كيف نعرج بأرواحنا في زمن الضجيج؟
كيف نعرج بأرواحنا في زمن الضجيج؟
دليل قرآني وروائي لحماية القلب في عصر تشتت الانتباه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
قال الله سبحانه وتعالى:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد.٢٨)
وقال عزّ من قائل:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات ،٥٦)
أيها المؤمنون والمؤمنات... عنوان حديثنا اليوم هو:
«كيف نعرج بأرواحنا في زمن الضجيج؟»
إن الإنسان في هذا العصر لم يعد يعيش أزمة نقصٍ في المعلومات، بل أصبح يعيش أزمةً أخطر من ذلك، وهي فيض المعلومات مع فقر الروح. فكل يوم نستقبل مئات الرسائل، وعشرات المقاطع القصيرة، وأخباراً متلاحقة، وصوراً وإعلانات ومناظرات وتعليقات، حتى أصبح الإنسان ينتقل في دقائق معدودة من الضحك إلى الحزن، ومن الخوف إلى الفرح، ومن الغضب إلى الإعجاب، ومن التأثر إلى اللامبالاة، وكأن قلبه يعيش في دوامة لا تهدأ.
ولذلك فإن المشكلة لم تعد في كثرة ما نعلم، وإنما في ضياع ما نشعر به، وفي ابتعاد القلب عن مصدر الطمأنينة الحقيقي. قد يحمل الإنسان كماً هائلاً من الثقافة والمعرفة، ويجيد الحوار والإقناع، لكنه إذا خلا بنفسه شعر بفراغٍ لا يملؤه شيء؛ لأن العقل قد امتلأ، بينما القلب افتقر إلى غذائه.
ومن هنا كان سؤال هذه المحاضرة: كيف نحفظ قلوبنا في زمنٍ يريد أن يسرق انتباهنا، ويشغل أرواحنا بكل شيء إلا الله؟
المحور الأول:
معركة العصر... من سرقة الأموال إلى سرقة الانتباه ..أيها الأحبة...
لو تأملنا في طبيعة الصراعات عبر التاريخ لوجدنا أنها كانت تدور حول الأرض والثروات والسلطان، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة المعركة، وأصبحت أعظم ثروة يتنافس عليها الآخرون هي انتباه الإنسان.
فالشركات الكبرى لا تريد منك أن تشتري منتجاً فحسب، وإنما تريد أن تبقى أطول وقت ممكن أمام الشاشة؛ لأن كل دقيقة تقضيها هناك هي مكسب لها. ولهذا أصبحت التطبيقات تُصمم بطريقة تجذب الإنسان من مقطع إلى آخر، ومن خبر إلى آخر، حتى يشعر أنه لا يستطيع الخروج منها، فيدخل باختياره، ثم يجد نفسه أسيراً لها.
ومن هنا نفهم أن أخطر ما يُسرق اليوم ليس المال، وإنما العمر، فالمال يمكن تعويضه، أما الدقيقة إذا مضت فلن تعود أبداً. إنَّ عُمُرَكَ أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ، فَكُلُّ نَفَسٍ يَنْقُصُ أخذ من عمرك جُزْءٌ
فكم من ساعات ضاعت في تصفح لا ينفع، وكم من أعمار استُهلكت في متابعة ما لا يقرب إلى الله سيحانه ولا يزيد علماً نافعاً ولا عملاً صالحاً.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الضياع حين قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ( الكهف ،٢٨)
أي أن الإنسان إذا فقد بوصلة الذكر، صار أمره متفرقاً، مشتتاً، لا يعرف إلى أين يتجه، وإن بدا للناس ناجحاً أو مشهوراً.
ومن هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا دائماً: من الذي يملك انتباهي؟ ومن الذي يقود قلبي؟ فإن كان يقوده القرآن والذكر، فقد فاز، وإن كانت تقوده المقاطع والشهوات، فقد خسر أعظم رأس مالٍ يملكه، وهو عمره.
المحور الثاني
ازدحام العقل... وفراغ القلب
أيها الأحبة...
ليس كل من عرف كثيراً كان أقرب إلى الله، فكم من إنسانٍ ازدحم ذهنه بالمعلومات، لكنه فقد السكينة. وكم من بسيط المعرفة، قليل الثقافة، لكنه يعيش طمأنينةً لا يملكها أصحاب الشهادات والمناصب.
ذلك لأن الله سبحانه لم يخلق الإنسان ليكون آلةً لجمع المعلومات، وإنما خلقه ليعرف ربه ويعبده ويأنس بقربه، قال تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.(الذاريات ،٥٦)
فالعبادة ليست مجرد أعمال ظاهرية، وإنما هي حالة حضورٍ دائم مع الله، تجعل القلب حيّاً مهما كثرت مشاغل الحياة.
ولهذا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):
« لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في علم ليس فيه تفكر، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر.»(١)
فالإنسان قد يقرأ كثيراً، لكنه لا يتغير، وقد يسمع مئات المحاضرات، لكنه لا يقترب خطوةً من الله سبحانه ؛ لأن المعرفة لم تتحول إلى حياة.
ولذلك كانت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تهتم أولاً بتربية القلب قبل تزويد العقل بالمعلومات، ولهذا امتلأت أدعيتهم ومناجاتهم بالخشوع والانكسار، لأنها تعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، وتذكره بأنه عبدٌ فقير بين يدي ربٍ كريم.
وحين يقرأ المؤمن في دعاء الافتتاح:
«إلهي... إنك تدعوني فأولي عنك، وتتحبب إلي فأتبغض إليك، وتتودد إلي فلا أقبل منك، كأن لي التطول عليك...» (٢)
فإنه لا يردد كلماتٍ فحسب، وإنما يعيش مراجعةً صادقةً مع نفسه، فيرى تقصيره أمام سعة رحمة الله، ويشعر أن قلبه بدأ يتحرر من قسوة الغفلة.
وهنا ندرك أن الدعاء ليس ترفاً روحياً، بل هو ضرورةٌ لحياة القلب، كما أن الماء ضرورةٌ لحياة الجسد، فإذا انقطع الماء مات الجسد، وإذا انقطع الذكر مات القلب، وإن بقي الإنسان يمشي بين الناس.ولهذا ختم الله سبحانه هذه الحقيقة بقوله:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
فالطمأنينة ليست ثمرة كثرة المال، ولا كثرة المتابعين، ولا كثرة المعلومات، وإنما هي ثمرة قلبٍ وجد طريقه إلى الله، فعاش معه، واستأنس بذكره، ولم يسمح لضجيج الدنيا أن يحتل داخله.
قال سبحانه { الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)} الرعد .
المحور الثالث
الدعاء... غذاء الروح ..أيها الأحبة...
كما أن الجسد لا يعيش بغير الطعام والشراب، فإن الروح لا تحيا إلا بالقرب من الله تعالى. ولهذا جعل الله لنا أبواباً نغسل بها قلوبنا كلما أثقلتها الذنوب أو أرهقتها مشاغل الدنيا، ومن أعظم هذه الأبواب الدعاء والمناجاة.
ولذلك لم تكن أدعية أهل البيت (عليهم السلام) مجرد ألفاظ تُقرأ، بل كانت مدرسةً لتربية القلب. فعندما نقرأ في دعاء الافتتاح: «إنك تدعوني فأولي عنك، وتتحبب إلي فأتبغض إليك...»، أو في مناجاة التائبين: «أنا الذي أسأت، أنا الذي أخطأت، أنا الذي اجترأت...»، فإن هذه الكلمات توقظ الضمير، وتبعث في النفس روح التوبة والرجوع إلى الله.
إن الجسد يُغسل بالماء، أما القلب فيُغسل بالدمعة الصادقة، وبالاستغفار، وبذكر الله، وبالوقوف بين يديه خاشعاً. ولهذا كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يربي الأمة بالمناجاة قبل المواعظ؛ لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله.
المحور الرابع
الذكر الذي يصنع الإنسان
قد يظن بعض الناس أن الذكر هو تكرار: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهذا من أفضل الأذكار، لكنه ليس كل الذكر.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«ليس الذكر سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، وإن كان حسن في حد ذاته، ولكن ذكر الله عند ما أحلَّ وحرَّم؛ فإن كان طاعةً عمل بها، وإن كان معصيةً تركها.
فالذكر الحقيقي هو أن تتذكر الله عند الموقف، لا عند اللسان فقط.
فعندما تغض بصرك عن الحرام، فهذا ذكر. وعندما تكظم غيظك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، فهذا ذكر. وعندما تبر والديك، أو تصل رحمك، أو تتصدق سراً، أو تستحي من الله سبحانه في خلواتك، فهذا هو الذكر الذي يغيّر السلوك ويبني الشخصية المؤمنة.
ولهذا يتحول الذكر من كلمات تُقال إلى حياةٍ تُعاش.
المحور الخامس
كيف نحمي قلوبنا من ضجيج العصر؟
إذا عرفنا الداء، كان لا بد من معرفة الدواء. وأول خطوات العلاج أن نُدرك أن الهاتف وسيلة وليس غاية، وأن التقنية نعمة إذا أحسن الإنسان استخدامها، ونقمة إذا استولت على قلبه.
ولهذا نحتاج إلى برنامج عملي يسير، لكنه مستمر:
أن نجعل للقرآن وقتاً ثابتاً كل يوم، ولو عشر دقائق بتدبر.
وأن نحافظ على دعاء أو مناجاة من أدعية أهل البيت (عليهم السلام)، لأنها غذاءٌ للروح.
وأن نخصص وقتاً نخلو فيه مع أنفسنا بعيداً عن الهاتف، نحاسب فيه أعمالنا.
وأن نربي أبناءنا على محاسن كلام أهل البيت، لا على ثقافة المقاطع السريعة وحدها.
فإن القلب إذا امتلأ بذكر الله، لم يجد الضجيج طريقاً إليه، وإذا خلا من الذكر، احتلته الشهوات والأوهام مهما بلغت ثقافة صاحبه.
الخاتمة :أيها الأحبة...
لن نستطيع أن نوقف ضجيج العالم، ولن نمنع تدفق الأخبار والمقاطع، لكننا نستطيع أن نمنعها من احتلال قلوبنا. فالطمأنينة لا تُشترى بالمال، ولا تُنال بكثرة المعلومات، وإنما تُوهب لقلبٍ عرف ربه، وأنس بذكره، وجعل القرآن قائده، وأهل البيت (عليهم السلام) قدوته.
فلنجعل لأنفسنا في كل يوم خلوةً مع الله، ولنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ولنسأل دائماً: هل ما أشغل وقتي اليوم قرّبني من الله أم أبعدني عنه؟ فإن كان يقربنا منه فذلك هو الربح، وإن كان يسرق أعمارنا دون فائدة، فذلك هو الخسران المبين.
نسأل الله سبحانه أن يجعل قلوبنا عامرةً بذكره، وألسنتنا رطبةً بطاعته، وأن يرزقنا حياةً مطمئنة، وميتةً على ولاية محمد وآل محمد. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
✍️: زاهر حسين العبد الله
المصادر
(1) ميزان الحكمة ، محمد الريشهري، ج١٣،ص٢٢٠.
(2) تهذيب الأحكام ، الشيخ الطوسي ،ج٣ ،ص١٠٩.

تعليقات
إرسال تعليق