّف:
لكن الدعاء يكرّر أن الله سبحانه يعلم كل شيء يحيط بالإنسان… أليس هذا تكرارًا إيمانيًا؟

الجواب:
لو كان علمًا معلوماتيًا لكان تكرارًا، لكنه هنا علمٌ قيّوميٌّ محيط، لا يخفى عليه خافية.
فالله سبحانه لا يعلمك لأنك تُخبره، بل لأن وجودك قائم به.
ولهذا يقول:
«وتعلم ما في نفسي… ولا يخفى عليك أمر منقلبي ومثواي»،
كأنه يعلّمك ألّا تُصلِح صورتك أمامه؛ فالصورة لا قيمة لها عند من يرى مكنون سرك وجوهر معتقدك.

المثقّف:
إذًا لماذا كل هذا الإلحاح في الطلب؟

الجواب:
لأن الطلب هنا تربيةٌ للذات الأنانية التي لا تقبل الخضوع إلا للقوي، وليس إقناعًا للواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى.
فحين تقول:
«وبيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ونفعي وضرّي»
أنت تعيد ضبط بوصلة الوعي: الفاعل الحقيقي واحد، وكل ما عداه مجاري فعل.
كما في قوله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة: ١٤).

المثقّف:
هذا يجعل الإنسان بلا قيمة؟

الجواب:
بل يعطيه قيمته الحقيقية.
قيمتك ليست فيما تملك، بل في صدق انكشافك على واقعك، ومواجهة ضعفك أمام أهوائك ورغباتك.
ولهذا تبلغ المناجاة ذروتها حين تقول:
«إن كنت غير مستأهلٍ لرحمتك فأنت أهلٌ أن تجود بكرمك».
هنا يتحرّر الإنسان من عقدة الاستحقاق، ويتعلّم أن العلاقة مع الله سبحانه ليست صفقةً أخلاقية، بل فيض كرمٍ لا ينتهي، ووجودٌ لا ينقضي.

المثقّف:
لكن الاعتراف بالذنب بهذه الطريقة… أليس مدمّرًا للذات؟

الجواب:
بالعكس.
الذنب في الرؤية العرفانية ليس نهاية الطريق، بل بدايته إذا ولّد وعيًا.
لذلك يجعل الداعي الإقرار والاعتراف بالذنب وسيلته للقرب من ساحة القدس الإلهي؛ لأن الانكسار الصادق بين يدي الحق سبحانه أقرب من طاعةٍ مؤزومة، ومخدوعة بالأنا.

المثقّف:
وما معنى العبارة الصادمة:
«وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أني أحبك»؟

طالب العلم:
هذه غاية العبودية المحضة، البعيدة عن الخوف والرجاء، بل هي أعلى درجات العبودية التي وصفها أمير المؤمنين بأنها عبادة الأحرار.
فعن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) أنه قال:
«إنَّ قومًا عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنَّ قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار».نهج البلاغة: ٧٠٢، الحكمة: ٢٣٧.
فهذه قطيعة مع التدين النفعي؛ هنا لا تُعبد الجنة، ولا تُخاف النار، بل يُعبد الله سبحانه لأنه أهلٌ للعبادة والخضوع والسجود. هذا هو الحب غير المشروط، وهو أعلى مقامات العبودية.

المثقّف:
إذًا ما الذي تطلبه المناجاة في النهاية؟

طالب العلم:
تطلب تحوّلًا وجوديًا لا شعوريًا؛ فتقرأ المناجاة بكل وجودك وإحساسك، وما أطبقت عليه شفتاك، فتقول:
«إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنِر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقةً بعزّ قدسك».
أي ليس جزءًا من الانقطاع، بل كلّ الانقطاع له وحده لا شريك له.
وألّا ترى نفسك مركزًا، ولا ترى العالم حجابًا أمام المثول بين يدي الله سبحانه، بل ترى الله حاضرًا في كل معنى تستشعره أو تحسّه أو تريد أن تعيشه… لكن دون أن تُستعبد لما تعيشه.

المثقّف:
وهل هذا ممكن لشاب يعيش ضغوط العصر وطوفان الشهوات من حوله؟

الجواب:
المناجاة لا تطلب منّا الهروب من ضغوط العصر، بل ألّا نُختطف فيه، وتُصادر أفكارنا، وتُؤسَر قلوبنا بسحره الخادع أو بلذّته الساحرة، مع نسيان ما أوجبه الله سبحانه علينا.
لذا علينا أن نكون حاضرين في العالم، لكن أرواحنا متعلّقة بالفاعل والمؤثّر والنافع والضار الحقيقي، المتمثّل في عزّ قدسه سبحانه.
وهذا بالضبط ما يحتاجه الشباب المثقّف اليوم: دينٌ يعيد بناء الداخل، لا خطابًا يزيد الحمل الخارجي.

المثقّف:
الآن أفهم… ليست المناجاة نصًا يُقرأ، بل مرآة صافية تحرّكك أمام جمال الحق سبحانه وكرم عطائه.

الجواب:
نعم، بكل تأكيد.
وهذا أخطر ما فيها لشعورنا بحضور الله سبحانه في قلوبنا…
وأجمل ما فيها أن تشعر بلذّة المناجاة بين يديه سبحانه.

✍️ بقلم: زاهر حسين العبد الله
https://t.me/zaher000

 

 

تعليقات

  1. أحسنت جزاك الله ورحم الله والديك َزادك من فيض علمه ورزقك الله خير الدنيا والآخرة

    ردحذف
    الردود
    1. رحم الله والديك وجزاك الله خير الجزاء

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم

حوارية (١٤٣) كيف لا أقع في فخ التقديس الأعمى أو التسقيط في شخصية العلماء ؟