📝 حوارية (١٦٨): بين الدمعة والمعيار. هل تُبرِّر العاطفةُ المسار؟


📝 حوارية (١٦٨): بين الدمعة والمعيار. هل تُبرِّر العاطفةُ المسار؟

 

السائل:

يا أستاذ، يكثر في هذه الأيام رثاء بعض الشخصيات الفنية بعد وفاتهم بكلمات مؤثرة، بل يُرفع بعضهم أحياناً إلى مقام "القدوة". فهل هذا المسلك صحيح شرعاً؟ أم أن في الأمر إشكالاً عقائدياً يمس ثوابت التقييم؟

 

*الجواب (بسمه تعالى):

السؤال دقيق وجوهري؛ لأنه لا يتعلّق بحكم جزئي عابر، بل بمنهجية التفكير وأدوات التقييم. 

لابد لنا أولاً من التمييز بين مسارين:

 1. الإنسان بما هو إنسان:

 خاصة إذا كان ممن يشهد الشهادتين، فهذا يُرجى له العفو والرحمة.

 2. المسار بما هو مسار: 

ونقصد به طبيعة العمل (كالفن التمثيلي مثلاً)، وهذا يُوزن بميزان الحق والباطل.

لقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل العظيم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النحل: 125]. فنحن لا نملك مفاتيح الحكم على المصائر الأخروية، لكننا مأمورون بتقييم "الطريق" الذي سلكه المرء في الدنيا؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

 

*السائل :*

لكن يا أستاذ، هذه الشخصيات أدخلت السرور على قلوب الناس لسنوات عديدة، وأثّرت في وجدانهم، فهل يُلغى هذا الأثر الإنساني تماماً عند التقييم؟

 

*الجواب :

لا يُلغى الأثر، لكنه في المقابل لا يُترك بلا قيد يضبط موازين الخير والشر. وهنا يقع الخلط؛ فالسرور أثرٌ وجداني، لكنه ليس "معياراً للحقيقة". وقد حذر القرآن الكريم من هذا الانزلاق المنهجي: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]. 

فقد يُزيَّن العمل للناس فيرونه جميلاً (كإدخال السرور)، لكنه في باطنه قد يحوي مخالفات شرعية أو اختلاطاً محرماً، فيكون في ميزان الحق فعلاً مذموماً.

 

*السائل:

إذن، الإشكال ليس في ذات "الحزن"، بل في "تفسير الحزن" وتحويله إلى صكوك غفران في فهم الناس أو بعضهم؟

  

*الجواب نعم: *

أحسنت. الحزن فطرة جُبل عليها الإنسان، لكن الخطأ يكمن حين يتحول هذا الحزن إلى خطاب يُعيد تعريف "القيم". ومن هنا نستلهم ميزان أمير المؤمنين (عليه السلام) في تعريف القيم والحق 

بقوله: "لا يُعرف الحق بالرجال، اعرفِ الحقَّ تعرف أهلَه"(١). فالحق لا يُقاس بالأشخاص ونجوميتهم، بل يُوزن الأشخاص بمدى اتباعهم للحق وتعاليم السماء من القرآن الكريم والعترة الطاهرة عليهم السلام.

 

*السائل :

ولكن، قد يقع الكاتب أو الشاعر في حرج؛ إن شدّد في وصف المسار بدا قاسياً جافاً، وإن لانَ بدا مُميعاً للحقائق ومضيعاً للثوابت، فكيف الموازنة؟

 

*الجواب : *

هذا هو جوهر الرسالة ومحك الصدق؛ أن تبرز الحق دون أن تقع في فخ العاطفة الجارفة. والقاعدة الحاكمة هنا هي قول الإمام الصادق (عليه السلام): "كونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً"(٢). فالكاتب أو الراثي ليس مجرد ناقل لشعور عابر، بل هو "صانع وعي" ومسؤول عن أثر قلمه. 

لذا، عليه تحقيق ثلاث طبقات عند اتخاذ الموقف:

 1. الصدق العاطفي: دون تصنّع للقسوة.

 2. الضبط الشرعي: لئلا يُبرر الخطأ.

 3. الوعي التربوي: لضمان عدم تضليل المتلقي.

 

*السائل:

هل يمكننا القول إن المشكلة تكمن في "تعميم التجربة" وإسقاط الجوانب الشخصية على المسار العام؟

 

*الجواب:

نعم، وهذا تشخيص دقيق. فحين يُرثى الشخص بتمجيد شامل، يتحول -قصدنا أم لم نقصد- إلى "نموذج يُحتذى به ". وهنا مكمن الخطر؛ إذ ننتقل من رثاء إنساني بسيط إلى تضييع منهجي لقواعد التفكير، خاصة لدى جيل الشباب الذي تاهت بوصلته في ضجيج الإعلام.

 

*السائل:

إذن، ما هي الصياغة الصحيحة لموقفنا في رثاء من اشتغل بالفن الذي يختلط فيه الإيجاب بالسلب؟

 

*الجواب:

المسألة تُبنى على "التفكيك" لا "الخلط". نُقرّ بالأثر الإنساني دون تضخيم، ونرجو الرحمة دون تزكية مطلقة، ونُبقي المعيار واضحاً دون مجاملة على حساب الدين.

 

 فنقول مثلاً: "رحلت الفنانة وتركت أثراً في نفوس كثيرين، نسأل الله أن يغفر لها ولنا، وأن يجعل في رحيلها عظةً لنا في حسن العاقبة".

 

*السائل:

كأننا نفصل بين "العاطفة الخاصة" و"الرسالة العامة" التي تتبلور في أذهان الناس؟

 

*الجواب:

بالضبط. وهذا من أهم ما يُغفل عنه اليوم؛ فليس كل ما نختلج به من مشاعر يصلح أن يُنشر كمنهج. فالعاطفة إن لم تُهذَّب بالبصيرة تحولت إلى أداة تضليل، والمؤثر في المجتمع تضاعف مسؤوليته عما يطرحه الشخص العادي.

 

*السائل :

وهل هذا من مصاديق "اختلاط الحق بالباطل" في عصرنا الحالي؟

 

*الجواب :

نعم، نحن نعيش حالة "سيولة معيارية"؛ حيث يُخلط بين الرحمة والتبرير، وبين الحب والتزكية، وبين الإنسانية وتجاوز الحدود الشرعية. المنهج القرآني قائم على الرحمة مع وضوح المعيار، لا على حسابه. فاعقل ذلك يا اخي العزيز، هدانا الله وإياك للصلاح.

 

# النتيجة النهائية

يتضح أن الموقف المتوازن يقوم على:

 1. التفريق بين ذات "الإنسان" وخط "المسار".

 2. مشروعية الحزن الفطري دون تحويله إلى تزكية شرعية.

 3. استقلال معيار الحق عن هيجان العاطفة.

 4. إدراك خطورة الخطاب العام في تشكيل وعي الناشئة.

 5. مسؤولية الكاتب في ضبط مشاعره بالميزان الشرعي قبل نشرها.

 6. الوعي بأن الرثاء غير المهذب قد يتحول إلى ترويج مبطّن للخطأ.

 


*السائل:

إذن، ليس المطلوب وأد التأثر والدموع، بل منعها من أن تُعيد تشكيل الحق وتُلبسه ثوب الباطل دون وعي منا.

 

*الجواب :

أحسنت.. هذا هو الفهم السديد.

الخاتمة

ليست المشكلة أن نحزن، بل أن نكتب ونحن تحت تخدير الحزن دون وعي بمآلات الكلمة. فكم من دمعة صادقة تحولت -حين سُطرت- إلى خطاب يُضل الخلق. الدين لا يصادر العاطفة، لكنه يمنعها من أن تنصّب نفسها "معياراً".

**فاحفظ قلبك إنساناً.. واحفظ قلمك ميزاناً.**

والحمد لله رب العالمين.

 

✍️ زاهر حسين العبدالله 

المصادر:

 (1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 46، ص 128.

 (2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 75، ص 301.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم