حوارية (١٧٠) شفرة النص القرآني: ما الفرق بين اختلاف القراءات وشبهة التحريف؟


 

📝 حوارية (١٧٠) شفرة النص القرآني: ما الفرق بين اختلاف القراءات وشبهة التحريف؟

 

السائل :أستاذي

هل يُعدُّ تعدد القراءات في القرآن الكريم وجهاً للاستدلال على تحريفه؟!

لأن تعريف التحريف بحسب ما أظن هو الزيادة أو النقصان في القرآن الكريم، والقراءات يوجد فيها نقصان أو زيادة ولو بحرف؛ غض النظر عن اجتهادات بعض علماء التفسير كالسيد عبد الله شبر في قراءات القرآن؛ حيث تجده في بعض المواضع يقول: "إن الأصح قراءة الآية على خلاف القراءة المتعارفة (رواية حفص)".

فما هو توجيهكم للوجهين المستدل بهما (اجتهادات العلماء، والقراءات)، وما هو تعريف التحريف حينئذٍ (إن لم ينطبق عليهما)؟

 

الجواب باسمه تعالى:

وأحيي فيك هذا التساؤل المنهجي الرصين. إن مسألة "صيانة القرآن من التحريف" هي من أصول العقيدة لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وما تراه من تعدد القراءات أو اجتهادات المفسرين له توجيهات علمية دقيقة لا تخدش في وحدة النص القرآني.

إليك التفصيل المستند إلى كلمات أعلام الطائفة :

أولاً: تعريف التحريف وما ينطبق على القرآن

التحريف في اللغة والاصطلاح له معانٍ عدة، وما يهمنا هنا هو ما يمس قدسية النص:

1.   تحريف المعنى: وهو تفسير الآية بغير معناها الحقيقي، وهذا واقع بلا شك وهو "التفسير بالرأي"، كما قال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ (النساء: 46).

2.   الزيادة والنقصان: وهو ما أجمعت الفرقة المحقة على عدم وقوعه في الكتاب الذي بين أيدينا.

كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي في "التبيان" حيث قال:

"إن الاعتقاد بوجود نقص في القرآن الكريم أو زيادة فيه هو اعتقاد باطل... والقرآن الموجود بين أيدينا هو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه (ص) دون زيادة أو نقصان". (1)

(الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص3).

ثانياً: القراءات القرآنية ليست "تحريفاً"

هناك خلط شائع بين "أحرف وكلمات القرآن الكريم" وبين "القراءات". القرآن الكريم هو وحي سماوي نزل به الروح الأمين، أما القراءات فهي "اجتهادات" من القراء في كيفية أداء النص، أي كيف يُقرأ النص وهي بنفس حروفها وكلماتها؛ ولذلك يقول علماء أهل البيت إن القرآن واحد والقراءات متعددة من قبل القراء.

كما ورد في رواية الإمام الصادق (ع):

"القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة". (2)

ولكن التحريف أنهم لم يقرؤا القرآن الكريم قراءة دراية وتأمل وتدبر كما ورد 

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): "... وكان من نبذهم الكتاب: أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية...(٣)

الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.

 

💡 الفرق بين الاختلاف والتحريف:

النقص أو الزيادة في الحرف (مثل "صراط" و"سراط") أو في حركات الإعراب لا يعد تحريفاً في "جوهر النص" المنزل، بل هو تنوع في طرق الأداء اللغوي التي كانت تحتملها الكتابة العربية القديمة (غير المنقوطة).

ثالثاً: توجيه اجتهادات العلماء

مثل (السيد عبد الله شبر) مثلاً، من باب حسن الظن بهم، عندما يقول المفسر (كالسيد شبر أو غيره) إن القراءة الفلانية "أصح" أو "أوفق"، فهو لا يقصد أن المصحف الحالي محرف، بل يقصد الآتي:

1.   اختيار الأرجح لغوياً: قد يرى العالم أن قراءة معينة تتوافق أكثر مع فصاحة لغة العرب أو مع سياق الآية، وهذا لا يعني إبطال القراءة الأخرى المشهورة.

2.   روايات التنزيل والتأويل: كثير مما ورد في روايات أهل البيت ويظهر فيه "زيادة" (مثل إضافة أسماء في بعض الآيات)، يوجهه العلماء على أنه "تفسير وتأويل" نزل به جبرائيل لشرح الآية، وليس جزءاً من نص القرآن الموجه للتعبد والإعجاز.

كما ذكر لنا السيد الخوئي (قدس) إذ يقول:

"إن ما ورد في بعض الروايات من زيادات، إنما هو من قبيل التفسير الخارج عن نص القرآن، أو من قبيل الوحي الذي ليس بقرآن". (٤)

 

رابعاً: موقف كبار علماء الطائفة عبر التاريخ

إليك قائمة بمصادر معتبرة تؤكد صيانة القرآن، كما ورد في المراجع العلمية الموثقة من قبيل 

١-الشيخ الصدوق (ت 381هـ) يقول : "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (ص) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك".(٥) 

٢-الشيخ المرتضى (ت 436هـ) يقول: أكد أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والوقائع العظيمة، فهي متواترة لا يمكن التشكيك فيها. (٦)

٣-العلامة الحلي (ت 726هـ) يقول: "الحق أنه لا زيادة ولا نقصان فيه، ونعوذ بالله من اعتقاد ذلك". 

السائل : 

استاذي أحسنتم أستاذي وبوركتم،

جواب شافٍ وكاف، جميل توسعكم وذكركم لروايات التنزيل والتأويل، وذكرك لأقوال العلماء في صيانة القرآن الكريم ليس محل بحثي لأني مسلم به وهنا ورد في ذهني سؤال 

استاذي عندي سؤال ضمن اجابتكم قبل ان تستشهدون برواية الامام الباقر"ولكن التحريف انهم لم يقرؤوا القرآن الكريم قراءة دراية.." هل استشهدتم بهذه الرواية من باب تأكيدها لوقوع التحريف في المعنى، أم أنها تخبر عن سبب تعدد القراءات؟!

 

الجواب: 

ما يتعلق بخصوص التوسع في أقوال العلماء في صيانة القرآن الكريم من التحريف بالنسبة لكم ليس محل بحث ولكن قد يكون مهم لمن يتابع الحوارات وزيادة يقينه وانت تعرف أن هذه الحوارات تصل للمؤمنين والمؤمنات فتكون هذه الزيادة في محلها لبعضهم وإن كان معك حق في عدم محلها في سؤالك أما تعليقك على رواية الإمام الباقر عليه السلام 

أحسنت القنص؛ فالاستشهاد بالرواية في هذا الموضع تحديداً لم يكن لإثبات تعدد القراءات، بل كان لتأصيل المفهوم الحقيقي للتحريف الذي يخشاه الشارع، وهو "تحريف المعنى والمقاصد" (تحريف الحدود).

وإليك تفصيل الإجابة لتكتمل الصورة في ذهنك:

١- التحريف المعنوي هو "التحريف الواقع"

الإمام (عليه السلام) حينما قال: "أقاموا حروفه وحرفوا حدوده"، أراد أن يبين أن النص القرآني (الحروف) محفوظ ومصان وقائم بين المسلمين، ولكن الجناية وقعت على "الحدود" أي على المعاني، والأحكام، والمصاديق. فمن يفسر الآية بغير ما أراد الله، أو يصرفها عن أهلها، فقد "حرّف" القرآن وإن قرأ حروفه بدقة وتجويد.

 

٢- فك الارتباط بين القراءات والتحريف

الرواية تخبرنا أن "تعدد القراءات" أو اختلاف الرواة في نطق "الحروف" هو أمر هامشي جداً إذا ما قورن بضياع "الحدود". فالمشكلة ليست في أن تقرأ (مَلِك) أو (مَالِك)، بل المشكلة أن تقيم الحروف وتتغنى بها وأنت مخالف لأوامر الله ونواهيه. لذا، فالرواية هنا تؤكد أن:

  • سلامة الحروف: (القرآن الذي بين أيدينا) قائمة ولم تضِع.
  • ضياع الحدود: هو التحريف الحقيقي الذي وقع فيه المنحرفون عن النهج.

٣- الفرق الجوهري في "الرعاية" لا "الرواية"

لاحظ قوله (عليه السلام): "والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية". هنا إشارة إلى أن تعدد القراءات (الرواية) قد ينشغل به من يقف عند ظواهر النص، أما العلم الحقيقي فهو في (رعاية) المعنى وحفظه من التلاعب.

خلاصة "شفرة النص" في هذه النقطة:

إن تعدد القراءات هو اختلاف في "طرق الأداء" للحروف التي أقامها المسلمون، وهذا الاختلاف لا يضر النص في شيء؛ لأن التحريف الذي حذر منه الأئمة (عليهم السلام) هو "التحريف الوظيفي" للنص، أي إخراج الآية عن مسارها الهدايتي وتطبيقها على غير مصاديقها، وهو ما نسميه بـ (التحريف المعنوي).

فالعلماء حين يجتهدون في قراءة (أصح) لغوياً، هم يمارسون دوراً في "إقامة الحروف" على أتم وجه، وهذا لا يمت بصلة لشبهة "الزيادة والنقصان" التي تعني ضياع الوحي.

هل اتضح لك الآن كيف أن "تحريف الحدود" هو المساحة التي وقع فيها التلاعب، بينما بقيت "الحروف" صلبة وعصية على الضياع رغم تعدد القراءات؟


السائل استاذي: 

شكر الله سعيك واضح الجواب ورحم الله والديك 


الأستاذ : 

الخلاصة يأبني العزيز :

إن التحريف "الممنوع" والمستحيل في حق الكتاب العزيز هو الذي يغير هوية الوحي أو يُسقط منه حكماً أو آية. أما اختلاف "القراءات" فهو اختلاف في الأداء والرواية فقط، واجتهاد العلماء يكمن في ترجيح رواية على أخرى من حيث الفصاحة أو الأثر المروي عن أهل البيت (ع). وكل ذلك يدور في فلك "النص الواحد" المحفوظ بحفظ الله ورعايته.

وفقك الله لكل خير، وباب البحث دائماً مفتوح أمامك.

✍️ زاهر حسين العبد الله

 

 

المصادر: 

(١) الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص3.

(٢) الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص630، حديث 12.

(٣) الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.

(٤) السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص197. 

(٥) كتاب الاعتقادات، ص84.

(٦) مجمع البيان، ج1، ص15.

(٧) أجوبة المسائل المهناوية، ص121.

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم