قراءة نقدية حول نظرية مصادر القرآن الكريم
تقرير ندوة علمية
قراءة نقدية حول نظرية مصادر القرآن الكريم
محاضرة : سماحة الشيخ الأستاذ جعفر الغنام (حفظه الله)
مقرر الندوة: زاهر العبد الله
أولًا: افتتاح الندوة
استُهلّت الندوة بذكر الله تعالى والصلاة على النبي وآله، حيث بدأ سماحة الشيخ الأستاذ خطابه
قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف مبعوث للعالمين محمد الأمين، وعلى آله الغُرّ الميامين… اللهم صلِّ على محمد وآل محمد… واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين .
ثم أشار سماحته إلى أنه، قبل الدخول في التفاصيل، يرغب في وضع إجمالٍ وهيكلٍ عامٍّ للورقة البحثية؛ لتتضح الصورة، ويسهل الانتقال بين المحاور دون ارتباك في التلقي أو الفهم.
ثانيًا: هيكلة الورقة ومحاور الندوة
بيّن سماحة الشيخ الأستاذ أنّ الورقة تنقسم إلى أربعة مفاصل رئيسة تتداخل ضمن مدخل عام، ثم تنفتح على بقية المحاور، على النحو الآتي:
1. المدخل العام: يوضح الإطار الفكري والفلسفي الذي نشأ فيه نقد النصوص الدينية، ولا سيما النص التوراتي.
2. المفصل الأول: تصوير موجز لنقد النص التوراتي كما نشأ مشوَّشًا في الدراسات الاستشراقية.
3. المفصل الثاني: عرض محاولات إعادة بناء هذا النقد بصورة منهجية من قِبَل بعض الباحثين.
4. المفصل الثالث: بيان كيف استثمر بعض المستشرقين هذا التشويش في نقد التوراة، ثم نقلوه إلى حقل الدراسات القرآنية.
5. المفصل الرابع: مناقشة ما سُمِّي بـ "المحيط التاريخي للقرآن"، ونقده، وبيان دور الدليل الأركيولوجي (الآثاري) في إسقاط كثير من هذه الشبهات، ثم الخروج بتوصيات تتعلق بحقل "القرآنيات" في العالم الإسلامي.
ثم دخل سماحتة في الموضوع :
ثالثًا: المدخل الفلسفي – من الفلسفة إلى المادة
أوضح سماحة السيد أن الدراسات الدينية والفكر الديني تحلق بجناحين كبيرين:
• الفلسفة
• اللغة
فالاقتراب من الفكر الديني يكون إمّا اقترابًا فلسفيًا (ينطلق من أسئلة الوجود والمعرفة والقيم)، أو اقترابًا لغويًا (ينطلق من تحليل النصوص وقواعد اللغة وبُناها) .
وقال سماحته إنّه لن يغوص في تفاصيل الفلسفة أو اللسانيات، لكنه سينطلق من اللحظة التي انتهت عندها الفلسفة في الفكر الغربي المعاصر؛ تلك اللحظة التي انتقل فيها الغرب من الفلسفة المثالية والواقعية إلى الفلسفة المادية.
١- الفلسفة المادية وتحويل المركز
بيّن سماحته أن الفلسفة المادية، عندما اعتُمِدت منهجًا عامًا في الغرب، قامت بـ:
تحويل مركز الاشتغال من مركزية الإله إلى مركزية الإنسان. ثم انتقل الوعي من مركزية الإنسان إلى تشييء الإنسان نفسه، وظهرت مفاهيم مثل "الهويّة السائلة"؛ حيث لم يعد الإنسان يعرف نفسه على نحو راسخ.
الفلسفة المادية فرضت على العقل الغربي أن يعيد إنتاج وعيه بالأشياء والمفاهيم والذات والإله من منظور مادي صرف. نتيجةً لذلك، وعى الإنسان نفسه بوصفه شيئًا من الأشياء، لا كائنًا متصلًا بالمطلق والغيب.
٢- أثر الفلسفة المادية على مفهوم النبوّة
أشار سماحته إلى أن هذا التحول لم يقتصر على السياسة والاقتصاد والمجتمع، بل امتد إلى المفاهيم الدينية، ومن أهمها:
• مفهوم النبوّة
في الفكر المادي، لا يمكن قبول النبوة كظاهرة غيبية، لأن "الغيب" في هذا الأفق الفكري مجرّد لعبة لغوية كما يُنقل عن فيتغنشتاين، ولذلك لا بد أن يُعاد إنتاج مفهوم النبوّة بإطارٍ مادي صرف.
دخلت على الخط هنا العلوم الطبيعية والإنسانية:
• في علم النفس: فُسِّرت النبوّة على أنها لون من ألوان النبوغ والذكاء المفارق.
• في علم الاجتماع: عُدّت النبوّة حالة قيادية فريدة ومهارة اجتماعية عالية في إدارة الجماعات.
• في طب الأعصاب وعلم الدماغ: فُسِّرت النبوّة أحيانًا على أنها نوع من المرض النفسي، أو الصرع، أو الهلوسات المرتبطة بماضٍ ديني.
وبهذا، كما قال سماحته، أصبحت النبوّة في الثقافة المادية [كل شيء، عدا أن تكون وحيًا وغيبًا]
٣-من النبوّة إلى الكتاب المقدّس
عندما تتحوّل النبوّة إلى ظاهرة بشرية خالصة، لا بد أن تُدرس بوصفها ظاهرة إنسانية؛ فما الذي خلفه الأنبياء للبشرية؟
• خلفوا الكتب المقدّسة. هذه الكتب هي الحاملة للوصايا النبوية وللمعاني الغيبية المزعومة – إذا استُخدم التعبير المادي – لكنها تجسّدت عبر الكلمة.
• وأداة محاكمة الكلمة هي اللغة.
هنا يتشكل الجناح الثاني في التعامل مع الفكر الديني: النقد اللغوي للنصوص، لكن بعدما جُرِّدت هذه النصوص من صفتها الإلهية، وأصبحت نصوصًا بشرية محضة في نظر هذا الاتجاه.
رابعًا: بدايات نقد النصّ التوراتي ومراحله
انطلق سماحة الشيخ الأستاذ بعد ذلك إلى الحديث عن التوراة، موضحًا أن نقد النص التوراتي نشأ في بيئة مشوَّشة ومعقّدة، ثم أعيد تنظيمه لاحقًا على أيدي بعض الباحثين.
١- التوراة: نصّ متعدد الطبقات
من أهم النقاط التي ذكرها سماحته:
• التوراة لم تُكتب مرة واحدة وإلى الأبد، بل كُتبت على مراحل متعدّدة، وهي ذات نشأة متتابعة وطبقات متكثّرة. جرى على التوراة من التعديل والتغيير والتحريف ما لا يعلمه إلا الله، في طول مسيرتها التاريخية. النص الأول الذي كُتبت به التوراة لم يكن العبرية، بل اليونانية، ثم تُرجمت، وفي سياق هذه الترجمات جرت تحويرات وتعديلات متعددة.
• استقرّ الرأي في المجتمع اليهودي على ما عُرف بـ الترجمة السبعينية نقطةَ بدايةٍ لتثبيت النص.
•
٢- مراحل تثبيت التوراة
ذكر سماحته أن التوراة مرت بعدة أدوار مفصلية:
1. مرحلة انتخاب الأسفار: تم اختيار 24 سفرًا من بين آلاف الأسفار الشفهية والمكتوبة.
هذه الأسفار المنتخبة كانت لها نسخ أخرى مماثلة ومتشابهة تُركت واستُبعدت، رغم اختلافها في بعض التفاصيل.شكل ذلك ما يمكن تسميته بـ مرحلة الجمع.
2. مرحلة التدوين (المِقرا):
• وهي المرحلة التي جُمِع فيها النص وثُبِّت بوصفه نصًّا معياريًا معتمدًا.
3. مرحلة الضبط الشكلي والنحوي والصرفي (الماسورة):
• وهي مرحلة ضبط النص من حيث الإملاء والنحو والصرف وعلامات الوقف، وتُعرف بـ الماسورة التوراتية. استغرقت هذه المرحلة حوالي قرنين من الزمن (200 سنة).
4. مرحلة الشروح التلمودية:
وهي مرحلة التفسير والتأويل، حيث ظهر ما يعرف بـ التلمود، وهو بمثابة تفسير موسّع للنص التوراتي، وفيه وجدت التحريفات لنفسها موضعًا واسعًا.
٣- النقد الاستشراقي للتوراة
أشار سماحته إلى أن علماء يهود، ثم مستشرقين، لاحظوا كمًّا هائلًا من التناقضات والمشكلات في النص التوراتي: تناقضات في الأنساب وتناقضات في عدد الأجيال بين بعض الأنبياء (ثمانية أو عشرة مثلًا)
• وجود أكثر من إله في النص (يهوه، إلوهيم، وغيرها)
من هنا ظهرت أسماء مثل:
• سبينوزا: الذي سبق إلى القول بأن التوراة لا يمكن أن تكون قد كُتبت بيد موسى، بل بأيدٍ متأخرة.
• استروك (Astruc): وهو طبيب فرنسي اعتبر أن للتوراة مصدرين رئيسين، وبنى ذلك على تكرار اسم الإله "يهوه" و"إلوهيم"، وأن النص لا يمكن أن يكون موحى من إله واحد وفيه إلهان رئيسان.
ثم جاء من بعده باحثون ألمان وغيرهم، مثل "الجين" و"ويلهوزن" وغيرهم، فأضافوا فكرة تعدد المصادر حتى انتهوا إلى القول بـ المصدر الرباعي للتوراة، بناءً على تتبع تطور الشريعة اليهودية والطقوس والشعائر.
انتهى هذا المسار إلى تأسيس منهجين كبيرين:
1. النقد النصي :
وهو نقد يُحاكم النص من الداخل، من حيث اللغة والأسلوب والبنية التاريخية والتناسق الداخلي، اعتمادًا على مبدأ التناقض.
2. نظرية المصادر: وهي تبحث عن منابع النص: من كتبه؟ أين كُتب؟ ما جغرافيته؟
تقسم النص إلى وحدات بحسب الإله الذي "يسكن" هذه الوحدة (يهوه، إلوهيم الأول، إلوهيم الثاني... إلخ).
خامسًا: من الحقل المشوَّش إلى محاولة إعادة تنظيمه
أشار سماحة الشيخ الأستاذ إلى أن ما عرضه من تسلسل مرتب للنقد التوراتي ليس هو الواقع التاريخي كما جرى؛ فالحقل كان في بداياته مشوشًا إلى أبعد الحدود.
وقد جاء باحث مثل زلمان شازار، فقام بعمل عبقري؛ إذ:
• جمع مئات الأبحاث وآلاف الأوراق النقدية المتعلقة بالعهد القديم.
• صنّفها ورتبها وهيكلها وفق مناهج نقدية واضحة.
• قدّم لنا هذا الحقل مبوّبًا وممنهجًا، بعد أن كان متنافرًا ومتشتتًا.
فقال سماحته: [لولا جهود مثل زلمان شازار وغيره، لبقينا أمام بحرٍ من النقود المتناثرة التي لا نستطيع حتى أن نعيد تصنيفها أو نفهم ماذا تريد أن تقول.]
ولكن عندما جاء المنهج الأركيولوجي المادي، وظهرت مخطوطات البحر الميت، وفُكّ الخط المسماري، عاد الحقل إلى التشويش مرة أخرى؛ إذ وُجد في التوراة كمٌّ هائل من القصص والأساطير ذات الأصول البابلية والمصرية وغيرها، فاختلطت الأوراق من جديد.
سادسًا: نقل التشويش إلى حقل الدراسات القرآنية
في هذه اللحظة – كما يبيّن سماحة الشيخ الاستاذ – كان المطلوب من المستشرقين أن يعيدوا تنظيم أوراقهم في حقل التوراة، فإذا بهم يقومون بخطوة أخرى:
• أخذوا هذا التشويش الكامل في حقل نقد التوراة. ونقلوه كما هو، مشوَّشًا، إلى مجال الدراسات القرآنية. مع علمهم التام بأن الحقل مشوَّش وغير مستقر منهجيًا.
وهنا يوضح سماحته نقطة مهمة:
[هذه النقلة لا تبني نقدًا منهجيًا، وإنما تبني أسئلة مشاغبة؛ لأن المنهج الذكي هو الذي يولّد أسئلته، أما نقل الأسئلة من حقل إلى حقل دون بنيان منهجي فهو مجرد تشويش للساحة ]
ومن أهم المشاريع التي مثّلت هذا النقل:
• مؤتمر نوتردام (2005م)
• والكتاب الصادر عنه بعنوان: "القرآن في محيطه التاريخي"
هذا الكتاب – كما يقول سماحته – لم يتجاوز حدود النقد النصي ونظرية المصادر التي طُبِّقت على التوراة، وإنما سعى إلى تطبيقها على القرآن "حذو القذة بالقذة، وطبق النعل بالنعل".
سابعًا: فكرة "المحيط التاريخي" للقرآن في الفكر الاستشراقي
توقف سماحته طويلًا عند مفهوم "المحيط التاريخي للقرآن" كما طرحه مؤتمرو نوتردام.
١- ماذا يُراد بالمحيط التاريخي؟
وفق الطرح الاستشراقي:
• لا بد أن يُفترض أن محيط القرآن محيط مسيحي؛ لكي يُقال إن النبي محمد ﷺ قد استقى منه ثقافته الدينية. انطلقت عشرات ومئات الدراسات في محاولة "استنبات المسيحية" بأي صورة في جغرافيا مكة وما حولها. وهنا تحدث سماحته عن "سرقة التاريخ والجغرافيا" بوصفها من أوائل أعمال الاستعمار الفكري، مستشهدًا بما كشفه مارتن برنال في كتابه "أثينا السوداء" من فضيحة تزوير تاريخ الشرق والغرب لخدمة تصورات معينة.
٢-تركيب المحيط التاريخي من عنصرين
ذكر سماحته أن "المحيط التاريخي للقرآن" في التصور الاستشرافي يتكون من عنصرين أساسيين:
1. محيط مسيحي مصطنع:
• يُصنع تاريخ لم يكن موجودًا، ويُلبس للشرق.
2. نقل الارتباكات التاريخية للتوراة إلى القرآن:
• كما تأخر تدوين التوراة قرونًا، فلا بد – زعمًا – أن يكون القرآن كذلك. كما أن التوراة مرت بمراحل جمع وانتخاب وتثبيت وضبط، يجعلون القرآن يمر بمسار مماثل تمامًا.
٣- مثال: زمن تثبيت التوراة وزمن "تثبيت" القرآن
التوراة – في أقرب الآراء – كُتبت على يد عزرا في القرن الخامس قبل الميلاد، بينما كان زمن موسى في القرن الخامس عشر قبل الميلاد تقريبًا؛ أي إن هناك ألف سنة (عشرة قرون) بينهما.
يقول بعض منظّري مؤتمر نوتردام:
بما أنه يعزُّ علينا أن تبقى التوراة عشرة قرون شفوية غير محررة، فلا بد أن يكون القرآن كذلك.فجاء غابرييل سعيد رينولدز – منظم المؤتمر – ليقترح أن:
النص القرآني القياسي المعمول به اليوم هو ثمرة عمل مصري في زمن الملك فاروق سنة 1924م.
وأنه كما انتُخبت نسخة قياسية للتوراة من بين نصوص أخرى، فكذلك في مصر – زعمًا – كان الأمر مجرد انتخاب نص من بين نصوص متعددة لتسهيل العملية التعليمية الدينية، لا أكثر.
وكما استغرق ضبط التوراة قرنين، قالوا: إن القرآن لم يستقر نحويًا وبلاغيًا إلا بعد اكتمال النظرية النحوية والبلاغية عند العرب، والتي يعد كتاب سيبويه (ت 180هـ تقريبًا) أول مدوّناتها.
وبالتالي: لا معنى – في نظرهم – لأن يكون القرآن مصدر النحو، بل العكس: صُحِّح القرآن بناءً على اكتمال النظرية النحوية، وليس العكس.
بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فقال: كما أن موسى لم يكتب التوراة، بل كتبها عزرا،
فإن القرآن – بحسب بعض النظريات مثل نظرية "فليرس" – لم يُكتب إلا في بغداد في القرن الثاني الهجري، وأنه كان في الأصل نصًّا محليًا بلهجة معينة، تطوّر مع تطور المجتمع. ثم يؤكد سماحته أن كل ما قيل في التوراة تم نقله ولصقه بالقرآن الكريم تقريبًا.
ثامنًا: السؤال الجوهري – هل هذه الأسئلة "مستحقّة" قرآنيًا؟
طرح سماحته سؤالًا مفصليًا:
هل هذا النقل وهذا التوازي النقدي يشكّل استحقاقًا للنص القرآني، أم لا؟ وأين تكمن الفاجعة أو المشكلة؟
ثم أشار إلى أن بعض الأكاديميين يتعامل مع هذه الأسئلة تحت عنوان:
حرية الفكر - البحث المقارن - والانفتاح على الفرضيات
ويقبل أن يناقش كل الافتراضات بلا قيد، مع أن منهجية البحث تفرض أمرًا آخر، وهو:
• لا تملك الحق في حمل النص على أسئلة معينة ما لم تُجرِ عملية بناء منهجي مسبقة.
• يجب أن تكون الأسئلة المطروحة استحقاقًا طبيعيًا للنص المدروس، نابعة من داخله، لا مفروضة من خارجه.
١- مثال: التناقضات التوراتية كأساس للنقد النصي
• عندما يجد الباحث في التوراة ثلاثة آلهة مختلفة في نص واحد، من الطبيعي أن يتساءل: هل يمكن أن يكون هذا النص وحيًا من إله واحد؟
عندما تختلف الأجيال بين آدم ونوح فتكون أحيانًا ثمانية وأحيانًا عشرة، يكون سؤال التهافت التاريخي سؤالًا مستحقًا من داخل النص.
لكن في القرآن: لا يوجد تعدد آلهة، بل يؤكد على التوحيد. ولا يوجد هذا اللون من التهافت الداخلي في الأرقام والأنساب كما في التوراة.
إذن:
الأسئلة التي نشأت هناك (في التوراة) كانت استحقاقًا نصيًا، بينما نقلها كما هي إلى القرآن، عبر اختلاق محيط تاريخي غير حقيقي، يعني أننا نُنتج أسئلة غير مستحقّة منهجيًا.
تاسعًا: الدليل الأركيولوجي وحسم المعركة النصية لصالح القرآن
بعد ذلك انتقل سماحته إلى الدليل الأركيولوجي (الآثاري)، مبينًا أنه:
هو نفسه الدليل الذي بعثر أوراق التوراة وأعاد الحقل إلى التشويش، لكنه في المقابل جمع أوراق القرآن وأسقط الأسئلة من جذورها.
١-مصحف جامع صنعاء
عبر اختبار نصف عمر الكربون المشع (C14)، رُجّح أن يعود هذا المصحف إلى الفترة بين 70–90هـ.
هذا يؤكد أن نصًّا قرآنيًا مكتوبًا، قريبًا جدًّا من عصر الرسالة، كان موجودًا، وليس منتظرًا حتى القرن الثاني الهجري أو القرن العشرين.
٢- مصحف توبنغن
مصحف آخر محفوظ في توبنغن، يرجَّح أنه يعود إلى الفترة بين 20–40هـ.
يمثّل هذا المصحف نصًّا قياسيًا متطابقًا مع النص الموجود بين أيدينا اليوم، مع أنه يضم ثمانية أجزاء فقط من القرآن الكريم، ولكن بخط كاتب واحد. وقد وُجدت أجزاء أخرى متفرقة في متاحف متعددة تحمل البصمة نفسها من حيث:نوع الخط -أسلوب توزيع الأسطر -طريقة تجزئة الكلمات في أواخر السطور
مستنداً لدليل وهو خبرة سماحته – أنه خطاط متمرّس كما أشار – إن مجموع هذه النسخ يشكل مصحفًا كاملًا يعود إلى الفترة بين 20–40هـ، ومعناه:
أن لدينا نصًّا قرآنيًا قياسيًا مكتملًا في القرن الأول الهجري، مطابقًا للنص الحالي. وبذلك تسقط كل دعوى: أنه كُتب في بغداد في القرن الثاني. أو أنه مرّ بمراحل انتخاب شبيهة بالتوراة. أو أنه لم يستقر إلا بعد اكتمال النظرية النحوية.
وعليه، تصبح أغلب الأسئلة المطروحة حول "نصية" القرآن أسئلة غير مستحقة في حقل القرآنيات.
عاشرًا: مثال آخر على الانحياز – قراءة ماكدونالد للنقوش العربية
في ختام عرضه للأمثلة، ذكر سماحة الشيخ الأستاذ نموذجًا كاشفًا للانحياز الديني والفكري عند بعض المستشرقين، وهو:
المستشرق البريطاني ماكدونالد، الذي كتب في تاريخ الخط العربي والنقوش في الجزيرة العربية.
مع أن عدد النقوش اليوم في المملكة وحدها قد يربو على 100,000 نقش، وأننا نجد مثلًا في وادٍ واحد كـ"وادي رواوة" أكثر من 350 نقشًا في بقعة صغيرة، تضم:
• أدعية – استغفارًا - نصوصًا شعرية - آيات قرآنية أحيانًا
إلا أن ماكدونالد وصف هذه النقوش بأنها "مخربشات" كتبها رعاة الأغنام للتسلية!
علق سماحته:
هنا سماحة الشيخ يتساءل ويقول : بربك، أليس هذا إسفافًا بعقول العالم؟ بروفيسور يصف نصوصًا واضحة بعبارات من هذا النوع، ثم يُطلب منا أن نؤمن بحياده العلمي!
ليصل إلى نتيجة مفادها أن:
• الانحياز الديني والمعرفي حاكم لكثير من هذه الدراسات، وأن نقل تشويش نقد التوراة إلى القرآن ليس عملًا عفويًا بريئًا في نظره.
حادي عشر: التوصيات الختامية لسماحة الشيخ الأستاذ
ختم سماحته الندوة بعدة توصيات مهمة، اعتبرها مفتاحًا لإعادة بناء حقل القرآنيات:
١-التوصية الأولى: إعادة بناء حقل "القرآنيات"
لم يعد ممكنًا الإبقاء على الهيكلية القديمة في علوم القرآن كما بناها الزركشي والسيوطي وغيرهما،
لأنها – برغم قيمتها – لا تستجيب لأسئلة الحاضر ولا لتحديات النقد المعاصر.لا بد من إعادة بناء هيكلية بحثية منظّمة في حقل القرآنيات، قادرة على:
• استيعاب الأسئلة المستجدة.
• تصنيف النقود والأسئلة.
• وضع كل إشكال في موضعه المنهجي الصحيح.
٢- التوصية الثانية: تدريب العقل الإسلامي على تصنيف النقد
يجب ألا ننخدع بعناوين مثل: "دراسة فيلولوجية" أو "دراسة لغوية" ما لم نقرأ العمل قراءة منهجية واعية.ضرب مثالًا بكتاب "تاريخ القرآن" لنولدِكه، الذي يُسوَّق على أنه دراسة فيلولوجية، بينما هو في الحقيقة:
دراسة تراثية تاريخية تقوم على المفاضلة بين الروايات الإسلامية وفق هوى الباحث، لا وفق منهج علمي منضبط.حيث يقبل رواية عن السيدة عائشة مثلًا إذا وافقت النتيجة التي يريدها، ويرفضها إذا خالفتها، دون معيار ثابت.
إذا لم نُحسِن تصنيف ما نقرأه منهجيًا، سنتورط في كمٍّ هائل من الأسئلة التي تُتعبنا ونحن نطاردها دون أن نبني معرفة حقيقية. أنتهى .
بقلم : زاهر العبد الله – مقرر هذه الندوة نسأل من الله القبول .

حسن
ردحذفبسم الله الرحمن الرحيم
إلى سماحة الشيخ الجليل، صاحبِ الخُلق الرفيع، والقلم الواعي، والعقل الفاحص، *الشيخ جعفر الغنّام (دام توفيقه)*،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لقد أبهجتنا محاضرتكم الموسومة بـ *«قراءة نقدية حول نظرية مصادر القرآن الكريم»* بما حوت من عمق فكريٍّ، ورؤية تحليلية ناضجة، جمعت بين الفلسفة والتحقيق التاريخي، وأبرزت الحضور الواعي للمثقف الديني في مواجهة التيارات النقدية المعاصرة.
وإنّنا إذ نُثني على جهدكم العلمي الكبير في عرض المسار التاريخي للنقد التوراتي ومقارنته بالدراسات القرآنية، نُقدّر ما في خطابكم من غيرة قرآنية وفكر نزيه ووعي بأبعاد الاستشراق المعرفي.
غير أنّ المحبة الصادقة للعلم، والحرص على تمام الفائدة، يفرضان علينا ـ بكل تواضعٍ وأدبٍ ـ أن نُبدي بين يدي سماحتكم بعض الملاحظات العلمية المنهجية التي لا تُنقص من مقام البحث شيئا، بل تُسهم في إغنائه وتكميله.
وعليه، فالملاحظات الآتية تأتي في هذا السياق الأخوي العلمي، غايتها المساهمة في ضبط المفاهيم وتكميل البناء المنهجي الذي شيدتم أركانه المباركة في هذه المحاضرة القيّمة، حفظكم الله وسدّد خطاكم في خدمة القرآن والدين.
*المحاضرة متينة في الوعي النقدي وذات رؤية دفاعية ناضجة عن النص القرآني*، غير أن فيها ثغرات علمية منها:
1- الدليل الأركيولوجي "الآثاري" يقوّي لإثبات القطعية النصية، لكنه لا يغني عن الأدلة التاريخية والتواتر النقلي. فالعلم الحديث لا يتعامل مع مخطوط واحد كإثبات نهائي للثبات النصي، بل كمؤشّر ضمن منظومة شواهد.
2- لم يُشر سماحة الشيخ إلى الدور المبكر للأئمة (عليهم السلام) والصحابة المنتجبين في جمع وضبط القرآن، مع أن هذه النقطة هي الركيزة الأساسية في الدفاع العلمي عن نصّ القرآن.
3- نسبة القول بتأخر جمع القرآن إلى القرن الثاني الهجري، هذه فرضية موجودة فعلاً عند بعض المستشرقين، لكنها تمثل أقليّة محدودة.
4- تأريخ "المصحف المصري" سنة 1924م كإثبات لحداثة النص، قول صحيح وموجود، لكن سماحة الشيخ لم يبيّن أن هذا "النص الموحّد" كان توحيدا إملائيا لا لغويا، أي لم يغيّر النص القرآني بل ضبطه شكليا فقط.
5- تفسير انتقال "نقد التوراة" إلى "نقد القرآن" كتآمر استشراقي، يحتاج إلى تأمل، الواقع أن نقل المنهج جاء في سياق أكاديمي مقارن، لا بالضرورة بدافع عدائي، هذا الحكم الأخلاقي لا يقع ضمن المنهج العلمي.
6- توصيف نقد التوراة بأنه "مشوش حتى اليوم" فيه مبالغة، ويحتاج إلى دليل علمي دقيق، صحيح أن بداياته كانت فوضوية، لكن منذ القرن التاسع عشر استقرّت مناهج كثيرة وواضحة.
7- سماحة الشيخ انتقل من توصيف الفلسفة المادية إلى نقد القرآن دون فصل منهجي كافٍ، مما سبب خلط للقارىء، فالفلسفة المادية تتعلق بنظرية المعرفة، بينما نقد النصوص التوراتية والقرآنية يدخل في حقل فن وعلم تأويل النصوص التاريخية وفهمها "الهرمنوطيقا التاريخية" وليس "الفلسفة المادية" مباشرة.
8- دعوة سماحة الشيخ في التوصيات الختامية لإعادة بناء حقل "القرآنيات" صحيحة في جوهرها، وهي ما ينادي به كثير من العلماء المعاصرين، لكن قوله إن بناء الزركشي والسيوطي لم يعد ممكنا الإبقاء عليه بمعنى "لم يعد صالحا" فيه تسرّع؛ فهو صالحا كأساس، يحتاج فقط إلى تطوير وتحليل نقدي حديث، لا إلى "هدم كامل".
*نسألكم الدعاء..*
ش محمد العلوي
ردحذفندوة جميلة وثرية
وتقرير رائع
موفق شيخنا لكل خير