حوارية (١٦٩) فداء العقول في رحاب بدر
حوارية (١٦٩) فداء العقول في رحاب بدر
**التلميذ: **
أستاذي الفاضل، رُوي في السيرة النبوية أن النبي الأعظم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتصار المسلمين في معركة بدر، جعل فداء الأسير (المتعلم) تعليم عشرة من أميّي المسلمين [1]. ما الدلالات التربوية والسياسية التي يمكننا استنباطها من هذا المسلك الاستثنائي؟
**الأستاذ: **
سؤال جوهري يا بني. إن هذا الفعل يحمل دلالة **"أولوية الوعي على المادة"**. فبالرغم من حاجة المسلمين الماسة للمال (الفدية) في تلك المرحلة لتثبيت أركان دولتهم، إلا أن النبي الأعظم محمداً صلى الله عليه وآله سلم قرر أن "محو الأمية" فدية أغلى من الذهب؛ فالعلم هو السلاح الذي لا ينفد، بينما المال يفنى [2].
**التلميذ: **
ولكن يا أستاذي، هؤلاء المعلمون كانوا من المشركين الذين خرجوا لقتال المسلمين، ألا توجد خطورة في ذلك؟ وكيف استثمر النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله قدراتهم؟
**الأستاذ: **
هنا تكمن دلالة **"الانتفاع بالحكمة أنّى وُجدت"**، كما ورد في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق) [3].
لقد علمنا النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله مبدأ "استثمار كفاءات الخصم"؛ فالمعرفة مهارة محايدة، وتوظيف خبراتهم لتعليم أبناء المسلمين هو بلغة اليوم ذكاء قيادي يحوّل طاقة العداء إلى طاقة بناء وتنوير، وهو ما يؤصل لمبدأ الانفتاح المدروس على علوم الآخرين [4].
**التلميذ: **
وهل يمكننا القول إن هذا كان بمثابة إعلان لأول "مشروع وطني" لمحاربة الجهل في الإسلام؟
**الأستاذ: **
أصبت تماماً. لقد كانت دلالة على أن **التعليم أداة للتحرر الشامل**. فكما فكّ الأسير قيده المادي بالتدريس، فكّ المسلم قيده الذهني بالتعلم. لقد أراد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بناء مجتمع "قارئ متعلم يحب العلم والتعلم"؛ لأن وحي القرآن الكريم بدأ بكلمة "اقرأ"، ولا يمكن لدولة الرسالة أن تقوم على أكتاف الأميين وحدهم، بل تحتاج لطاقات مختلفة تبني المجتمع المدني.
**التلميذ: **
واقعاً هي إجابة جميلة وأشبعت فضولاً قبل أن يُطرح، لم تخطر ببالي فكرة "الحكمة ضالة المؤمن"، ومقولة "فكلما فك الأسير قيده المادي بالتدريس، فك المسلم قيده الذهني بالتعلّم" كلمة جميلة وفي محلّها، والنظر للأمية على أنها قيد أعتى من الأسر نظرٌ دقيق. إجابة موسعة جمّلها لين الطرح وسلاسة الأسلوب، موفقين أستاذي، ولا تنسونا من دعائكم.
**الأستاذ: **
موفقين لكل خير يا رب الشكر لله والحمد لله رب العالمين.
**✍️ زاهر حسين العبد الله**
### المصادر والمراجع:
1. **أحمد بن حنبل: ** *المسند*، مسند بني هاشم، حديث رقم (2216)، بإسناد حسن.
2. **ابن سعد، محمد: ** *الطبقات الكبرى*، دار صادر، بيروت، المجلد الثاني، ص 22 (ذكر فداء الأسارى).
3. *العلم والحكمة في الكتاب والسنة*،محمد الريشهري ، ص 245.
4. **ابن هشام، أبو محمد عبد الملك:* *السيرة النبوية*، دار المعرفة، بيروت، المجلد الثاني، ص 297 (أمر الأسرى).
https://t.me/zaher000
%20%D9%81%D8%AF%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D9%84.png)
تعليقات
إرسال تعليق