هل الإيمان بالقضاء والقدر يلغي الحافز البشري نحو التغيير؟
هل الإيمان بالقضاء والقدر يلغي الحافز البشري نحو التغيير؟
للسيد العلامة: منير الخباز (حفظه الله)
إعداد: زاهر حسين العبد الله
الإشكالية المطروحة في الخطاب:
انطلق سماحة السيد من الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} ليعالج جدلية شائعة بين مفهومين:
1. المفهوم التواكلي: الذي يرى أن كل شيء مقدر ومكتوب ولا دور للإنسان فيه، مما يسبب الخمول والكسل.
2. المفهوم الساعي: الذي يدعو لتغيير الواقع وتطويره نحو الأفضل.
وقد عالج سماحته هذه الجدلية عبر ثلاثة محاور تحليلية رئيسية:
المحور الأول: هندسة الوجود (التحليل القرآني والمفاهيمي)
أكد السيد أن هندسة الوجود الذكية لا تلغي حرية الإنسان، وفكك ذلك عبر ثلاثة مفاهيم قرآنية:
- الفرق بين المشيئة والإرادة:
المشيئة (إعداد الأسباب): مثل علم الله بمصلحة وجود شخصيات كأديسون أو آينشتاين أو العلماء والأنبياء، فيعد أسباب وجودهم بيولوجياً وتكوينياً. ومشيئة الإنسان تعمل دائماً ضمن هذا الإطار الإلهي المعد مسبقاً.
الإرادة (تنفيذ وتفعيل الأسباب): وهي مرحلة اكتمال الأسباب وتحقق الوجود الفعلي مستشهداً بالآية: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
- الفرق بين القدر والقضاء:
القدر (رسم الحدود): وضع الخارطة والحدود الذاتية والظرفية والمكانية للشيء قبل وجوده.
القضاء (الإبرام والتنفيذ): وهو مرحلة التجسيد الفعلي لتلك الحدود والاقدار على الأرض بعد القدر.
- العلاقة بين إرادة الله وإرادة الإنسان:
أوضح سماحته أنه لا يوجد اصطدام أو مزاحمة بين القدر وإرادة الإنسان؛ لأن إرادة الإنسان الحرة واختياره هما في الأصل جزء من القدر الإلهي. فكما قدر الله الجاذبية للكون، قدر للإنسان أن يكون كائناً مختاراً. والقدر لا يصنع عمل الإنسان، بل الإنسان يتكئ على القدر ويستثمر معطياته (كالعقل والطاقة) ليصنع إنجازاته، مستدلاً بالآية: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}.
المحور الثاني: الجمع بين الإيمان بالقدر وحيوية الإرادة وضمان النتائج
رد السيد على المقالات الشائعة التي تتساءل عن جدوى السعي والعلاج والتربية إذا كان كل شيء مقدراً، وقسم الأسباب في الكون إلى ثلاثة أقسام تمنح المؤمن رؤية واضحة وتزيل عنه قلق عدم ضمان النتائج:
1. الأسـباب التكوينية: وهي السنن الفيزيائية والبيولوجية الحتمية (كإحراق النار أو إمراض الماء الملوث) ونتائجها مضمونة وتؤثر على المؤمن وغير المؤمن سوياً.
2. الأسباب الاجتماعية: وهي السنن المرتبطة بحركة وإرادة المجتمع ككل (كالتطور والنهوض التنموي أو الإيماني)، وهنا لا يضمن الفرد بمفرده النتيجة، بل لابد من إرادة اجتماعية عامة تضمن النتيجة العامة.
3. الأسباب الغيبية (الملكوتية): وهي الوسائل التي يختص بها المؤمن (كالصدقة، الدعاء، وصلة الرحم). وبيّن السيد أن الصدقة تدفع البلاء والدعاء يرد القضاء، وصلة الرحم تنمي الأموال وتطيل الأعمار. هذه الأسباب الغيبية لها أثر تكويني حقيقي، كما أنها تمنح المؤمن السكينة والاطمئنان النفسي وتجعله يضمن بركة سعيه بربطه بالله تبارك وتعالى.
المحور الثالث: التكنولوجيا والأيديولوجيا (معركة العصر وقلق الإنسان)
تناول سماحة السيد(حفظه الله ) الانبهار المعاصر بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأنظمة السيبرانية، وكيف يتولد لدى البعض شعور واهم بأن التكنولوجيا غلبت الأيديولوجيا (القيم، والضمير، والأخلاق):
- بَيّن السيد منير (حفظه الله) أن القدر الإلهي هو الذي منح الإنسان القدرة والفرصة لصنع هذه الآلات، وبالتالي التكنولوجيا مجرد أداة طوع إرادة الإنسان ورهن تقنينه، إما في الصلاح أو الفساد.
- الأيديولوجيا (القيم السماوية والأخلاق) لا تنهزم أمام الآلة؛ فالتقنية بلا ضمير تدمر البشرية، وبوجود القيم تحقق الرخاء والأمن.
الخلاصة والمضامين القيمية للخطاب:
دعا سماحة السيد في ختام خطابه إلى التمسك بالمسؤولية القيمية لمواجهة قلق العصر من خلال ثلاثة مضامين عملية:
1. العمل والإنتاج الدائم: وعدم الاستسلام للخوف والقلق كونه سبباً في تعطيل عمارة الأرض.
2. الصبر الإيجابي: وهو الصبر الذي يجدد النشاط ويحيي الإرادة والثبات على الحق، وليس الصبر السلبي الذي يعني الخنوع والاستسلام.
3. التوكل على الله: الثقة المطلقة بالمنهج الإلهي والقيم، مستشهداً بموقف الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء كأعلى مصداق للرضا بالقضاء والتسليم للأمر، مجسداً الإرادة الحديدية الصامدة التي رفضت الذل وثبتت على القيم رغم عظم البلاء وضخامة التحديات.
بقلم : زاهر حسين العبد الله

تعليقات
إرسال تعليق