حوارية (١٦٣) لماذا خلقنا الله؟ ولماذا الحياة متعبة؟

 


حوارية (١٦٣) لماذا خلقنا الله؟ ولماذا الحياة متعبة؟


السائل:
إذا كان الله سبحانه وتعالى غنيًّا مطلقًا، لا يحتاج إلى خلقه، فلماذا خلقهم إذًا؟
ثم ما الحكمة من أن يُلقى الإنسان في حياة مليئة بالتعب والعناء؟
وإذا وصل الإنسان إلى مرحلة يقول فيها : أنا لا أريد أن أعيش… فكيف يُجاب عن ذلك بإنصاف؟


الجواب – بسمه تعالى

أولًا: إذا كان الله غنيًّا مطلقًا… فلماذا خلقنا؟
السؤال في ظاهره منطقي، لكنه يحتاج إلى تصحيح زاوية النظر.
لأن الغنيّ إذا أعطى لا ليأخذ، بل ليُفيض، كان ذلك كمالًا لا حاجة.

🔹 الله غنيّ عنّا، لكنّه ليس بخيلًا بالوجود.
وهنا الفرق الكبير بين:

  • من يُنشئ شيء يكون من العادة أنه يحتاج 
  • ومن يُفيض دون حاجة يكون كمال وتفضل وهذا المناسب للحق سبحانه وتعالى .

وقد ورد عن مولاتنا الزهراء عليها السلام في خطبتها الفدكية جواب على هذا السؤال حيث قالت: 

«.. ابتدع الاشياء لا من شيء كان قبلها، وانشأها بلا احتذاء امثلة امتثلها كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، الا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، واظهارا لقدرته، تعبدا لبريته، اعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده من نقمته، وحياشة لهم إلى جنته..»(١) 

 

السائل:
لكن كيف نفهم ما قلته من أن الله سبحانه خلق الخلق تفضل وليس حاجة منه  عقلًا؟


الجواب:
كلمة خلينا نفهم ذلك عقلاً لابد أن نسلم أن هذا العقل المحدود يدرك غير المحدود وهو الحق سبحانه وهذا محال أن يُتوهم فضلاً ان يُتصور أو ان يوجد وهذا ليس اسكات أو هروب من الجواب كما يتوهم البعض بل هذا حقيقة علمية ثابتة مهما بلغ عقل الإنسان من كمال يبقى محدود ويبقى عاجز عن تفسير ظواهر لا يعرف يجد لها تفسير علمي فيسلم بها صاغرا شاء أم ابى فكيف يدرك حقيقة متعلقة بالحق سبحانه وتعالى وقد نهينا في قوله تعالى أن نسأل عن فعل الله سبحانه وتعالى والخلق فعله كما في قوله تعالى ﴿ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) ﴾الأنبياء. ولكن جرياً للسائل نناقش الموضوع بوجه عقلي 

فنقول: هل بالضرورة معرفة عقل الإنسان تفسير كل شيء وإلا يرفض القبول بها لعدم معرفة العلة من وجودها واقعاً؟ 

الجواب لا ليس بالضرورة ذلك وعليه فإن الخلق لا يكون دائمًا عن حاجة، بل قد يكون عن كمال وإظهار قدرة وحب للمخلوقين وقد يكون لتكامل نظام بين المخلوقين وقد صادق القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) ﴾ القمر. وهذا هو اللحق لأن الله سبحانه غني مطلق لا يحتاج لخلقه كما قال عز وجل ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّـهِ واللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ فاطر .

ثم انظر إلى الشمس:
هل تُضيء لأنها تحتاج لمن يضيء لها؟ أم لأنها تشعّ لأن الإشعاع من طبيعتها؟

وكذلك الله – جلّ جلاله –كماله يفيض وجودًا، لا عبثًا. وهناك رواية تبين فيض الوجود من الحق سبحانه لإظهار قدرته.

فعن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فقلت له: لم خلق الله الخلق؟ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته وليكلفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد. (٢)

الخلاصة هنا:

الخلق ليس لسدّ نقص بل لإعطاء فرصة الوجود، والمعرفة، والاكتمال. 


السائل:
لكن لماذا كل هذا التعب والعناء في الحياة؟ لماذا لا تكون الحياة راحة؟


الجواب:
لأن أصل الإشكال في تصوّر الحياة. هذه الدنيا ليست بيت الراحة بل ساحة التكوين.

بمعنى أن الله سبحانه وتعالى عادل ولا يخلق شيء عبث بل خلقهم ليختبرهم وليميز الخبيث من الطيب ومن يعبده أو يعبد شهواته كما 

قال تعالى ﴿أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) ﴾ العنكبوت. 

ليكون لهم غاية من خلقهم ويكون لهم موقف في يوم يرجعون إلى خالقهم يوم القيامة فيجازي المحسن ويعذب من ظلم نفسه كما قال تعالى 

﴿أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون. 

ولازم ذلك لابد أن تكون الدنيا ساحة اختبار وابتلاء فلن تكون مكان للراحة بل سيكون الإنسان فيها في صراع دائم بين الحق والباطل وبين الخير و الشر فيكون في حالة تعب من جهة وحالة تكامل من جهة أخرى فيكون مصدقاً لقوله 

 تعالى:﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(٤)﴾ البلد. 

لاحظ:
لم يقل في عبث لم يقل في عقوبة بل قال: في كَبَد أي في مسار صعود فالتعب ليس دليل قسوة بل دليل أن الإنسان مخلوق لمشروع أكبر من هذه الدنيا

تشبيه يقرب الفكرة للقلب:

هل نسأل: لماذا يتألم الجنين عند الولادة؟ لماذا يُخرج من أمان الرحم؟

الجواب:
لأن الرحم مرحلة… لا غاية. وكذلك الدنيا.

 

السائل:
لكن ماذا عن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة يقول فيها: أنا لا أريد أن أعيش؟


الجواب:  
أحيانًا المشكلة ليست في الحياة بل في المعنى الذي قُدّم لها.

إذا قيل للإنسان: عش كي تستهلك أو تنافس لتربح أو اثبت قيمتك بالمال أو الشك ثم تعب…فمن الطبيعي أن يسأل: لماذا أعيش؟

لكن أهل البيت عليهم السلام يغيّرون السؤال من جذره. قال الإمام علي عليه السلام:

«إنما الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها»(٣). 

أنت لم تُخلق لتحمل العبء وحدك بل لتسير في الحياة ومعك معنى خلقت من أجله، وغاية تطلبها من وجودك، وعليه يجب أن يوجد من يسمعك بغير منه ولا ينظر لك نظر المتأفف من كثرة شكواك التي يمل بها عامة الناس و الرحمان الرحيم الرؤف اللطيف بعباده . 

 

السائل:
ولماذا الاختبار أصلًا؟ لماذا لم يتركنا الله بلا ابتلاء؟


الجواب:
لأن الحياة بلا اختبار لا تعرف الكرامة وبلا اختيار لا تعرف القيمة وبلا حرية لا يعرف الإنسان الحقيقي من غيره من المخلوقين.

عن سلمة بن عطا، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام،

 قال: خرج الحسين بن عليّ عليهما السلام على أصحابه فقال:

«أيّها الناس! إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه .

فقال له رجل: يا بن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته» (٤)

الله سبحانه لم يُرِدنا مجرد دمى لا روح ولا اختيار فيها، بل أرادنا أحياءً نختار حتى لو اخترنا السؤال…وحتى لو تألمنا.

فالابتلاء ضرورة وجودية، وبدونه لا معنى للجزاء ولا للعدالة.

 

 الخلاصة التي تلامس العقل والقلب

الله لم يخلقك لأنه يحتاجك بل لأنه أراد لك أن تكون أفضل خلقه . ولم يضعك في دنيا متعبة ليعذّبك فقط، بل لأن روحك أكبر من الراحة المؤقتة التي ترجوها في مدة محدودة مقارنة بما أعده الله للمتقين المطيعين. وإذا شعرت يومًا أنك لا تريد الحياة، فربما روحك لا ترفض الوجود…بل ترفض العيش بلا معنى تتحرك من أجله.وأهل البيت عليهم السلام لم يأتوا ليقولوا: اصبر فقط
بل ليقولوا: افهم دورك في الحياة، ثم سر ببصيرة، كي تعبد الله سبحانه على بصيرة من أمرك ونحن معك بما يقوي منهجك ويصحح مسارك والحمد لله رب العالمين 

 

✍️ زاهر حسين العبد الله . 

 

المصادر : 

(١) العلامة المجلسي رحمه الله في البحار: ج8، ط الكمباني، ص108 ـ109.

(٢) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص9.

(٣) الخصال : 1 / 65 / 95 . ( 10 ).

(٤) علل الشرايع ،الصدوق ،ج١،ص٩. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🔲الشيخ جواد الدندن( شمعة العلم والتقى)

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم