هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

 


هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✍️ بقلم: زاهر حسين العبد الله

في زمنٍ تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة، لم يعد الحديث عن هذه التقنية مقتصراً على مجالات الصناعة والاقتصاد والطب، بل امتد ليطرق أبواب العقيدة والفقه والعبادة، مثيراً تساؤلات عميقة حول موقع الإنسان والعقل والمرجعية الدينية في عصر الآلة.

وفي هذه المحاضرة الفكرية المهمة، تناول سماحة السيد منير الخباز حفظه الله هذه الإشكالية من زوايا متعددة، محاولاً رسم الحدود الفاصلة بين ما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي، وما يبقى حكراً على الإنسان العاقل المؤمن.

افتتح سماحته حديثه بقوله تعالى:

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ(١٨)﴾الزمر. 

ثم طرح مجموعة من الأسئلة الجريئة التي فرضتها الثورة الرقمية المعاصرة.

التساؤلات التي أثارتها المحاضرة

• هل يمكن أن نستقي معتقداتنا وأدلتنا في أصول الدين من الذكاء الاصطناعي؟

• هل يمكن أن يتحول نظام مثل ChatGPT مستقبلاً إلى مرجع تقليد يُرجع إليه الشيعة في أحكامهم الشرعية؟

• هل يستطيع الروبوت أن يؤدي العبادات النيابية عن الإنسان؟

• وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل العقل البشري في اتخاذ القرار الديني؟

ومن أجل الإجابة عن هذه التساؤلات، تناول السيد الخباز حفظه الله سبعة محاور أساسية.

أولاً: ما هو مستوى الذكاء الاصطناعي اليوم؟

بيّن سماحته أن الذكاء الاصطناعي يمثل طفرة معرفية غير مسبوقة؛ فهو قادر على معالجة كميات هائلة من البيانات، واستخلاص النتائج خلال ثوانٍ معدودة، بل تجاوز ذلك إلى التحكم بالصور والأصوات، والمساهمة في تشخيص الأمراض، وقراءة الأشعة الطبية، واقتراح الأدوية المناسبة.

إنه يختصر على الإنسان سنوات طويلة من البحث والتتبع، ويمنحه قدرة استثنائية على الوصول إلى المعلومات، لكنه مع ذلك يبقى نظاماً قائماً على معالجة البيانات، لا على إدراك الواقع والشعور به.

ثانياً: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعياً حقيقياً؟

طرح المحاضر سؤالاً جوهرياً: هل يكفي امتلاك القدرة على الإجابة والتحليل لكي نصف الذكاء الاصطناعي بأنه واعٍ؟

استعرض سماحته رأي عدد من علماء الأعصاب المعرفيين الذين يرون أن الذكاء الاصطناعي فاقد للوعي الإنساني، ثم قدّم تحليله الخاص، فميّز بين الوعي المعالجاتي والوعي الإنساني.

فالوعي الإنساني يمر بأربع مراحل مترابطة:

1. التجربة الحسية: استقبال المؤثرات الخارجية.

2. التجربة الوجدانية: الشعور بالحزن أو الفرح أو القلق تجاه ما يُدركه الإنسان.

3. التجربة الإدراكية: تحليل المعطيات والانتقال من الأثر إلى المؤثر.

4. التجربة الفاعلية: اتخاذ القرار الواعي والتصرف على أساسه.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو وإن كان قادراً على إنتاج الشعر وكتابة البحوث وتحليل المعلومات، إلا أنه لا يعيش مشاعر الخوف والأمل، ولا يمتلك إحساساً بالمسؤولية، كما أنه ليس معصوماً من الخطأ، بل قد يستند إلى بيانات ناقصة أو يختلق مصادر غير موجودة.

ومن هنا خلص المحاضر إلى نتيجة مهمة:

الذكاء الاصطناعي يمتلك وعياً معالجاتياً، لكنه لا يمتلك وعياً إنسانياً.

ثالثاً: هل المجتمع يبني التكنولوجيا أم التكنولوجيا تبني المجتمع؟

استعرض السيد الخباز رؤية بعض الباحثين المعاصرين الذين يؤكدون أن تقدم الحضارات قام على تبادل الخبرات والتجارب بين البشر، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ..(١٣)﴾الحجرات. 

فالتكنولوجيا أسهمت في تقريب المسافات وتبادل المعرفة، لكنها قد تتحول إلى خطر إذا أصبحت مركز القرار الوحيد، بحيث يُستغنى عن الإنسان في التفكير والإبداع والعمل.

إن المشكلة ليست في تطور التقنية، بل في أن يتخلى الإنسان عن دوره، ويصبح مجرد متلقٍ لما تنتجه الخوارزميات.

ولذلك دعا المحاضر إلى الانتقال من مركزية الشركات التقنية العملاقة إلى لامركزية تحفظ للإنسان دوره في صناعة المعرفة وتداولها.

رابعاً: هل يمكن استقاء العقائد من الذكاء الاصطناعي؟

فرّق السيد منير الخباز حفظه الله بين نوعين من المعتقدات.

النوع الأول: العقائد التي يُطلب فيها اليقين ابتداءً

وهي أصول الدين الخمسة: التوحيد -العدل -النبوة – الإمامة - المعاد

فهذه لا يكفي فيها أن تعرض الآلة براهين أو تنظّم الأدلة، بل لا بد أن يصل الإنسان بنفسه إلى الاطمئنان واليقين.

فإذا تولد اليقين في نفس الإنسان بعد مطالعة ما عرضه الذكاء الاصطناعي، فإن الحجة عليه ليست الآلة، بل يقينه الشخصي.

النوع الثاني: المعتقدات التي تثبت بالدليل المعتبر

كمسائل الرجعة وبعض التفاصيل العقدية.

فإذا عرض الذكاء الاصطناعي دليلاً، ثم قام الإنسان بفحصه والتأكد من اعتباره، جاز التدين به.

ولهذا عبّر سماحة السيد الخباز حفظه الله عن الذكاء الاصطناعي بقوله:

إنه مُعْقِلٌ وليس عاقلاً؛ فهو يعرض الأدلة على العقل، لكنه لا يمارس فعل التعقل بنفسه.

خامساً: هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي مرجعاً للتقليد؟

يُعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة جرأةً وإثارةً في عصر الثورة الرقمية، خصوصاً مع قدرة الأنظمة الذكية على الإجابة عن آلاف المسائل الفقهية في لحظات معدودة، واستحضار النصوص والروايات وأقوال الفقهاء بسرعة قد يعجز عنها الباحث البشري.

لكن السيد منير الخباز حفظه الله أجاب عن هذا السؤال بالنفي القاطع، مبيناً أن الاجتهاد الفقهي ليس عملية حسابية ولا خوارزمية مبرمجة، بل هو ملكة علمية وروحية تتشكل عبر عقود طويلة من البحث والتجربة والتقوى.

وبيّن أن الذكاء الاصطناعي يفتقد ثلاثة مقومات رئيسية لا تقوم المرجعية الدينية بدونها.

١- الذوق العرفي

إن النصوص الشرعية ليست ألفاظاً جامدة، بل هي خطاب موجّه إلى مجتمع حي، له ثقافته وارتكازاته وأساليب تعبيره.

فالفقيه لا يقرأ الرواية قراءة لغوية مجردة، وإنما يستحضر:

• القرائن الحالية.

• الملابسات التاريخية.

• الارتكازات العقلائية.

• طبيعة البيئة الاجتماعية التي صدر فيها النص.

ولهذا قد يفهم فقيهان من النص الواحد معنيين مختلفين بسبب تفاوت الذوق العرفي بينهما.

أما الذكاء الاصطناعي فإنه يتعامل مع الكلمات بوصفها أنماطاً إحصائية، ولا يعيش التجربة الاجتماعية التي تمنح النص روحه ودلالته الحقيقية.

٢- الخبرة التراكمية والملكة الاجتهادية

شبّه السيد الخباز المرجع الديني بالطبيب الخبير.

فالطبيب لا يصبح مرجعاً طبياً لمجرد امتلاكه مكتبة مليئة بالكتب، وإنما تتشكل شخصيته العلمية من خلال سنوات طويلة من الممارسة والتجربة وتشخيص الحالات المرضية.

وكذلك الفقيه.

فقد يقضي ثلاثين أو أربعين عاماً في البحث الخارج، ومناقشة المباني الأصولية، وتحليل الروايات، وتتبع كلمات الأعلام، حتى تتكون لديه الملكة الاجتهادية التي تمكنه من اكتشاف المناطات الدقيقة وترجيح بعض الوجوه على بعض.

إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع الأقوال ويصنفها، لكنه لا يمتلك الحدس العلمي المتولد من تراكم الخبرة والممارسة.



٣- الورع والخوف من الله في مقام الإفتاء

وهذا هو العنصر الأهم. فالفتوى ليست مجرد جواب تقني، بل هي توقيع عن الله سبحانه وتعالى.

ولهذا كان العلماء يتورعون عن الإفتاء، ويخشون الوقوف بين يدي الله تعالى وهم قد أفتوا بغير علم.

فالفقيه حين يصدر فتوى لا ينظر فقط إلى دلالة النص، بل يتأمل في آثارها ومآلاتها، ويتساءل:

• هل يترتب عليها ضرر؟

• هل تؤدي إلى وقوع المؤمنين في الحرج؟

• هل تتعارض مع قواعد شرعية أخرى؟

• هل يقتضي الاحتياط التوقف عن الإفتاء؟

وهذا الشعور بالمسؤولية لا يمكن أن ينشأ من شريحة إلكترونية أو برنامج حاسوبي. ولذلك اشترطت النصوص في المرجع أن يكون:

كما في مقبولة المروية عن مولانا الحجة عليه السلام « من رأيتموه من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه.»

فالذكاء الاصطناعي قد يصبح مساعداً للمراجع، وقد يتحول إلى مكتبة ذكية متطورة، لكنه لن يصبح مرجعاً للتقليد؛ لأن المرجعية ليست معرفةً فحسب، بل عقلٌ وخبرةٌ وتقوى وورعٌ ومسؤولية أمام الله تعالى.

سادساً: هل يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تشخيص الموضوعات؟

فرّق المحاضر بين الحكم الشرعي والموضوع الخارجي. فالحكم الشرعي مصدره الفقيه، أما تشخيص الموضوع فهو وظيفة المكلف.

فإذا أدى استخدام الذكاء الاصطناعي إلى حصول الاطمئنان العقلائي بتحديد القبلة، أو دخول الوقت، أو ثبوت الهلال، أو تشخيص البصمة الوراثية، جاز الاعتماد عليه.

وعليه، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون طريقاً لتحصيل الاطمئنان، لكنه ليس مصدراً للحكم الشرعي.

سابعاً: هل يمكنه تولي القضاء أو أداء العبادات النيابية؟

أكد السيد منير الخباز أن الأعمال التي تتوقف على النية والإرادة وقصد القربة لا يمكن أن تصدر من الآلة.

فلا يصح:

• أن يصلي روبوت عن الميت.

• أن يحج عن العاجز.

• أن يجري عقد النكاح أو الطلاق.

• أن يتولى منصب القضاء أو الولاية الشرعية.

لأن هذه المناصب والأفعال تقوم على حقائق إنسانية، كالنية، والعدالة، والتقوى، والإرادة الواعية، وهي أمور لا تتوفر في البرامج الحاسوبية.

أبرز النتائج التي انتهت إليها المحاضرة

🔹 الذكاء الاصطناعي إنجاز بشري هائل، لكنه لا يرقى إلى مرتبة الإنسان الواعي المسؤول.

🔹 العقيدة الإسلامية تُبنى على يقين الإنسان وتعقله، لا على مخرجات الآلة.

🔹 المرجعية الدينية ليست مخزوناً معلوماتياً، بل ملكة اجتهادية ممتزجة بالخبرة والورع والتقوى.

🔹 يمكن الإفادة من الذكاء الاصطناعي في خدمة البحث الفقهي وتشخيص الموضوعات الخارجية.

🔹 الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور التقنية، بل في أن يستقيل الإنسان من التفكير، ويسلّم زمام عقله للآلة.

كلمة أخيرة

لقد أراد سماحة السيد منير الخباز حفظه الله أن يؤكد رسالة أساسية مفادها أن الإسلام لا يقف في مواجهة التقنية، بل يرحب بكل وسيلة تخدم الإنسان وتوسع آفاق معرفته، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تتحول الآلة إلى بديل عن العقل، أو أن يُختزل الإنسان في خوارزمية.

فالذكاء الاصطناعي قد يجمع المعلومات، ويختصر المسافات، ويقترح الحلول، لكنه لا يستطيع أن يحمل أمانة التكليف، ولا أن يعيش خشية الله سبحانه، ولا أن يتحمل مسؤولية القرار بين يدي الخالق سبحانه وتعالى.

ومن هنا ستبقى قيمة الإنسان كامنة في عقله، وفؤاده، وإرادته، وفي قدرته على أن يكون مستخدِماً للتقنية لا مستخدَماً بها.

والحمد لله رب العالمين 


بقلم : زاهر حسين العبد الله

تعليقات