**التوازن بين هيبة العلم وتواضع المسيرة.. الشيخ عبد الجليل نموذجاً**

 

**التوازن بين هيبة العلم وتواضع المسيرة.. الشيخ عبد الجليل نموذجاً**

 **قراءة فكرية في مسيرة سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد (حفظه الله)**

قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].

بين أيدينا علمٌ من أعلام الأحساء، تشهد له الحواضر العلمية بعلمه وفضله، ومنهم سماحة السيد منير الخباز (حفظه الله). فسماحة الشيخ له إرث علمي لافت يمتد من رصانة أروقة الحوزة العلمية إلى هيبة منبر الجمعة، ومن حوارات الشباب الواعية إلى محافل التوجيه والإرشاد في المنصات المختلفة؛ وكلها تبرز شخصية سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد - حفظه الله - كنموذج للمثقف الرسالي الذي استطاع ردم الفجوة بين التراث الديني والحداثة. إنها شخصية تمزج بين "غزارة العلم بتفرعاته" و"دقة الاستنتاج"، وتكشف عن ملامح فكرية نادرة في شخصيته المباركة، يمكن تلخيصها في المحاور التالية:

 **أولاً: العتبة الفكرية وقراءة "ما وراء النص"**

يمتلك الشيخ قدرة فائقة على "استنطاق الصمت" في النصوص الدينية والتاريخية؛ فهو لا يقف عند حدود السرد الجاف، بل يغوص في "سيميائية الحدث" ليستخرج الدلالات السياسية والاجتماعية الكامنة. وتتجلى هذه المدرسة في نتاجه المكتوب والمنبري، حيث تتحول المحاضرة عنده إلى "مختبر تحليلي" يفكك البنية النفسية للأحداث، ويحول الاستذكار العاطفي إلى وعي معرفي يتسم بالعمق والدقة دون الخروج عن الثوابت.

 **ثانياً: التفوق في "عقلية الفقيه" ومعالجة قضايا العصر**

عبر إصداراته الرصينة ومؤلفاته المتينة، مثل: "مدارات حسينية"، "عقلية فقيه"، ودراساته في "قوى الخير والشر في القرآن الكريم"، وشرح "دعاء الافتتاح"، و"ديني ماذا يعرف عني"، ورواية "عبقرية على خطى التكليف"، وغيرها من الكتب التي لم ترَ النور بعد في الفقه والأصول؛ يبرز قلم الشيخ كأداة قادرة على استخراج الحلول لمشكلات العصر (كالتطرف الفكري، والأفكار المنحرفة، ومشكلة اليأس، وضياع الهوية)، كما أنه يقدم إضاءات على ما يقرأ من الكتب التي تزيد من الوعي والبصيرة، مستخرجاً إياها من أعماق النص الديني. وحين يقرأ النصوص القرآنية والإرث التاريخي برؤية علمية فاحصة، يجعل من "التفريع الفكري الذي ينهجه في التأمل والتدبر" وسيلة لربط الدين بحياة الناس المعاصرة.

 **ثالثاً: التوازن المدهش بين الثقة العلمية والتواضع الرسالي**

في حواراته الجادة الموزعة بين بيته ومناطق مختلفة يوليها اهتماماً بالغاً ليكون قريباً من الشباب وفي يديه "بضاعة مزجاة"، يظهر الشيخ كـ "محاور بصير" لا كـ "ملقٍ متلقٍ"؛ تلمس فيه ثقة علمية لا تستعرض عضلاتها، بل تنحني بتواضع المعلم لتلامذته. هذا التوازن هو ما يجذب المثقفين وأصحاب "القلم السيال" للجلوس بين يديه، حيث يمنحهم الأمان الفكري للنقد والتساؤل، ويجيبهم بلغة تجمع بين رصانة الدرس الحوزوي ومرونة الخطاب الديني بأدوات حديثة تناسب المرحلة وتحديتها ، فيرفع عنهم حيرة السؤال ويزيل ضباب الفكر القلق. كما أنه يحافظ على سيرة العلماء السابقين ويُشرق الجوانب المضيئة في حياتهم التي ترفع العزة لمن اتبعهم، كالسيد الخوئي (قدس سره) وغيره من الأعلام.

 **رابعاً: رهبة العلم ورفض "صناعة الصورة"**

من أعمق المواقف التي تكشف صدق هذه المسيرة هو استنكاره لوصفه بلقب "العلامة". هذا الموقف ليس مجرد "مجاملة تواضعية"، بل هو كشف عن حس علمي دقيق يدرك وزن المصطلحات الحوزوية؛ فالشيخ يرى الألقاب "شهادة ثقيلة" تتطلب تاريخاً من التحقيق لا يُنال بالعاطفة. وهذا الرفض يكرّس رسالة تربوية للشباب: أن قيمة الإنسان في صدقه مع الله ومع العلم، لا في تضخيم صورته الإعلامية. إن العالم الذي يهاب اللقب ويستصغر نفسه أمام تراث العظماء هو الأقرب لروح العلم وجوهره، وإنّ تجاهل تاريخ العظماء المشرف هو من قلة المروءة في حقهم (قدس الله أسرارهم).


 **خامساً: التعددية في نوافذ المعرفة والوعي الجمعي**

يعتبر نافذة منبر الجمعة والمنابر الحسينية منصات لبناء الوعي الجمعي، تربط الفكرة بالواقع النفسي والاجتماعي، وهو ما يظهر في خطبه النافعة التي تأخذ سمة الأطروحة المتسلسلة لبناء الوعي السليم. وكذلك لقلمه السيال نصيب في الوعي من خلال "بروشوراته العلمية النفسية والفكرية" التي وظفت علم الكلام وعلم النفس الاجتماعي المستلهم من معين أهل البيت (عليهم السلام)، لتكون زاداً لمعرفة كل جديد في الفكر الحديث خدمة لنهج العترة الطاهرة. ولا نغفل دروسه النافعة ومؤلفاته التي تعكس عقلاً يعشق العلم والتعلم والنظم المعرفي والترتيب المنطقي، فينساب فكره بعيداً عن الحشو غير المبرر، مركزاً على الأصول والنتائج العلمية المثمرة.

 **سادساً: النموذج الملهم في "تحدي المرحلة"**

يمثل الشيخ "الوسطية الواعية" بمفهومها الشامل:

  **للشاب:** يمثل القوة العلمية التي تحترم عقله وتحاوره بذكاء.

 **للشابة:** يمثل الخطاب المتزن الذي يعزز المعرفة والوعي الروحي كدرع أمام موجات التغريب أو الانغلاق، ويكشف زيف العناوين الخداعة التي تضلل فكر الشابة المؤمنة وتؤدي لضياع هويتها.

  **للمثقف الأمين:** يراه الشيخ شريكاً في "صناعة الوعي" الذي يثبت قدرة الحوزة على تقديم نتاج يضاهي أرقى الدراسات الإنسانية، وحصناً منيعاً في مواجهة التحديات المعاصرة.


 **ختاماً:**

إن سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد ليس مجرد خطيب أو باحث، بل هو "جسر معرفي" يعبر عليه الجيل المعاصر نحو فهم أعمق للذات ومعرفة حدودها، وفهم الرسالة المحمدية، متسلحين بتوازن فكري يجمع بين قداسة الموروث الأصيل وحداثة الأدوات المعرفية المعاصرة. إنها مسيرة تثبت أن الهيبة الحقيقية نابعة من التواضع، وأن العلم الحقيقي هو الذي يقرأ "الزمان" بعين "الكتاب"، متسلحاً بروح الإيمان والورع والعلم والعمل والتوكل على الله سبحانه وتعالى. وكتبت ما وفقني الله بما لمسته منه من جوانب مشرقة حسب فهمي المتواضع دون التقليل من شأن أحد ولا نعطي العصمة لأحد فالعصمة لأهلها نسأل من الله العلي القدير أن يديم عليه نعمه بحق محمد وال محمد الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ويثبته على ذلك أنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.


✍️ **زاهر حسين العبدالله**

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم