هل الغيبة نقضٌ للمشروع الإلهي أم امتدادٌ له؟

 



غيبة الإمام وتحديات الوعي: 

هل الغيبة نقضٌ للمشروع الإلهي أم امتدادٌ له؟

بقلم: زاهر حسين العبد الله

تظل مسألة "غيبة الإمام المعصوم" واحدة من أكثر القضايا إثارة للتساؤل المعرفي والوجداني في الفكر الإسلامي، خاصة حين تُقرأ في سياق الملازمة العقلية بين "ضرورة وجود الحجة" وبين "دوره العملي" في هداية الأمة. فإذا كان العقل يحكم بضرورة وجود إمام معصوم يحفظ الشريعة ويُقيم الحجة، فكيف يستقيم هذا الحكم مع واقع "الغيبة" التي تحول دون التواصل المباشر؟ وهل نعيش اليوم حالة من "تدبير النفس" بعيداً عن المرجعية المعصومة، أم أن هناك منظومة خفية تربط الوجود بالمشروع؟


أولاً: نظام الواسطة العلمية والامتداد التشريعي

إن المتأمل في المنظومة القرآنية يجد أن وظيفة الهداية لا تنحصر في المباشرة الجسدية للمعصوم في كل تفصيل، بل إن القرآن الكريم أسس لنظام "الواسطة العلمية" كأداة لإيصال الدين. يقول تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

هذه الآية تؤصل لمبدأ "التفقه والإنذار" عبر طائفة مؤهلة، ولم تشترط حضور المعصوم المباشر لكل فرد من أفراد الأمة. ومن هذا المنطلق، نجد أن الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم هم من وضعوا حجر الأساس لهذا الامتداد المؤسساتي. فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «انظُرُوا إلى مَن كانَ مِنكُم قَد رَوَى حَديثَنا وَنَظَرَ فِي حَلالِنا وَحَرامِنا وعَرَف أحكامَنا فَارضَوا بِه حَكَماً فإنّي قَد جَعلتُهُ عَليكُم حاكِماً...» (1). إن الهداية هنا تجري عبر نقل منضبط وقواعد علمية، مما يعني أن الغيبة الجسدية لا تعني انقطاع المدد المعرفي أو التشريعي.

 

ثانياً: الغيبة كضرورة لحفظ المشروع الإلهي

يطرح البعض إشكالية مفادها أن "الظهور" أتم في اللطف الإلهي من "الغيبة". بيد أن هذا التصور يفتقر إلى البرهان العقلي الذي يأخذ بالاعتبار الظروف الموضوعية لحفظ الدين. فاللطف الإلهي ليس هو "ما نراه نحن أكمل" وفق أهوائنا، بل هو "ما يحفظ جوهر الدين ويقرب العباد للطاعة".

إن القرآن الكريم يعرض لنا نماذج تاريخية كانت فيها "الغيبة" أو "الفرار" هي عين الحكمة لحفظ الرسالة، كما في قصة نبي الله موسى (عليه السلام): ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 21]. فلو دار الأمر بين ظهور الإمام وتعرضه للقتل وانقراض المشروع، وبين غيبته مع بقاء الحجة مستورة لتؤدي دورها عبر الوسائط، لكان العقل واللطف حاكمين بالخيار الثاني. وهذا ما تجسد جلياً في تجربة "السفراء الأربعة" التي كانت تمهيداً لنظام الغيبة الكبرى، حيث ربط الله سبحانه الأسباب بمسبباتها حفاظاً على الشريعة.

 

ثالثاً: الفقهاء والنيابة العامة: امتداد لا اجتهاد منفصل

من الخطأ التصور بأن الأمة في زمن الغيبة "تدبر أمرها" باجتهاد بشري صرف بمعزل عن المعصوم. الحقيقة أن دور الفقهاء والعلماء هو "امتداد شرعي" مستمد من إذن المعصوم نفسه وتفويضه. ويبرز ذلك بوضوح في التوقيع الشريف الصادر عن الإمام الحجة (عجل الله فرجه): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» (2).

إن تعبير "حجتي عليكم" يمنح الفقهاء الشرعية داخل منظومة محكمة جعلها الله لهداية الخلق. فالنفع الوجودي للمعصوم دائم لا ينقطع، سواء كان ظاهراً أو مستوراً، وقد وصف الإمام حاله في الغيبة بوصف بليغ: «وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها السحاب» (3). فالسحاب قد يحجب الرؤية، لكنه لا يحجب النور والحرارة اللذين بهما قوام الحياة.

 

رابعاً: حدود العقل ومخاطر القياس في الدين

ختاماً، يجب التمييز بين دور العقل كأداة للبحث عن الحق وإقامة البراهين، وبين محاولة إقحامه في مجالات تفوق حدوده المحدودة. إن الدين منظومة متكاملة تجمع بين "ما يُعقل، وما يُنقل، وما يُسلّم". ومن المخاطر التي تهدد الوعي الديني هو "القياس" والرأي الشخصي في مقابلة النص.

يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) نقلاً عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «لا تقيسوا الدين، فإن الدين لا يقاس، وأول من قاس إبليس»، ويضيف محذراً من قوم «يقيسون الدين برأيهم، فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله» (4).

إن العقل مخلوق محدود، ومحاولة إدراك كنه غير المحدود (الحق سبحانه وشؤونه) بمجرد الرأي هو من المحال. لذا، فإن السكينة الفكرية تتحقق حين ينزل الإنسان عقله منازله، مدركاً أن غياب الصورة لا يعني غياب الحقيقة، وأن الحجة قائمة بالنور وإن حجبتها غيوم الغيبة. والحمد لله رب العالمين 

✍️ زاهر حسين العبد الله

 

 

 

الهوامش والمصادر:

1.   الكليني، محمد بن يعقوب. (1365 هـ.ش). الكافي، ط4، طهران: دار الكتب الإسلامية، ج 7، ص 412.

2.   الطوسي، محمد بن الحسن. (1411 هـ). كتاب الغيبة، قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، ص 291.

3.   السبحاني، جعفر. (1428 هـ). الأئمة الاثني عشر، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع)، ص 234.

4.   الريشهري، محمد. (1416 هـ). ميزان الحكمة، قم: دار الحديث، ج 3، ص 856.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🔲الشيخ جواد الدندن( شمعة العلم والتقى)

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم