تقرير ندوة حركة الأجيال في الرؤية القرآنية والواقع المعاصر
ندوة حركة الأجيال في الرؤية القرآنية والواقع المعاصر
قراءة في أطروحة سماحة الأستاذ الشيخ عبد الجليل بن سعد (حفظه الله)
بقلم: زاهر حسين العبد الله
مقدمة :
لم تكن الندوة التي قدمها سماحة الأستاذ الشيخ عبد الجليل بن سعد (حفظه الله) مجرد حديثٍ عن "الأجيال" بوصفها تعاقبًا زمنيًا أو تصنيفًا اجتماعيًا، بل كانت محاولة لإعادة بناء هذا المفهوم في ضوء الرؤية القرآنية، ونقله من حدود التقسيمات الحديثة إلى أفق الرسالة الإلهية. فقد أعاد الشيخ تعريف الجيل بوصفه حالة وعي ومسيرةً حضاريةً متصلة، لا مجرد فئة عمرية يجمعها زمان واحد.
ومن هنا جاءت أطروحته مختلفة؛ إذ انطلقت من الإنسان بوصفه ابن رسالته لا ابن عصره، فرأت الأجيال حلقاتٍ متكاملة في مشروع إلهي واحد، تتنوع أدوارها وتتوحد غاياتها. ولذلك استبدلت فكرة "صراع الأجيال" بمفهوم "موكب الأجيال"، حيث يحمل كل جيل أمانة من سبقه ويسلمها لمن بعده في مسيرة الهداية نحو الله تعالى.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، اختير الإمام الحسين (عليه السلام) محورًا للأطروحة؛ لا بوصفه رمزًا لجيلٍ بعينه، بل باعتباره المدرسة التي تلتقي عندها الأجيال جميعًا، فيغدو الانتماء للموقف والرسالة لا للعمر والمرحلة.
وتنقلت الندوة بين قضايا متعددة؛ من تحديات الجيل الرقمي، وقراءة كربلاء بمنظار الامتداد الحضاري، ودور المرأة في صناعة الأجيال، إلى أسس التربية والبناء القرآني واستشراف الجيل المهدوي، لكنها بقيت وفية لفكرتها المركزية: أن الإنسان لا يُبنى خارج سياق الرسالة، وأن الأجيال ليست مراحل متقطعة، بل حلقات متصلة في حركة التاريخ الإلهي. ولم تبقِ هذه الرؤية حبيسة التنظير، بل امتدت إلى واقع الأسرة والتربية وتحديات العصر، فلامست حياة الناس بقدر ما أصّلت للمفاهيم.
جلسة الأسئلة والأجوبة
بعد انتهاء الندوة، فُتح باب الحوار مع الحضور، فتتابعت الأسئلة التي عكست اهتمامًا بالمحاور الفكرية والتربوية التي تناولتها الأطروحة. وقد جاءت إجابات سماحة الشيخ عبد الجليل بن سعد حفظه الله امتدادًا لما طرحه في المحاضرات، مؤكدة أن بناء الأجيال في الرؤية القرآنية لا يقوم على المعالجات الآنية، بل على تأسيس وعي ممتد يصنع الإنسان ويحصّن المجتمع.
السؤال الأول :
ما المقصود بالوعي الذي يجعل منه القرآن أساسًا في بناء الأجيال؟
استهل سماحة الشيخ إجابته بحمد الله تعالى والصلاة على النبي وآله الأطهار، معبرًا عن امتنانه للحضور الذين تابعوا سلسلة المحاضرات، ثم أوضح أن الهدف الرئيس من هذه الأطروحة كان تجاوز الفهم المتداول لمفهوم «الجيل»، الذي يختزله في البعد الزمني أو العمري، إلى مفهوم أوسع يستمد معاييره من القرآن الكريم.
وبيّن أن التقسيمات الحديثة، كالجيل الرقمي أو جيل الألفية أو غيرها، ليست مرفوضة في ذاتها، لكنها لا تعبّر عن الرؤية القرآنية الكاملة؛ لأنها تنظر إلى الإنسان بوصفه ابنًا لمرحلة زمنية، بينما ينظر القرآن إليه بوصفه ابنًا لرسالة ممتدة عبر التاريخ. ومن هنا جاءت فكرة «الجيل الروحي» التي لا تلغي اختلاف الأعمار، لكنها تجعل جميع الأجيال تتحرك ضمن مشروع إلهي واحد، يحمل فيه اللاحق رسالة السابق، وتتواصل فيه مسيرة الإيمان دون انقطاع.
وأشار إلى أن افتتاح السلسلة بمحاضرة «الحسين ملتقى الأجيال» واختتامها بالفكرة نفسها لم يكن أمرًا عفويًا، بل كان مقصودًا لترسيخ هذا المعنى؛ فالإمام الحسين عليه السلام لا يمثل جيلًا تاريخيًا بعينه، وإنما يمثل محورًا تلتقي عنده جميع الأجيال، فتذوب الفوارق الزمنية أمام وحدة الرسالة والهدف.
وانتقل الشيخ بعد ذلك إلى بيان حقيقة الوعي الذي أراده القرآن، مؤكدًا أنه لا يقتصر على كثرة المعلومات أو الإحاطة بالواقع، بل هو إدراك الإنسان لموقعه في هذه المسيرة الممتدة، بحيث يتحرك وهو واعٍ بمبدئه ومعاده، ومدرك للاتجاه الذي يسير إليه. فالإنسان الواعي لا ينظر إلى الحاضر بمعزل عن الماضي أو المستقبل، وإنما يربط تفاصيل حياته كلها بهدفها النهائي، ولذلك يكثر القرآن من ربط الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، لأن هذا الارتباط هو الذي يمنح الإنسان القدرة على ضبط سلوكه وترتيب أولوياته.
وأوضح أن من يوقن بأنه يسير في طريق يبدأ بالله وينتهي إليه، ستكون قراراته ومواقفه مختلفة عن شخص لا يرى في الحياة إلا بعدها المادي المحدود. ومن هنا تنشأ وحدة المجتمع القرآني؛ إذ يجتمع أفراده على التوحيد، وتتحد رسالتهم وإن اختلفت أزمانهم وأدوارهم، فيصبح اختلاف الأجيال اختلافًا في الوظائف لا في الغايات، وتغدو مسيرة الأمة سلسلة متصلة من الوعي والإيمان، لا مجموعة أجيال متصارعة كما تصوّرها بعض النظريات الحديثة.
السؤال الثاني :
كيف نوجّه فضول الجيل الرقمي إلى ما ينفع؟
وصف سماحة الشيخ هذا السؤال بأنه من أهم الأسئلة التي تواجه الأسرة والمجتمع في العصر الحاضر، مبينًا أن الفضول وحب الاكتشاف ليسا ظاهرة جديدة، وإنما رافقا الإنسان في مختلف الأزمنة، إلا أن الثورة الرقمية وسعت دائرة هذا الفضول، وفتحت أمام الأجيال الجديدة آفاقًا غير مسبوقة للوصول إلى المعلومات والأفكار، الأمر الذي يجعل مسؤولية التوجيه أكثر تعقيدًا من السابق.
ولفت إلى أن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقوم على ردود الأفعال المتأخرة، وإنما على التخطيط المسبق، مبينًا أن التعامل مع الجيل يمر بثلاث مراحل متكاملة: الفعل، وردة الفعل، ثم التفاعل. فالمجتمعات الناجحة لا تنتظر وقوع المشكلة حتى تبدأ بمعالجتها، وإنما تستعد لها منذ البداية عبر بناء خطط تربوية واضحة تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والإعلامية.
وأشار إلى أن الأسرة في الماضي كانت تمثل البيئة التربوية الأولى، وكان تأثير الأب والأم هو الغالب في تشكيل شخصية الأبناء، أما اليوم فقد أصبحت المنصات الرقمية، ووسائل الإعلام، والمؤثرون، والبرامج الإلكترونية شركاء حقيقيين في صناعة الوعي، بل قد يتجاوز تأثيرهم أحيانًا تأثير الأسرة نفسها، مما يجعل المسؤولية جماعية لا فردية.
وانتقل الشيخ إلى بيان أهمية التناسب بين حجم التحديات وطبيعة المعالجة، مستشهدًا بما يحدث في مواجهة الظواهر الفكرية والاجتماعية الكبرى؛ فكما أن انتشار التطرف احتاج إلى جهود العلماء، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، فإن أي انحراف فكري أو أخلاقي لا يمكن احتواؤه بجهد فردي معزول، بل يحتاج إلى تفاعل مجتمعي متكامل.
كما استشهد بنهضة الإمام الحسين عليه السلام بوصفها نموذجًا لأعظم ردة فعل تناسبت مع حجم الانحراف الذي أصاب الأمة، موضحًا أن الشجاعة لا تتمثل في المنع المطلق ولا في الإباحة المطلقة، وإنما في حسن التقدير، بحيث يُمنع ما يقتضي المنع، ويُسمح بما يحقق المصلحة، ضمن ضوابط واضحة تحفظ الأبناء من الانجراف دون أن تعزلهم عن واقعهم.
وختم سماحته بالتأكيد على أن الوعي لا يصنعه المنع وحده، وإنما يصنعه التواصل المستمر، والتربية المتواصلة، وإبقاء القيم حاضرة في وجدان الإنسان. وضرب لذلك مثال الأذان الذي يتكرر في كل يوم، ليس لأن جميع الناس يستجيبون له، وإنما لأن استمرار النداء يحافظ على حضور الوعي الديني في المجتمع، وكذلك ينبغي أن تكون التربية؛ عملية دائمة ترافق الإنسان في جميع مراحل حياته، لا مجرد استجابة مؤقتة عند ظهور المشكلات.
السؤال الثالث
ما أسباب ظهور بعض مظاهر التسلف داخل الوسط الشيعي؟ وكيف نحمي أنفسنا منها؟
أوضح سماحة الشيخ أن هذا السؤال جاء نتيجة ما أثاره في أثناء المحاضرات من الحديث عن بعض مظاهر التشدد في التعامل مع التراث، فاستدعى ذلك مزيدًا من البيان حتى لا تُفهم الفكرة على غير مرادها.
وبيّن ابتداءً أن المثال الذي ذكره حول الاعتقاد بصحة جميع ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة لم يكن انتقاصًا من مكانة هذه الكتب، فهي من أهم مصادر الحديث عند الإمامية وتحظى بمكانة علمية رفيعة، وإنما كان المقصود التنبيه إلى منهجية التعامل معها. فهناك فرق بين الاعتراف بقيمة هذه المصادر، وبين التسليم بصحة جميع رواياتها دون دراسة وتمحيص، لأن المنهج العلمي الذي سار عليه علماء الإمامية قائم على التحقيق والنقد، لا على التسليم المطلق.
ومن هنا أكد أن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، وإنما في طريقة التعامل معه، فكما يناقش علماء أهل السنة مناهج التعاطي مع كتبهم الحديثية، فإن من الطبيعي أن يناقش علماء الإمامية مناهج الاستفادة من مصادرهم الحديثية، بعيدًا عن التقديس غير المنضبط أو الرفض غير المبرر.
ثم وسّع الشيخ دائرة الحديث، مبينًا أن الفكر المتشدد لا يظهر بصورة واحدة، ولا يبقى ثابتًا عبر العصور، بل يتلون بحسب الظروف الثقافية والاجتماعية. فقد يظهر أحيانًا في الفقه، وأحيانًا في الشعائر، وربما يتجسد في السلوك الاجتماعي أو في طريقة التفكير وإصدار الأحكام. ولذلك فإن مسؤولية العلماء والمثقفين لا تقتصر على معرفة صور التشدد القديمة، بل تمتد إلى اكتشاف صوره الجديدة التي قد تتخفى تحت عناوين مختلفة.
أما عن وسائل الوقاية، فقد أكد أن المطلوب ليس الانشغال بتصنيف الأشخاص أو خوض معارك مع المخالفين، وإنما بناء منهج معرفي سليم يرسخ العقلانية بوصفها أسلوبًا في التفكير، لا مجرد شعار يرفع. فالعقلانية التي يدعو إليها القرآن وأهل البيت عليهم السلام تعني حسن الفهم، والتثبت، والتوازن في إصدار الأحكام، والابتعاد عن الإفراط والتفريط.
وأشار إلى أن صناعة هذا النوع من العقل لا تتم بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى مشروع علمي طويل تتكامل فيه جهود الحوزات العلمية، والجامعات، والمؤسسات الفكرية، من أجل إعداد علماء ومفكرين يمتلكون القدرة على قراءة الواقع، وتمييز الأفكار، وإدارة الاختلاف بعلم وحكمة.
واستشهد بتجارب المرجعيات العلمية الكبرى، مبينًا أن ما ميّز شخصيات مثل السيد أبي الحسن الأصفهاني والمجدد الشيرازي - قدس الله اسرارهما - لم يكن وفرة العلم فحسب، وإنما امتلاكهما قدرًا عاليًا من الرشد والعقلانية في إدارة شؤون الأمة، وهو ما جعلهما محل ثقة المجتمع وقيادته.
وختم الشيخ جوابه بالتأكيد على أن مواجهة الأفكار المنحرفة لا تكون بالصدام والانفعال، وإنما بالمحاصرة العلمية، وذلك عبر الاستماع إلى الفكرة أولًا، وفهمها كما يطرحها أصحابها، ثم مناقشتها بالحجة والبرهان. واستشهد بمناظرة عبد الله بن عباس مع الخوارج، التي نجح فيها بالحوار والعلم في إعادة أعداد كبيرة منهم إلى جادة الصواب، مؤكدًا أن الحوار العلمي الصادق يبقى من أنجح وسائل حماية المجتمع من الانحراف.
السؤال الرابع :
كيف نبني عقلًا ناقدًا من غير أن يتحول إلى عقل صدامي؟
أكد سماحة الشيخ أن الحاجة إلى العقل النقدي أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، غير أن كثيرًا من الناس يخلطون بين النقد وبين الخصومة، فيتصورون أن امتلاك العقل الناقد يعني معارضة كل رأي، أو الدخول في مواجهة دائمة مع الآخرين، بينما هذا الفهم بعيد عن حقيقة العقلانية التي يؤسس لها القرآن الكريم.
وأوضح أن أولى خطوات العقل النقدي هي حسن الفهم؛ فالإنسان العاقل لا يصدر أحكامه اعتمادًا على الانطباعات أو ما ينقله الآخرون، بل يسعى أولًا إلى فهم الفكرة كما يريد صاحبها أن تُفهم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مناقشتها وتقويمها. ولذلك فإن الفهم يسبق النقد، والحوار يسبق إصدار الأحكام.
وبيّن أن المنهج العلمي لا يبدأ بالتصنيف أو التخوين أو التشكيك في النيات، وإنما يبدأ بالإنصاف، لأن كثيرًا من النزاعات الفكرية تنشأ من سوء الفهم قبل أن تنشأ من الاختلاف الحقيقي في الأفكار.
وأشار إلى أن المواجهة العلمية تختلف جذريًا عن المواجهة الانفعالية؛ فالفكر لا يعالج بالصوت المرتفع، ولا بالغضب، وإنما بالحجة والبرهان، وبالصبر وطول النفس، وهي القيم التي رسخها أهل البيت عليهم السلام في منهجهم العلمي والحواري.
وأكد أن الكلمة الهادئة قد تحقق من النتائج ما لا تحققه أشد أساليب المواجهة، ولهذا فإن أصحاب الفكر مدعوون إلى فتح أبواب الحوار، وتوسيع مساحات النقاش الهادئ، لأن المجتمعات لا تتطور بإقصاء الآراء، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف إدارة واعية ومنضبطة.
ومن هنا خلص الشيخ إلى أن العقل النقدي الحقيقي ليس عقلًا يبحث عن إسقاط الآخرين، وإنما عقل يبحث عن الوصول إلى الحقيقة، ويزن الأفكار بميزان الدليل، لا بميزان الانفعال أو التعصب.
السؤال الخامس :
ما دور النخب العلمية في حماية المجتمع من الانحراف؟
أوضح سماحة الشيخ أن مسؤولية حماية المجتمع مسؤولية عامة، يتحملها كل فرد بحسب موقعه وإمكاناته، إلا أن هذه المسؤولية تتضاعف كلما اتسعت مساحة التأثير، ولذلك كانت للنخب العلمية والفكرية مكانة خاصة في حفظ توازن المجتمع وتوجيه مسيرته.
وبيّن أن الطبيب مسؤول عن صحة المجتمع، والمعلم مسؤول عن بناء الأجيال، والأب مسؤول عن أسرته، والخطيب مسؤول عن منبره، والكاتب مسؤول عن قلمه، وكل واحد منهم يؤدي دورًا لا يغني عنه غيره، غير أن نجاح هذه الأدوار يحتاج إلى قيادة فكرية تمتلك رؤية شاملة، وتستطيع قراءة التحولات التي يشهدها المجتمع.
وأكد أن الأمة لا تحتاج إلى أصحاب العلم المجرد فقط، ولا إلى أصحاب الحماسة وحدها، وإنما تحتاج إلى علماء يجمعون بين العلم والوعي، فيدركون طبيعة المتغيرات، ويحسنون تنزيل الأحكام والمبادئ على الواقع المتجدد.
وأشار إلى أن المرجعية الواعية عبر التاريخ كانت عنصر استقرار للمجتمع؛ لأنها لم تنظر إلى القضايا من زاوية واحدة، بل كانت تراعي مختلف الأبعاد الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهو ما منحها القدرة على توجيه الأمة وسط التحولات والأزمات.
وختم الشيخ بالتأكيد على أن بناء المجتمع مسؤولية تكاملية، تتضافر فيها جهود العلماء والمربين والمثقفين وسائر أصحاب التأثير، حتى تتشكل بيئة قادرة على مواجهة الانحراف وصناعة الوعي، وهو ما تنشده الرؤية القرآنية في بناء الأجيال.
السؤال السادس :
كيف نواجه الأفكار المنحرفة في عصر الانفتاح الرقمي؟
أكد سماحة الشيخ أن طبيعة التحديات الفكرية قد تغيرت بصورة كبيرة مع التطور التقني والانفتاح الإعلامي، فلم يعد من الممكن عزل الأجيال عن الأفكار الوافدة أو حجبها كما كان في السابق. فالإنسان اليوم يعيش في عالم مفتوح، تصل إليه مختلف الثقافات والاتجاهات بضغطة زر، الأمر الذي يجعل الرهان الحقيقي منصبًا على بناء الإنسان لا على إغلاق المنافذ.
وأوضح أن الاقتصار على المنع أو التحذير لا يصنع شخصية قادرة على الثبات أمام المتغيرات، بل قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية. أما المنهج القرآني فيقوم على صناعة الإنسان المفكر، الذي يمتلك أدوات التمييز بين الحق والباطل، ويزن الأفكار بميزان الدليل لا بميزان الانفعال أو التقليد.
وأشار إلى أن القرآن الكريم لم يربِّ الإنسان على تلقي المعلومات فحسب، وإنما دعاه إلى التفكر والتدبر والنظر في العواقب، ليصبح قادرًا على مواجهة الشبهات بعقله وإيمانه. ومن هنا فإن مسؤولية المؤسسات التربوية والثقافية لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تتعداها إلى تنمية مهارات التحليل، والنقد، والحوار، حتى يصبح الجيل قادرًا على التعامل مع سيل الأفكار المعاصرة بثقة واتزان.
وختم سماحته بالتأكيد على أن الحصانة الفكرية ليست ثمرة كثرة المعلومات، وإنما ثمرة بناء عقل واعٍ، يعرف كيف يستفيد من المعرفة دون أن يقع أسيرًا لها أو منقادًا لكل ما يعرض عليه.
السؤال السابع :
لماذا لا تحظى الهجرة النبوية بالحضور الذي تحظى به مناسبات إسلامية أخرى؟ وهل الهجرة مجرد انتقال مكاني؟
انتقل الحوار إلى سؤال يتصل بمحاضرة الهجرة النبوية، حيث تساءل أحد الحاضرين عن سبب ضعف الاهتمام بذكرى الهجرة مقارنة ببعض المناسبات الإسلامية الأخرى، وما إذا كانت الهجرة تقتصر على كونها حدثًا تاريخيًا.
أوضح سماحة الشيخ أن الهجرة في المنظور القرآني أوسع بكثير من كونها انتقالًا جغرافيًا من مكة إلى المدينة، فهي تمثل تحولًا حضاريًا نقل الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الأمة والدولة. ولذلك فإن دراسة الهجرة ينبغي أن تنصرف إلى المشروع الذي تأسس بعدها، لا إلى الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وآله فحسب.
وبيّن أن المدينة المنورة لم تصبح ذات مكانة لأنها استقبلت النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، بل لأنها تحولت إلى مركز لصناعة الإنسان، ومنها انطلقت التشريعات، وبُني المسجد، وأُسست المؤاخاة بين المسلمين، ووضعت اللبنات الأولى للدولة الإسلامية. ومن هنا فإن الهجرة كانت بداية مشروع حضاري متكامل، لا مجرد انتقال من مكان إلى آخر.
وأضاف أن هذا المفهوم لا يقتصر على البعد التاريخي، بل يمتد إلى حياة المؤمن في كل زمان؛ فالهجرة الحقيقية هي انتقال الإنسان المستمر من النقص إلى الكمال، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن المعصية إلى الطاعة. وبذلك تصبح الهجرة منهجًا دائمًا للتزكية والإصلاح، وليست مناسبة عابرة في صفحات التاريخ.
كما أشار إلى أن أبواب الخير لا تنحصر في المشاركة المباشرة، فكما شرعت النيابة في الحج، يمكن للإنسان أن يشارك في آثار الجهاد والهجرة وسائر الأعمال الصالحة بدعم أهلها وخدمة مشاريعها، فينال نصيبًا من ثوابها، وهو ما يفتح أمام المؤمن آفاقًا واسعة للمشاركة في صناعة الخير.
وختم الشيخ حديثه بالتأكيد على أن إحياء الهجرة يحتاج إلى ثلاثة مسارات متكاملة: مسار شعائري يحفظ حضورها في وجدان الأمة، ومسار معلمي يحافظ على آثارها التاريخية، ومسار علمي يستخرج دروسها في التربية والاجتماع والسياسة وبناء الإنسان، حتى تبقى الهجرة مدرسة متجددة لا ذكرى موسمية.
السؤال الثامن :
هل تحدث أهل البيت عليهم السلام عن نظرية الأجيال كما تُطرح اليوم؟
رأى سماحة الشيخ أن صياغة السؤال تحتاج إلى شيء من التصحيح؛ لأنها تفترض أن نظرية الأجيال هي الإطار الوحيد الذي ينبغي البحث عنه في كلمات أهل البيت عليهم السلام، بينما الحقيقة أن أهل البيت قدموا منظومة متكاملة من السنن الإلهية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ، وهي أوسع بكثير من أي نظرية اجتماعية معاصرة.
وأوضح أن نظريات الأجيال تمثل محاولة لتفسير جانب من حركة المجتمعات، شأنها شأن نظريات التاريخ أو الحضارة أو الاجتماع، لكنها تبقى محدودة بإطارها المعرفي. أما مدرسة أهل البيت عليهم السلام فقدمت قوانين عامة تشمل مختلف جوانب الحياة، وتستوعب هذه النظريات جميعًا دون أن تنحصر فيها.
ومن هنا أكد أن الجيل الذي وصفه في محاضراته بـ«الجيل الثقلاني» أو «الجيل الإمامي» هو الجيل الذي لا يتعامل مع نظرية واحدة بوصفها تفسيرًا نهائيًا للواقع، بل يزن جميع النظريات بميزان السنن الإلهية، فيأخذ منها ما ينسجم مع القرآن، ويضع كل فكرة في موضعها الصحيح.
السؤال التاسع :
كيف يتعامل الجيل الواعي مع الفتن التي قد تعطل حركة الأجيال؟
بيّن سماحة الشيخ أن الفتن جزء من السنن التي تمر بها المجتمعات، ولا يمكن تصور حركة التاريخ من دونها، فهي تمثل محطات اختبار وتمحيص، يتمايز فيها أصحاب البصيرة عن غيرهم.
وأشار إلى ما ورد عن أمير المؤمنين والإمام الصادق عليهما السلام: «إذا أقبلت الفتنة شبَّهت، وإذا أدبرت نبَّهت»، موضحًا أن خطورة الفتنة تكمن في أنها عند بدايتها تتزين بالشعارات والعناوين الجذابة، فيصعب على كثير من الناس إدراك حقيقتها، أما بعد انكشافها فيصبح الحكم عليها سهلًا.
وشبّه الشيخ الفتنة بالبركان؛ فكما أن الإنسان العاقل لا يقف أمام البركان أثناء ثورته، وإنما يبتعد حتى تهدأ آثاره، كذلك المؤمن لا يندفع في خضم الفتن بدافع الحماسة، بل يتحرك وفق ميزان الحكمة والبصيرة.
وأكد أن التريث في بعض المواقف لا يعني الركود أو التخلي عن المسؤولية، وإنما قد يكون جزءًا من حسن إدارة المشروع، لأن المحافظة على الأهداف الكبرى قد تقتضي أحيانًا الصبر وانتظار الظرف المناسب. فالجيل الواعي لا يقيس النجاح بكثرة الحركة، وإنما بحسن توقيتها، فيعرف متى يتقدم، ومتى يتوقف، ومتى تكون المصلحة في الصبر حتى تنقشع الفتنة.
السؤال العاشر :
ما أبرز معالم خطة أهل البيت عليهم السلام في صناعة الأجيال؟
أوضح سماحة الشيخ أن الحديث عن هذا الموضوع يحتاج إلى مساحة واسعة، لأنه يمثل خلاصة المشروع الذي سعت إليه مدرسة أهل البيت عليهم السلام عبر التاريخ، إلا أنه أشار إلى عدد من المراجع العلمية التي تسهم في رسم معالم هذه الرؤية، لما تتضمنه من قراءة قرآنية واجتماعية عميقة.
فذكر كتاب «مجتمعنا» للسيد منذر الحكيم، وكتاب الرؤية القرآنية للمجتمع للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، وكتاب «عصر الإمامة الراشدة» للسيد منذر الحكيم، مبينًا أن هذه المؤلفات تمثل محاولات جادة لفهم السنن الاجتماعية في ضوء القرآن ومدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وأكد أن ما عرضه في سلسلة المحاضرات لم يكن أفكارًا متفرقة، وإنما كان في حقيقته عرضًا لمشروع الثقلين في بناء الإنسان والأجيال، وإن لم يصرح بهذا العنوان في جميع المحاضرات، لأن الهدف كان الكشف عن المنهج الذي اعتمدته مدرسة أهل البيت في صناعة الإنسان القادر على حمل الرسالة، ومواصلة مسيرة الإصلاح عبر مختلف العصور.
وبذلك ختم الشيخ هذا المحور، مؤكدًا أن بناء الأجيال لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالرؤية الواضحة، والمنهج المتكامل، والوعي بالسنن الإلهية التي تحكم حركة الفرد والمجتمع والتاريخ.
السؤال الحادي عشر
بعد أن تعرفنا على خطة أهل البيت عليهم السلام في بناء الأجيال، فما مسؤولية الجيل نفسه تجاه المستقبل؟
أوضح سماحة الشيخ أن نجاح أي مشروع حضاري لا يتوقف على وجود المنهج فحسب، بل يتطلب وجود جيل يدرك مسؤوليته ويحسن القيام بدوره. ولذلك فإن أول ما يحتاج إليه الإنسان هو اليقظة؛ أي أن يعرف موقعه في حركة التاريخ، وأن يحدد مكانه بين الأجيال، فلا يعيش منعزلًا عن واقعه، ولا يجهل المرحلة التي ينتمي إليها، لأن تشخيص الموقع يمثل الخطوة الأولى في حسن أداء الرسالة.
وأشار إلى أن الوعي بالموقع ينبغي أن يصاحبه وعي بالسنن الإلهية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع، مبينًا أن هناك سننًا يعمل الإنسان في إطارها، وسننًا أخرى تعمل فيه وتؤثر في قراراته وسلوكه، سواء أدركها أم لم يدركها. فالسنن التاريخية والاجتماعية والنفسية والجيلية ليست مجرد مفاهيم نظرية، وإنما قوانين تتحكم في مسيرة الأمم، ومن يجهلها يدخل الحياة بحسابات خاطئة، بينما يستطيع من يفهمها أن يعيد ترتيب أولوياته، ويتخذ قرارات أكثر وعيًا ونضجًا.
وأكد سماحته أن الإنسان لا ينبغي أن يستصغر أثره مهما بدا دوره محدودًا، وضرب لذلك مثالًا بنقطة الماء التي تسقط في سطح ماء ساكن، فتحدث دوائر متتابعة تمتد إلى مسافات بعيدة. وكذلك الإنسان، فقد يبدو فردًا واحدًا بين ملايين الناس، لكنه قادر على أن يصنع أثرًا يتجاوز زمانه ومكانه إذا أحسن استثمار طاقاته.
واستشهد بقول أمير المؤمنين عليه السلام: «أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر»، موضحًا أن المشكلة ليست في قلة الإمكانات، وإنما في ضعف الثقة بالنفس وضيق النظرة إلى القدرة التي أودعها الله في الإنسان.
ثم بين أن أثر الإنسان لا ينتهي بانتهاء عمره، فقد يزرع فكرة، أو يربي إنسانًا، أو يؤسس مشروعًا، فيبقى عطاؤه ممتدًا بعد رحيله، وربما استمر تأثيره في أجيال لم يدركها بنفسه. ولهذا فإن المؤمن مطالب بأن يفكر بعقلية المشروع لا بعقلية اللحظة، وأن يجعل همه بناء ما يبقى أثره، لا ما ينتهي بانتهاء حياته.
وختم الشيخ جوابه بالتأكيد على أهمية الأمل والثقة بالمستقبل، فالمؤمن لا يقيس نفسه بحدود الجغرافيا أو الإمكانات الظاهرة، وإنما يستمد قوته من روحه وإرادته. واستشهد بتجارب أمم استطاعت أن تحقق نهضتها رغم قلة الموارد، كاليابان والصين، مبينًا أن سر نجاحها كان في الإيمان بقدراتها، وتجاوز عقدة الظروف الخارجية. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يستوعبه الجيل المسلم؛ فلا يستسلم للواقع، بل يؤمن بقدرته على صناعة المستقبل متى امتلك الإرادة والرؤية.
السؤال الثاني عشر:
هل توجد فجوة بين علماء الدين والجيل المعاصر، أم أن العلاقة بينهما ما تزال قائمة؟
استهل سماحة الشيخ إجابته بتصحيح صياغة السؤال، مبينًا أن الحديث عن وجود صراع بين العلماء والجيل المعاصر يقوم على افتراض غير دقيق، وكأن المجتمع يعيش مواجهة بين طرفين متقابلين، بينما الرؤية الإسلامية لا تعرف هذه الثنائية، بل تؤسس لعلاقة تكامل وتعاون بين الجميع.
وأوضح أن فكرة الصدام بين رجل الدين والمجتمع تأثرت إلى حد كبير بالتجربة الغربية، حيث شهد التاريخ الأوروبي صراعًا طويلًا بين الكنيسة والعلم، فانطبعت هذه الصورة في أذهان كثير من الناس، ثم جرى إسقاطها على الواقع الإسلامي، مع أن الظروف مختلفة تمامًا.
وبيّن أن عالم الدين في الإسلام لا يستطيع أن يستغني عن المجتمع، كما أن المجتمع لا يمكنه الاستغناء عن العلماء، لأن العلاقة بينهما تقوم على تبادل الأدوار والتكامل في حمل الرسالة، لا على التنافس أو الإقصاء.
ولتقريب هذه الفكرة، استشهد الشيخ بمواجهة موجة الإلحاد المعاصر، موضحًا أن التصدي لها لم يكن مسؤولية رجال الدين وحدهم، بل شارك فيه علماء الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا وغيرهم، حيث قدم كل فريق ما يملكه من أدوات معرفية للدفاع عن الحقيقة. ولم يكن هذا نتيجة تنسيق مسبق، وإنما لأن الحقيقة تجمع أصحابها مهما اختلفت تخصصاتهم.
كما أشار إلى التجربة الإسلامية في مواجهة التيارات الفكرية الحديثة، كالماركسية والاشتراكية وغيرها، مبينًا أن إعادة بناء الفكر الإسلامي لم تكن جهدًا حوزويًا خالصًا، ولا أكاديميًا بحتًا، وإنما شاركت فيه مختلف الطاقات العلمية والفكرية، وهو ما أثمر مشاريع حضارية مهمة كان من أبرزها المشروع الدستوري الذي قدمه الشهيد السيد محمد باقر الصدر - قدس-، والذي لقي اهتمامًا واسعًا من المختصين في القانون والسياسة والفكر، لأنه قدم رؤية علمية متكاملة لإدارة الدولة الإسلامية.
وأكد سماحته أن هذه النماذج تكشف أن النهضة لا يصنعها طرف واحد، وإنما تتحقق حين تتكامل المرجعية الدينية مع الخبرة العلمية، في إطار مشروع يخدم الأمة ويستجيب لتحدياتها.
السؤال الثالث عشر :
هل خسر العلماء الجيل المعاصر، أم أن العلاقة بينهما قابلة للتطوير؟
عاد الشيخ إلى التأكيد على أن المشكلة تكمن في طريقة طرح السؤال أكثر من مضمون القضية نفسها، لأن السؤال يفترض وجود طرفين متنافسين، ثم يبحث عن المنتصر والخاسر، بينما المنهج الإسلامي لا يعرف هذه الثنائية، بل ينظر إلى العالم والجيل بوصفهما شريكين في صناعة النهضة.
وأوضح أن ثقافة المقارنة بين الحوزة والجامعة، أو بين رجل الدين والمثقف، أو الحديث عن المصالحة بينهما، هي في كثير من الأحيان انعكاس للنموذج الغربي الذي نشأ في ظل الصراع مع الكنيسة، ولا يصح إسقاطه على البيئة الإسلامية التي قامت تاريخيًا على التعاون بين مختلف التخصصات.
وأشار إلى أن مواجهة الإلحاد الحديث تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التكامل، فقد أسهم علماء الشريعة، إلى جانب علماء العلوم الطبيعية، في الدفاع عن الإيمان، كلٌّ من زاوية اختصاصه، دون أن يلغي أحدهما دور الآخر.
كما استعرض تجربة مواجهة التيارات الفكرية الوافدة، مبينًا أن التصدي لها احتاج إلى تكامل جهود الفقهاء والمفكرين والأكاديميين، وهو ما ظهر بوضوح في المشاريع الفكرية التي قدمها الشهيد السيد محمد باقر الصدر - قدس -، والتي تجاوزت حدود الخطاب الوعظي لتصبح مشاريع قابلة للدراسة والنقاش في الأوساط القانونية والسياسية والفكرية.
وانتهى الشيخ إلى أن الأمة ليست بحاجة إلى البحث عن الطرف الذي انتصر على الآخر، وإنما تحتاج إلى تنسيق الأدوار بين مختلف الطاقات، لأن الجيل يمتلك أدوات العصر، والعالم يمتلك عمق المرجعية، وإذا اجتمع الطرفان على مشروع واحد نشأت نهضة متوازنة، أما إذا عمل كل فريق بمعزل عن الآخر، فإن الخسارة ستطال الجميع.
وهكذا دعا إلى الانتقال من ثقافة الصراع والمقارنة إلى ثقافة البناء والشراكة، باعتبارها الأقرب إلى روح القرآن الكريم، وإلى منهج أهل البيت عليهم السلام في صناعة الإنسان والمجتمع.
السؤال الرابع عشر :
هل الحكمة أمر يكتسبه الإنسان بالسعي والتجربة، أم أنها عطية إلهية يختص الله بها من يشاء؟
توقف سماحة الشيخ عند هذا السؤال بوصفه من الأسئلة التي تمس بناء شخصية الإنسان، مبينًا أن الإجابة عنه تبدأ من القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. وأوضح أن الآية لا تكتفي ببيان منزلة الحكمة، بل تحرك في الإنسان الرغبة في طلبها، وتلفت نظره إلى أنها من أعظم أبواب الخير.
وبيّن أن التعبير القرآني بـ «خيرًا كثيرًا» يحمل دلالة عميقة؛ فالحكمة ليست خيرًا محدودًا، وإنما مفتاح لخيرات متعددة تمتد إلى مختلف جوانب الحياة. فالإنسان الحكيم يحسن إدارة أسرته، وينجح في تربية أبنائه، ويعرف كيف يدير علاقاته الاجتماعية، ويتعامل مع الخلافات والفتن بحسن تقدير، ولذلك كانت آثار الحكمة متشعبة لا تقف عند جانب واحد من جوانب الحياة.
وانتقل الشيخ إلى أصل السؤال، موضحًا أن بعض الناس يتصورون وجود تعارض بين كون الحكمة عطية إلهية وبين إمكانية اكتسابها، بينما الحقيقة أن القرآن يجمع بين الأمرين. فالله سبحانه هو الذي يؤتي الحكمة، لكنه جعل لها أسبابًا وسننًا، فمن جدّ في طلبها، وأخلص في عمله، وأحسن الاستفادة من العلم والتجربة، هيأ نفسه لتلقي هذا الفيض الإلهي.
وأشار إلى أن نسبة الحكمة إلى الله تعالى في الآية الكريمة تؤكد أنها ليست مجرد مهارة بشرية، لكنها في الوقت نفسه لا تنال من غير سعي؛ فالقرآن يدعو إلى التفكر، والتدبر، والتعلم، والنظر في العواقب، وكلها وسائل تهيئ الإنسان لاكتساب الحكمة.
وأكد سماحته أن الحكمة ليست مرادفة للعلم، فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة، لكنه يسيء التصرف في المواقف العملية، بينما قد تجد آخر أقل علمًا، لكنه يضع كل أمر في موضعه الصحيح، فيحسن التوقيت، ويختار الأسلوب المناسب، ويوازن بين المصالح والمفاسد. ومن هنا كانت الحكمة ثمرة نضج وبصيرة، لا مجرد تراكم للمعلومات.
وأضاف أن القرآن عندما نسب الحكمة إلى الأنبياء، وإلى لقمان، وإلى عدد من عباد الله الصالحين، أراد أن يلفت الأنظار إلى أن الحكمة حالة إنسانية راقية، تجمع بين صفاء النفس، وسلامة العقل، وحسن التدبير، ولذلك كانت من أعظم النعم التي يمنّ الله سبحانه بها على عباده.
ثم بيّن الشيخ أهم الوسائل العملية لاكتساب الحكمة، وفي مقدمتها التجربة الواعية؛ فالإنسان الذي يتأمل في نجاحاته وإخفاقاته، ويستخلص منها الدروس، يزداد نضجًا مع مرور الزمن، أما من يكرر أخطاءه دون مراجعة، فإن كثرة تجاربه لا تضيف إليه شيئًا.
وأشار كذلك إلى أهمية مجالسة الحكماء، لأن الإنسان لا يتعلم من كلماتهم فحسب، بل يتأثر بسلوكهم وأسلوبهم في معالجة المواقف، كما أكد على ضرورة العمل بالعلم، لأن المعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة تبقى معلومات جامدة، أما إذا اقترنت بالعمل فإنها تتحول إلى حكمة راسخة.
ولم يغفل سماحته عن الجانب الروحي، فدعا إلى الإكثار من سؤال الله تعالى الحكمة كما يسأل المؤمن ربه الرزق والعافية، لأن التوفيق الإلهي يبقى العنصر الحاسم في بلوغ هذه المنزلة. وختم بالتأكيد على أن المؤمن ينبغي أن يجعل غايته أن يكون أكثر حكمة، لا أكثر معلومات، لأن الحكمة هي التي تحسن توظيف العلم، وإدارة الحياة، والسير إلى الله سبحانه وتعالى.
السؤال الخامس عشر :
إذا كانت الحكمة ثمرة للسعي، فما الطريق العملي للوصول إليها؟
استكمالًا للحديث عن الحكمة، سأل أحد الحاضرين عن الوسيلة العملية التي تجعل الإنسان ينتقل من امتلاك المعرفة إلى امتلاك الحكمة، فأوضح سماحة الشيخ أن كثيرًا من الناس يجتهدون في تحصيل العلم، لكنهم يغفلون عن تربية النفس، مع أن المشكلة في الغالب ليست في قلة المعلومات، وإنما في كيفية الإفادة منها.
وأشار إلى موقف لطيف دار بين أحد العارفين ورجل طلب منه نصيحة مختصرة، فقال له: «إذا علمت فاعمل.» ورأى الشيخ أن هذه الكلمة القليلة تختصر طريق الحكمة كله؛ لأن المقصود ليس البحث عن عمل بعد التعلم، وإنما تحويل العلم الذي يملكه الإنسان إلى سلوك عملي ينعكس على حياته.
وبيّن أن كثيرًا من الناس يعرفون الحق، لكنهم لا يعملون به، وليس الذي يمنعهم الجهل، بل ضعف الإرادة، أو غلبة الهوى، أو عدم صفاء النفس. ومن هنا فإن تهذيب النفس يمثل شرطًا أساسيًا لتحويل العلم إلى حكمة، لأن القلب إذا صفا، أصبح أكثر استعدادًا لاستقبال نور الهداية.
وأكد أن التربية الإيمانية لا تنفصل عن التربية العلمية، فكلما ازداد الإنسان إخلاصًا، ومجاهدة لنفسه، وحرصًا على تطبيق ما يعلم، ازداد نصيبه من الحكمة، وأصبح علمه أكثر تأثيرًا في حياته وفيمن حوله.
السؤال السادس عشر :
لماذا يقرأ بعض الخطباء المقتل ليلة العاشر، مع أن أحداث عاشوراء تقع في اليوم التالي؟
بيّن سماحة الشيخ أن هذه المسألة ترتبط باجتهاد الخطيب وطريقة إدارته للموسم الحسيني، موضحًا أنه شخصيًا لا يقرأ المقتل كاملًا في ليلة العاشر، بل يقتصر على الإشارة إلى بعض المصائب، ثم يؤجل القراءة التفصيلية إلى يوم عاشوراء.
وأوضح أن لهذا المنهج عدة اعتبارات، أولها أن عددًا كبيرًا من المؤمنين لا يتمكنون من حضور المجالس صباح يوم عاشوراء بسبب ارتباطاتهم الوظيفية، فيحرص على أن ينال هؤلاء نصيبًا من الأجواء العاشورائية في ليلة العاشر، دون أن يجعلها بديلاً عن أحداث يوم الطف.
وأضاف أن ليلة عاشوراء نفسها مليئة بالأحداث المؤثرة، فهي ليلة الوصايا، والعبادة، ووداع الأصحاب، واستعداد أهل البيت عليهم السلام لاستقبال يوم الشهادة. ومن أبرز تلك المواقف وصية الإمام الحسين عليه السلام لأخته السيدة زينب عليها السلام، التي تكشف عن عظمة الصبر والاستعداد للابتلاء، وهي أحداث تنتمي إلى خصوصية تلك الليلة، ولا تخرج عن سياقها التاريخي.
وأكد أن ليلة العاشر تمثل مدرسة تربوية مستقلة، بما تحمله من دروس في الإيمان، والثبات، والتسليم لله تعالى، ولذلك ينبغي أن تحافظ على هويتها الخاصة، على أن يُقرأ المقتل الكامل في يوم عاشوراء، حيث يكون الحديث عن تفاصيل الواقعة في موضعه الطبيعي.
السؤال السابع عشر :
لماذا لا تُنقَّح بعض القصص التاريخية التي تُذكر في المجالس الحسينية، مع وجود روايات لم تثبت صحتها؟
انتقل الحوار إلى قضية كثيرًا ما تُثار في الأوساط الثقافية، وهي مدى الحاجة إلى مراجعة بعض الروايات والقصص التي تُتداول في المنبر الحسيني، كقصة زواج القاسم عليه السلام وبعض التفاصيل التاريخية الأخرى.
استهل سماحة الشيخ إجابته بالتأكيد على أن السؤال ينبغي أن يبدأ من الأصل قبل الدخول في الأمثلة، وهو: هل توجد بالفعل حركة علمية لتنقية التراث العاشورائي؟ وأجاب بأن الجواب هو نعم، بل إن هذه الحركة قائمة منذ سنوات طويلة، وقد بذل العلماء والمحققون جهودًا كبيرة في تحقيق النصوص، وتمييز الصحيح من الضعيف، وإعادة قراءة المصادر التاريخية والحديثية بمنهج علمي رصين.
وبيّن أن المشكلة ليست في غياب هذه الجهود، وإنما في ضعف وصولها إلى عامة الناس، إذ إن كثيرًا من الدراسات الأكاديمية والتحقيقات العلمية تبقى محصورة في الأوساط التخصصية، ولا تحظى بالانتشار الإعلامي الذي يجعل المجتمع يطّلع عليها ويستفيد منها.
وأوضح سماحته أن من الخطأ تصوير القضية وكأن العلماء جميعًا يتبنون منهجًا واحدًا في تقييم الروايات، لأن المدارس العلمية تختلف في آليات الإثبات والاستدلال. فهناك من يشترط صحة السند بصورة دقيقة، وهناك من يعتمد على القرائن التاريخية، أو على تراكم الشواهد، أو على مناهج أخرى معروفة في علم الحديث والتاريخ، وكل ذلك يجري ضمن أطر علمية محترمة.
ومن هنا فإن وجود الاختلاف بين الباحثين لا يعني الفوضى، بل يعكس حيوية البحث العلمي، ولذلك لا يصح أن تتحول هذه الاختلافات إلى سبب للطعن أو التسفيه، ما دام كل فريق يستند إلى منهج علمي معتبر.
وأكد الشيخ أن هذا لا يعني قبول كل ما يُقال على المنبر، فهناك روايات لا ينبغي طرحها، ولا سيما إذا كانت تمس مقام الإمامة، أو تتضمن مبالغات لا دليل عليها، أو تؤدي إلى تشويه الصورة الحقيقية للنهضة الحسينية. فالمنبر الحسيني رسالة هداية، وليس ساحة لاختلاق القصص أو إثارة العواطف على حساب الحقيقة.
وفي المقابل، حذر من الاتجاه الآخر الذي يسارع إلى إسقاط كل رواية لمجرد عدم العثور على سند كامل لها، لأن البحث التاريخي لا يقوم على معيار واحد، بل يستفيد من مجموع الأدلة والقرائن التي يعتمدها المختصون.
وختم سماحته بالتأكيد على أن المطلوب هو احترام المدارس العلمية المختلفة، وتشجيع حركة التحقيق، والابتعاد عن التسرع في إصدار الأحكام، لأن خدمة التراث الحسيني لا تتحقق بالإفراط ولا بالتفريط، وإنما بالجمع بين الأمانة العلمية والمحافظة على رسالة المنبر.
السؤال الثامن عشر :
هل كانت عزلة أصحاب الكهف انسحابًا من المجتمع، أم أنها تمثل نموذجًا قرآنيًا لحماية الهوية؟
اختُتمت الأسئلة بسؤال استند إلى بعض النظريات الاجتماعية التي ترى أن العزلة قد تحافظ على هوية الجماعة في المدى القريب، لكنها تُضعف تأثيرها في المجتمع على المدى البعيد، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الرؤية وبين ما عرضه القرآن الكريم في قصة أصحاب الكهف؟
أوضح سماحة الشيخ أن هذه النظريات قد تكون صحيحة في حدود التحليل الاجتماعي البشري، لكنها لا تستوعب جميع الأبعاد التي يقدمها القرآن الكريم؛ لأن القرآن لا ينظر إلى النتائج الاجتماعية وحدها، وإنما يربطها بالمقاصد الإلهية والرسالة الإيمانية.
وبيّن أن أصحاب الكهف لم يختاروا العزلة حبًا في الانعزال، ولا هربًا من مسؤولياتهم، وإنما اضطروا إليها حفاظًا على عقيدتهم عندما لم يعد المجتمع يسمح لهم بإظهار إيمانهم أو ممارسة دينهم بحرية. فكانت هجرتهم موقفًا رساليًا لحماية الإيمان، لا انسحابًا من الحياة.
وأشار إلى أن هذه العزلة نفسها تحولت ــ بإرادة الله تعالى ــ إلى وسيلة لإحداث أثر أعظم في المجتمع، إذ أصبحت حادثة الكهف آية باقية أعادت الإيمان إلى واجهة الحياة، وأيقظت ضمير الناس، فكان تأثيرهم بعد عزلتهم أوسع بكثير مما كان يمكن أن يحققوه لو بقوا في واقعهم الأول.
ومن هنا خلص سماحة الشيخ إلى أن العبرة ليست بالعزلة أو المخالطة في حد ذاتهما، وإنما بالغاية التي تدعو إليهما. فقد تكون المشاركة في المجتمع هي التكليف في ظرف معين، وقد تكون المحافظة على العقيدة بالابتعاد المؤقت هي الخيار الصحيح في ظرف آخر، وكل ذلك يخضع لميزان الحكمة وتشخيص المصلحة.
وأكد أن الرؤية القرآنية تعلم الإنسان أن يقيس مواقفه بمقدار ما تحققه من حفظ للدين وصناعة للأثر، لا بمجرد ظاهر الحركة أو السكون، فقد يكون الانسحاب المؤقت مقدمة لحضور تاريخي أعظم، كما حدث مع أصحاب الكهف، الذين تحولت قصتهم إلى شاهد خالد على ثبات المؤمنين أمام الفتن.
ختام الندوة
وفي ختام هذه الجلسة الحوارية، تقدم مقدم الندوة بالشكر الجزيل إلى سماحة الشيخ عبد الجليل بن سعد حفظه الله على ما قدمه من معالجة علمية عميقة، اتسمت بالجمع بين التأصيل القرآني، والقراءة الحضارية، والواقعية في تشخيص تحديات الأجيال المعاصرة، كما شكر جميع المشاركين الذين أثروا الندوة بأسئلتهم ومداخلاتهم.
واختتم سماحة الشيخ اللقاء بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما طُرح في هذه السلسلة منطلقًا لمزيد من التأمل في السنن الإلهية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع، وأن يرزق المؤمنين الحكمة والبصيرة في حمل رسالة القرآن وأهل البيت عليهم السلام، سائلًا الله تعالى أن يجعل الجميع من العاملين بما علموا، وأن يختم لهم بالحمد والثناء له سبحانه، رب العالمين.
بقلم : زاهر حسين العبد الله
تعليقات
إرسال تعليق