حوارية (١٦٤) هوس الظهور… حين يُعلن الفراغ عن نفسه



📝 حوارية (١٦٤) هوس الظهور… حين يُعلن الفراغ عن نفسه

☝️السائل:

نلاحظ في هذه الفترة انتشار ظاهرة نشر اليوميات بشكل مفرط: أكل، لقاءات، جلسات، صور مع الآخرين، ثم تُنشر في القروبات دون إذن أو مراعاة، وكأن الغاية أن يُقال: أنا حاضر، أنا موجود إعلاميًا.

فما تفسير هذه الحالة؟ وكيف تُقرأ وفق مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟

✋الجواب – بسمه تعالى:

قبل أن نصف السلوك، ينبغي أن نقرأ الدافع، لأن أهل البيت عليهم السلام لا يحاكمون الأفعال بمعزل عن بواطنها أو دوافعها.

فالقرآن يضع قاعدة دقيقة في هذا الباب حين يقول تعالى :

﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾(القيامة: 14)

فالإنسان في العمق يعلم لماذا يفعل، حتى وإن زيّن فعله بتبريرات اجتماعية. أو تحقيق ذات لا يانس إلا به.

فهذه الظاهرة في كثير من مواردها ليست حبّ مشاركة بما يفعل أو يقول ، بل حاجة اعتراف يأخذها من الآخرين ،وليست تواصلًا مع المتابعين ، بل طلب طمأنينة من الخارج بعد فقدانها في الداخل اي داخل نفسه.

☝️السائل:

لكن أليس هذا من طبيعة عصر التواصل؟ أليس مجرد تفاعل طبيعي؟

✋الجواب:

لو كان تفاعلًا طبيعيًا، لما تحوّل إلى إلحاح،

ولما أُلغيت خصوصيات الآخرين،

ولما أصبح الصمت أثقل على صاحبه من الكلام.

أمير المؤمنين عليه السلام يضع ميزانًا دقيقًا حين يقول:

«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه» نهج البلاغة، الحكمة 81

من يعرف قيمته، لا يحتاج إلى إعلانها كل يوم،

ومن لم يعرفها، يطلبها في عيون الناس وأقوالهم وكتاباتهم وغير ذلك .

☝️السائل:

هل يدخل هذا في باب الرياء؟ مع أنه ليس عبادة؟

✋الجواب:

الرياء في مدرسة أهل البيت أوسع من صورة العابد،

هو طلب المنزلة في قلوب الناس لا طلب القبول من عند الله سبحانه .

الإمام الصادق عليه السلام يقول:

 ((كُلُّ رياءٍ شِرْكٌ، إنَّهُ مَنْ عَمِلَ للناسِ كانَ ثوابُهُ على الناسِ، ومَنْ عَمِلَ للهِ كانَ ثوابُهُ على اللهِ)). بحار الانوار ج72 ص281.

وقد لا يكون الشرك هنا في العبادة،

بل في تعليق الطمأنينة على نظر الناس وكلامهم وتعليقاتهم واعجابهم، والقيمة على تفاعلهم. وحذر منها أهل البيت عليهم السلام فالمدار المطلوب هو اخلاص النية لله سبحانه وأن يكون صاحب رسالة في خدمة محمد وآل محمد الطيبين

ولهذا قال تعالى:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5).

والإخلاص لا يعني ترك الظهور مطلقًا،

بل تحرير القصد من الحاجة إلى التصفيق. من الآخرين أو النظر إلى أعماله وأن لم يعلقوا يكفي انه يعلم انه ينظرون لنشر يومياته

وهذا خلاف تعاليم أهل البيت عليهم السلام ونسي قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام حينما قال : ( لا تقطعوا نهاركم بكذا وكذا وفعلنا كذا وكذا، فإنّ معكم حفظة يحفظون علينا وعليكم ) تحف العقول : ص ۱۰۳ .

☝️السائل:

لكن بعضهم يقول: أنا لا أقصد الرياء، فقط أنشر عفويًا.

✋الجواب:

العفوية أخي العزيز تُقاس بالحدود فإذا سقطت الحدود، لم تعد عفوية بل فوضى داخلية ورغبة في الظهور وازمة نقص لا تجبر إلا من خلال هذا الباب فتقع في المحذور كما ورد عن مولانا الإمام علي عليه السلام يقول:

«من كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قل ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النار» نهج البلاغة ٣ : ٢٣٥ | ٣٤٩.

ونحن اليوم أمام صورة جديدة من “كثرة الكلام”، كلام بالصورة وبالمشهد،

بالحضور القرى تارة والضيف الثقيل تارة والضيف الخفيف تارة أخرى في حياة الآخرين.

☝️السائل:

كيف نتعامل مع هذه الحالة اجتماعيًا؟

✋الجواب:

منهج أهل البيت لا يقوم على الفضح ولا التشهير، ولا على المجاملة التي تُفسد النفس.

قال الإمام الصادق عليه السلام:

عن سليمان بن مهران قال : دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وعنده نفر من الشيعة فسمعته.

وهو يقول: معاشر الشيعة كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول، وقبيح القول. وسائل الشيعة ،الحر العاملي،ج١٢،ص١٩٣ -١٩٤ .

فلا نُغذّي سلوكه بالإعجاب ولا نُصادمه بالإهانة،

بل: نحفظ خصوصياتنا ونضع حدودنا بهدوء ونتعامل معه بوعي لا بانفعال

☝️السائل:

وما العلاج الحقيقي من الداخل؟

✋الجواب:

العلاج ليس تقنيًا، بل تربوي روحي. يبدأ من الداخل وتنمية الرضا بما قسم الله سبحانه ولذ ورد عن مولانا الإمام علي عليه السلام يقول:

« من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه ، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس» نهج البلاغة ٣ : ٢٥٤ / ٤٢٣.

وحين يمتلئ الداخل، يهدأ الخارج تلقائيًا. ولذلك قال الإمام الصادق عليه السلام:

« عن جميل بن صالح ، عن ذريح قال : سمعت أبا عبدالله عليه‌السلام يقول : أيما مؤمن نفس عن مؤمن كربة ، وهو معسر ، يسر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر على مؤمن عورة يخافها ستر الله عليه سبعين عورة من عورات الدنيا والآخرة ، قال : والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه ، فانتفعوا بالعظة ، وارغبوا في الخير»

الوسائل ، الحر العاملي طآل البيت ، ج١٦، ص3٧١ .

فالتربية على الخفاء ليست حرمانًا، بل صيانة للكرامة.

ملخص الحوارية

ليس كل من يكثر النشر متفاخرًا، ولا كل من يصمت متوازنًا، لكن حين يتحوّل النشر إلى تعويضٍ عن فراغٍ داخلي، فهو رسالة غير معلنة عن قلقٍ أعمق. ومن عرف قدره عند الله سبحانه وتعالى ، خفّ احتياجه إلى الإعلان عن نفسه والتسويق لها قصد أم لم يقصد ،

وسكن قلبه، ولو لم يره أحد.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بيته الطيبين الطاهرين.

✍️زاهر حسين العبد الله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🔲الشيخ جواد الدندن( شمعة العلم والتقى)

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم