الإمام الباقر (عليه السلام): عبقري الرسالة ومؤسس النهضة العلمية
الإمام الباقر (عليه السلام): عبقري الرسالة ومؤسس النهضة العلمية
مقدم:
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حق ولده الإمام الباقر عليه السلام
يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام. [1]
يُجمع المؤرخون والباحثون على أن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) لم يكن مجرد فقيهٍ في عصر التابعين، بل كان المؤسس الحقيقي لثورة علمية كبرى أعادت صياغة الوعي الإسلامي. لقد استثمر الإمام تلك المرحلة التاريخية الحرجة التي تداعت فيها الدولة الأموية، ليضع حجر الأساس لجامعة إسلامية متكاملة القواعد، وفق ما يلي:
١. بقر العلم: إرساء القواعد المعرفية
بعد عقود من سياسات التجهيل التي مارستها الحكومات السابقة ومنع التدوين بحجة "حسبنا كتاب الله"، وانتشار هذه السردية التاريخية في وعي الأمة رغم محاولات سيد الموحدين وإمام المتقين لفك قيودها من أذهان الأمة، إلا أنه لم يبلغها بتمامها لا ضعفاً في قدرته البيانية والبلاغية فالكل يشهد له بذلك، ولكن الضعف كان من المتلقين لهذا الفيض الخاص ومن ينتمون لشيعته عليهم رضوان الله ورحمته. وحتى أواخر خلافة بني أمية، كانت هذه السردية السلبية من عدم تقبلهم للحق وحبهم للباطل كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: ٧٠]، مهيمنة على وعيهم العام. فحين ضعف منهجهم وانشغلوا في حرب مع بني العباس وتركوا الساحة العلمية لمن هو أهلٌ لها—ليس اختياراً منهم بل لانشغالهم بمصالح الحكم والرياسة—هنا برز دور مولانا الإمام الباقر (ع) كمرجعية فكرية علمية كبرى شقت طريق العلم حين انغلق. ولقد شهد له علماء المذاهب كافة بعلو كعبه؛ فيصفه ابن حجر الهيتمي بأنه: "أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام ما لا يخفى إلا على من طمس بصيرة قلبه" [٢].
لم يكن جهده مجرد وعظ، بل كان تقنيناً للمناهج؛ فهو أول من بدأ بإملاء القواعد الأصولية التي تُمكِّن الفقهاء من استنباط الأحكام الشرعية، وهي النواة التي حُفظت لاحقاً في "الأصول الأربعمائة" [٣]. وفي وقتٍ كان تدوين الحديث فيه يواجه عوائق تاريخية كما أسلفنا، كسر الإمام هذا الطوق وحثّ أصحابه على الكتابة والتوثيق، قائلاً لعبيد بن زرارة: "اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا" [٤]. وهذه الخطوة الجبارة الفاعلة حركت القلم وملأت الدواوين بعلوم أهل البيت (عليهم السلام) التي أُخفيت منذ سنين طويلة.
٢. الحج.. مدرسة الوعي الجماهيري
حوّل الإمام الباقر (عليه السلام) فريضة الحج من ممارسات مجردة إلى "مؤتمر علمي" سنوي. ففي مكة المكرمة، حيث تجتمع وفود الأقاليم من خراسان والكوفة والبصرة، كان الإمام يتصدى لتصحيح الانحرافات التي طرأت على المناسك وتثبيت قواعد التوحيد [٥]. كما شهدت باحات المسجد الحرام مناظراته الكبرى التي أفحم فيها رؤوس الفرق المنحرفة وقادة الفكر آنذاك، مثل قتادة بن دعامة ونافع بن الأزرق، مما أعاد لمدرسة أهل البيت هيبتها المعرفية في قلوب الحجيج [٦].
٣. بناء الكادر الإنساني ومكارم الأخلاق
كان منهج الإمام يعتمد على "صناعة وعي الإنسان" قبل "حشو الأذهان". لذا، ركز على تربية نخبة من الأصحاب (أمثال جابر الجعفي وزرارة بن أعين وغيرهم) على مبادئ الورع والرسالية. وتعد وصيته لجابر الجعفي وثيقة تربوية خالدة في بناء الحصانة النفسية، حيث علمه أن قيمة المؤمن في ثباته الأخلاقي حتى لو واجه رفضاً مجتمعياً كاملاً حينما قال له في حديث طويل:
"يا جابر، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع، والتخشع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء".
قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة! فقال (ع): «يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: أحب علياً وأتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعالاً؟! فلو قال: إني أحب رسول الله، فرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ خير من علي عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثم لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنته، ما نفعه حبه إياه شيئاً؛ فاتقوا الله، واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله - عز وجل - وأكرمهم عليه أتقاهم، وأعملهم بطاعته. يا جابر، والله ما يُتقرب إلى الله - تبارك وتعالى - إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجة؛ من كان لله مطيعاً، فهو لنا ولي؛ ومن كان لله عاصياً، فهو لنا عدو؛ وما تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع» [٧].
هذه التربية هي التي جعلت تلامذته يصبحون أئمة يُشار إليهم بالبنان في مختلف الأمصار، كما ذكر الذهبي في ترجمته للإمام حينما قال: "وشُهر أبو جعفر بالباقر من بقر العلم؛ أي شقه، فعرف أصله وخفيه، ولقد كان أبو جعفر إماماً مجتهداً تالياً لكتاب الله، كبير الشأن" [٨].
٤. الحكمة السياسية: الموقف من بني العباس
اتسم موقف الإمام الباقر (ع) من التحركات السياسية المعاصرة له (كالدعوة العباسية الناشئة) بالبصيرة النافذة. فبينما كان العباسيون يستغلون شعار "الرضا من آل محمد" لجذب العواطف، آثر الإمام المسافة والتركيز على الإمامة العلمية والهداية الأمرية في صلاح الناس [٩].
لقد أدرك الجميع من سلوك الإمام الباقر (عليه السلام) أن أي ثورة لا تسبقها "نهضة وعي" هي ثورة محكومة بالانحراف؛ لذا رفض الانخراط في المخططات السياسية والعسكرية غير الناضجة، مفضلاً حماية مدرسته وأتباعه من التصفية، ومركّزاً على بناء القاعدة المعرفية التي ستحمل فكر الإسلام الصحيح للأجيال القادمة. ولم يمنعه هذا الصمت السياسي من الصدع بالحق أمام الحكام، كما حدث في لقاءاته المتوترة مع هشام بن عبد الملك في مكة المكرمة حينما جاء حاجاً، فواجه الإمام الباقر (عليه السلام) هشاماً ولم يهزه بريق السلطة ولا سيف جلادها، فصدع بالحق مبيناً مكانتهم (عليهم السلام) حيث قال:
"الحمد لله الذي بعث محمداً بالحق نبياً وأكرمنا به، فنحن صفوة الله تعالى على خلقه، وخيرته من عباده، وخلفائه؛ فالسعيد من اتبعنا، والشقي من عادانا وخالفنا".
قال: فأخبره مسلمة أخوه بما سمع، فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة [١٠].
الخلاصة:
الإمام الباقر (عليه السلام) أسس قواعد جامعة فكرية وفقهية وعقدية واجتماعية لينهض بوعي الأمة التي كانت في سبات، وربّى علماء ينتهجون منهجه، ودفع براياته ليكمل هذه المسيرة ويوسع مداراتها ابنه الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الذي تخرج من بين يديه الآلاف من العلماء. فالسلام عليك يا باقر علم الأولين والآخرين، وبلغنا في الدنيا زيارتك وفي الآخرة شفاعتك، والحمد لله رب العالمين.
بقلم: زاهر حسين العبد الله ---
المصادر:
1. ميزان الحكمة ، محمد الريشهري ،المجلد 1 ، الصفحة 162 .
2. ابن حجر الهيتمي، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، ص 201 (في وصف لقب الباقر).
3. الشيخ الطوسي، الفهرست (حول تأسيس القواعد الأصولية الأولى).
4. الشيخ الكليني، الكافي، المجلد الأول، باب فضل العلم (حديث الإملاء والتدوين).
5. المحقق الحلي، المعتبر في شرح المختصر (حول تصحيح أحكام المناسك).
6. أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج 2 (مناظرات الإمام في مكة).
7. العلامة المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، المجلد 8، الصفحة 54.
8. الإمام الذهبي، سير أعلام النبلاء، المجلد الرابع، ترجمة محمد بن علي الباقر.
9. المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر (تحليل الموقف السياسي في أواخر العصر الأموي).
10. وفيات الأئمة — من علماء البحرين والقطيف، الصفحة 196.
تعليقات
إرسال تعليق