لماذا ننحاز إلى العقيدة التي ورثناها من مجتمعنا؟
✍️ تقرير عن محاضرة: لماذا ننحاز إلى العقيدة التي ورثناها من مجتمعنا؟
المحاضر: سماحة السيد منير الخباز حفظه الله
إعداد: زاهر حسين العبد الله
🗯️ مقدمة وتأمل نفسي
في إطار سعيي المستمر لتطوير الوعي الفكري والبحث في القضايا العقائدية التي تمس واقعنا المعاصر، توقفتُ ملياً عند هذه المحاضرة القيمة التي انطلقت من الآية الكريمة: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. لقد أثارت المحاضرة في نفسي تساؤلات جوهرية كنت أبحث في أبعادها: هل معتقداتنا وليدة قناعة عقلية حرة أم أنها مجرد صدفة جغرافية ونتاج بيئي؟ ومن خلال متابعتي الدقيقة، لخصتُ أبرز ما تعلمته وفهمته في أربعة محاور علمية وعقائدية أساسية.
أولاً: نقد التفسيرات المادية لنشأة التدين
تعلمتُ في هذا المحور كيف ناقش السيد منير (حفظه الله )التفسيرات المعاصرة لعلوم الأعصاب وعلم النفس الإدراكي التي تحاول إرجاع الدين إلى مناشئ مادية غير منطقية، وعرفتُ زيف ثلاثة أمثلة شهيرة:
1. تجارب الاقتراب من الموت: حيث يُرجعها العلم المادي إلى توهج كيميائي وعصبي مؤقت في الدماغ يعطي شعوراً زائفاً بالنشوة والعبور لعالم آخر.
2. تجربة "خوذة الله" (مايكل بيرسينجر): والتي تعتمد على تحفيز الفص الصدغي مغناطيسياً لإثارة مشاعر روحية مصطنعة.
3. جين الألوهية (دين هامر): الذي ادعى وجود جين مشترك يدفع الإنسان للتدين وتجاوز الذات.
ما استنتجته: إن "علم الإدراك الديني" نفسه أثبت أن هذه المحاولات هي آراء متطرفة أو ليس لها أساس علمي متين يركن إليه، وأن النتيجة العلمية الحقيقية هي أن نزوع الدماغ نحو الخالق هو نزوع طبيعي جِبلي أصيل، وليس نتاج مشاكل دماغية أو جينية مصطنعة.
ثانياً: فهم آليات النزوع الطبيعي نحو الله (برهان النظم)
استوعبتُ من خلال الشرح المستند إلى أبحاث الفيلسوف "جيمس كلارك" كيف يصل العقل البشري إلى الله عبر آليتين طبيعيتين هما:
• جهاز الكشف عن الفاعلين: الغريزة التي تجعل عقولنا تبحث فوراً عن فاعل مريد وذي إرادة خلف الظواهر (وليس مجرد حركة ميكانيكية عمياء).
• نظرية العقل التحليلي (ToM): القدرة على تحليل المقاصد والغايات.
من خلال هاتين الآليتين، أدركتُ أن العقل البشري حينما يقرأ الكون وقوانينه الدقيقة (وهو ما نسميه برهان النظم)، يتجه تلقائياً إلى أن وراء هذا الوجود عقلاً كبيراً صممه وأبدعه، مصداقاً للآية: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}.
ثالثاً: مفهوم الموضوعية والانتقال من التقليد إلى الوعي
كان هذا المحور نقطة تحول واضحة في فهمي؛ فقد بينت المحاضرة أنه من المستحيل على الإنسان أن يتجرد تماماً من مؤثرات بيئته؛ لأن روافد معلوماته الخمسة (الحواس، الذاكرة، تجارب الآخرين، اللغة كحامل للتراث، والبيئة التعليمية) وبيان ذلك
الحواس: تنقل المحيط الحالي.
الذاكرة: تنقل تاريخ الماضي الذي عاشه الإنسان.
تجارب الآخرين: من خلال القصص والالتقاء بالناس.
اللغة: فاللغة ليست مجرد كلمات، بل هي ناقل لحضارة وتراث المجتمع.
البيئة التعليمية: المدارس والجامعات.
إذن، الإنسان أسير بيئته في كسب المعلومات. ولكن الموضوعية المطلوبة لا تعني التجرد التام من البيئة، بل تعني: أن يمتلك الإنسان آليات عقلية يعرض عليها موروثاته الاجتماعية لتقويمها ونقدها.
وكلها تربطه بمحيطه وتجعله أسيراً له.
الدرس العملي الذي تعلمته: إن الموضوعية الحقيقية لا تعني أن نولد بلا بيئة، بل تعني أن نملك الآليات العقلية لعرض موروثاتنا الاجتماعية على منطق الدليل والنقد. المطلوب مني كباحث إنساني ومؤمن هو الانتقال من التقليد الأعمى غير الواعي إلى الاعتقاد الناشئ عن منشأ عقلائي قائم على التأمل والنظر والبرهان، ولهذا السبب تحديداً يحاسبنا الله تعالى.
رابعاً: معالم المنهج القرآني والتكامل الفطري
رسمت لي المحاضرة خريطة طريق واضحة للمنهج القرآني في الوصول إلى الحقيقة عبر معالم أربعة:
1. ذم التقليد الأعمى وضغط الأكثرية: كما في الآية: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}، والتحذير من مسايرة الكثرة بلا وعي.
2. الارتكاز على البرهان العقول: والاهتمام بلغة الأدلة: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}، واستشهد بحديث الإمام الكاظم (ع) عن الحجتين: الحجة الظاهرة (الرسل والأنبياء) والحجة الباطنة (العقول).
3. الدعوة للتأمل والنظر: مستلهماً المنهج العملي للنبي إبراهيم (ع) في التحرك الذهني من مرحلة إلى أخرى حتى وصل لليقين الكامل.
فاستغلال طاقة العقل كيف؟ إن القرآن الكريم يدعو لتحريك طاقة الذهن والنظر في الآفاق وفي النفس الإنسانية التي اختصرت أنظمة العالم كما ورد (أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر)،وقوله تعالى {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}. واستعرض السيد المنهج العملي للنبي إبراهيم (ع) في الانتقال العقلي والتأمل عبر مراحل (الكوكب، القمر، الشمس) حتى وصل إلى التوحيد الخالص: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا}.
4. الفطرة وعالم الميثاق: فهمت الأبعاد العميقة لعالم الذر (عالم العهد والميثاق الأول)، وكيف أن الأنبياء بعثوا لـ "يستأدوهم ميثاق فطرته ويثيروا لهم دفائن العقول" لحماية هذه الفطرة من التلوث البيئي.
قال تعالى :{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}. استشهد السيد بأحاديث الإمام الباقر (ع) في تفسير الفطرة بأنها "المعرفة بأن الله خالقه" و"التوحيد عند ميثاق المعرفة". وشرح المعتقد الديني المستفاد من الروايات والآيات حول عالم الذر (عالم الميثاق والعهد) الذي خلقنا الله فيه كأرواح فرادى وأخذ علينا العهد قبل النزول إلى عالم المادة والآباء والأملاك، مستدلاً بآيات سورة الواقعة وآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا}.
5. وأشار السيد إلى كتاب "لماذا لا يختفي الله" لـ "أندرو نيوبرج" الذي يؤكد أن الله كامن في الفطرة. هذه الفطرة قد تتلوث بالبيئة والتربية (كما في الحديث: "فأبواه يهودانه...")، ولذلك بعث الله الأنبياء لـ "يستأدوهم ميثاق فطرته ويثيروا لهم دفائن العقول".
خاتمة وأثر روحي
لقد خرجتُ من هذه المحاضرة برؤية أعمق تجمع بين العلم والفكر والروح؛ فبينما يعيش الفكر اللاديني في قلق وشك دائم وكآبة، فإن الارتباط بالله القائم على الوعي والفطرة يورث النفس طمأنينة وصموداً وقوة إرادة: كما في قوله تعالى {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
وقد تجلى هذا الارتباط الفطري الواعي بأسمى صوره في المقطع الذي أورده السيد من دعاء الإمام الحسين (ع) في يوم عرفة: "حتى إذا كملت فطرتي واعتدلت سريرتي أوجبت عليّ حجتك بأن ألهمتني معرفتك..."، ليكون ختام المحاضرة عروجاً روحياً على نهضة سيد الشهداء ومسيرته التضحوية الخالدة التي مثلت ذروة اليقين والتسليم للحق سبحانه فتمثل الاستسلام العاقل والكامل لله عز وجل.
والحمد لله رب العالمين
✍️ زاهر حسين العبدالله

تعليقات
إرسال تعليق