سلاحُ الإمام الرضا (عليه السلام).. علمٌ هزمَ الخصوم في عقرِ علومهم
سلاحُ الإمام الرضا (عليه السلام).. علمٌ هزمَ الخصوم في عقرِ علومهم
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ثم الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعترته الغر الميامين عليهم صلوات الله ورحمته وبركاته أما بعد ..
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الزمر: ٩.
وقال تعالى : ﴿ ...يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّـهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ الذاريات:١١.
العلم ليس مجرد معلوماتٍ تحفظ، ولا ثقافةٍ يتزين بها الإنسان في المجالس، بل هو نورٌ يكشف الحق، وسلاحٌ يدفع الشبهات، وقوةٌ تمنح صاحبها القدرة على قيادة العقول والقلوب.
وقد يمتلك الإنسان المال فيؤثر في الناس، وقد يمتلك السلطة فيخضع له الناس، وقد يمتلك القوة فيرهب الناس، ولكن هناك قوةً أعظم من ذلك كله، وهي قوة العلم؛ لأن المال قد يزول، والسلطة قد تتغير، والقوة قد تُهزم، أما العلم إذا اقترن بالحكمة والأخلاق فإنه يبقى أثره، ويصنع الإنسان، ويهزم الباطل بالحجة والبرهان.
ومن أعظم صور العلم الإلهي التي تجلت في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) شخصية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
فقد عاش الإمام في زمنٍ امتلأ بالجدل الفكري، وكثرت فيه المدارس والاتجاهات، ودخلت إلى المجتمع الإسلامي أفكارٌ وفلسفات وديانات متعددة، وظهرت مناظرات بين المتكلمين وأصحاب المذاهب وأهل الملل والنحل.
وفي وسط هذه الأجواء، أراد المأمون العباسي أن يجعل الإمام الرضا (عليه السلام) في مواجهة كبار علماء عصره، ظنًا منه أن كثرة الخصوم واختلاف علومهم قد تكشف للناس عجز الإمام، أو تقلل من مكانته.
لكن ما حدث كان عكس ما أراده المأمون.
فقد تحوّل المجلس الذي أُريد أن يكون امتحانًا للإمام إلى شهادةٍ علنية بعلمه، وتحول اجتماع الخصوم إلى ميدان ظهرت فيه عظمة علم أهل البيت (عليهم السلام).
مجلس المناظرة منقول في كتاب حياة الإمام الرضا (ع) ، الشيخ باقر القرشي ،ج١،ص١٤٥-١٤٦.
وهنا نستفيد من هذه المناظرة الحاسمة ما يلي :
أولًا: مجلسٌ أُعِدَّ للإحراج فتحوّل إلى مجلسٍ للشهادة بعلم الإمام
جمع المأمون في مجلسه كبار أهل الملل والديانات وأصحاب الاتجاهات الفكرية، ومنهم:
الجاثليق، وهو من كبار علماء النصارى، ورأس الجالوت من علماء اليهود، ورؤساء الصابئة، والهربذ الأكبر من علماء المجوس، إضافة إلى عدد من المتكلمين وأصحاب المقالات.
ولم يكن هؤلاء أشخاصًا عاديين، بل كانوا يمثلون مدارسهم وعلومهم، ويحمل كل واحدٍ منهم تراثًا فكريًا ودينيًا واسعًا في دينه ومعتقده وقد انتخبهم المأمون كي يحرجوا الإمام عليه السلام .
وكان ظاهر المجلس مناظرةً علمية، ولكن الظروف السياسية المحيطة بالإمام تجعلنا ندرك أن القضية لم تكن مجرد حوارٍ هادئ؛ لأن المأمون كان يريد أن يختبر الإمام أمام الناس، وربما كان يتطلع إلى أن يعجزه أحد العلماء أو يوقعه في سؤالٍ لا يستطيع الإجابة عنه.
لكن الإمام الرضا (عليه السلام) دخل المجلس وهو يعلم أن العلم الحقيقي لا يخاف السؤال، وأن صاحب الحق لا يضره الحوار إذا كان قائمًا على البرهان.
وقد نقلت الروايات أن المأمون جمع علماء الديانات وأصحاب المقالات لمناظرة الإمام، فكان كل واحدٍ منهم يمثل مدرسةً مختلفة، لكن الإمام لم يكتفِ بالرد عليهم من القرآن، بل احتج على كل واحدٍ منهم بما يؤمن به ويعده حجةً في دينه ومذهبه.
وهنا تظهر أولى عظمة الإمام عليه السلام في الاحتجاج والعلم :
لم يقل لهم: أنتم لا تؤمنون بالقرآن، إذن لا يمكن أن نتحاور. ولم يطلب منهم أن يتركوا كتبهم قبل أن يستمعوا إليه. بل دخل إليهم من الأبواب التي يعترفون بها، وخاطبهم بلغتهم العلمية، وأقام الحجة عليهم من مصادرهم. وهذه قمة الإنصاف العلمي.
ثانيًا: الإمام يحاور كل قومٍ بلغتهم
من أعظم أسرار نجاح الإمام الرضا (عليه السلام) في مناظراته أنه لم يكن يفرض على الآخرين أدواته الخاصة، بل كان يحرر أصولهم أولًا فيذعنون بها ويسلموا لها، ثم يحاورهم على أساسها.
فكان يحتج على النصارى بالإنجيل، وعلى اليهود بالتوراة، وعلى أصحاب الزبور بزبور داود، ويخاطب أصحاب الفلسفات والكلام بالحجة العقلية التي يفهمونها.
وهذا يكشف أن علم الإمام الرضا -عليه السلام- لم يكن علمًا محدودًا ببابٍ واحد.
فهو عالمٌ بالقرآن الكريم، وعالمٌ بالسنة النبوية، وعلوم سنن الأنبياء الذين كانوا قبل النبي الخاتم وأهل بيته صلوات الله عليه اجمعين، وعالمٌ بتاريخ الأنبياء، وعالمٌ بالكتب السابقة، وعارفٌ بأصول الديانات، وقادرٌ على إقامة البرهان العقلي، وعلى كشف التناقضات الفكرية.
وقد نُقل عن رأس الجالوت، بعد أن رأى سعة علم الإمام عليه السلام،
« فقال رأس الجالوت : وما هذا الدليل على الامام ؟ قال : أن يكون عالما بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن الحكيم ، فيحاج أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل القرآن بقرآنهم ، وأن يكون عالما بجميع اللغات حتى لا يخفى عليه لسان واحد ، فيحاج كل قوم بلغتهم ، ثم يكون مع هذه الخصال تقيا نقيا من كل دنس طاهرا من كل عيب ، عادلا منصفا حكيما رؤوفا رحيما غفورا عطوفا صادقا مشفقا بارا أمينا مأمونا راتقا فاتقا . فقام إليه نصر بن مزاحم فقال : يا ابن رسول الله ما تقول في جعفر بن محمد ؟ قال : ما أقول في إمام شهدت أمة محمد قاطبة بأنه كان أعلم أهل زمانه ». (١)
وقال الجاثليق : ليسألك غيري، فوالله ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.(٢)
تأملوا في هذه الشهادة.
لم تصدر من أحد أتباع الإمام. ولم تصدر من شخصٍ يؤمن بإمامته.بل صدرت من عالمٍ من علماء ديانة أخرى، بعد أن رأى الإمام يتحدث في الكتب التي كان يظن أنه أكثر الناس معرفةً بها.
وهذا هو العلم الذي يفرض احترامه حتى على الخصم. فالإنسان قد يختلف معك، ولكنه لا يستطيع أن ينكر الحقيقة عندما يراها واضحة.
ثالثًا: الإمام لم يهزمهم بالصوت، بل بالحجة
قد يظن بعض الناس أن الانتصار في الحوار يكون برفع الصوت، أو بكثرة الكلام، أو بإحراج الطرف الآخر، أو بالسخرية منه.
لكن الإمام الرضا (عليه السلام) قدم نموذجًا مختلفًا. كان يمتلك قوة الحجة، ولكنه لم يستخدم علمه لإهانة الآخرين. وكان يستطيع أن يكشف جهل خصمه، ولكنه لم يجعل العلم وسيلةً للتكبر.
وكان قادرًا على الانتصار في النقاش، لكنه كان يريد هداية الناس لا مجرد إسكاتهم.ولهذا كان علمه مقترنًا بالحلم والأخلاق.فالعلم إذا انفصل عن الأخلاق قد يتحول إلى وسيلة للغرور. أما إذا اقترن بالحلم، أصبح نورًا يهدي الناس.ومن هنا لم يكن الإمام الرضا عليه السلام عالمًا فقط، بل كان معلمًا ومربيًا ومحاورًا حكيمًا.
وكان إذا واجه السؤال لم يضطرب، وإذا اشتدت المناظرة لم يغضب، وإذا عجز الخصم لم يشمت به.لأن هدفه لم يكن أن يقول: أنا انتصرت. بل كان هدفه أن يصل الحق إلى العقول.
رابعًا: الإمام هزمهم في علومهم لا بمجرد علومه
وهنا تظهر المفردة الأجمل في شخصية الإمام الرضا (عليه السلام):
إن الإمام لم يواجه أهل الديانات من خارج علومهم، بل دخل إلى عمق علومهم. فهو لم يقل لعالم النصرانية: أنا أعلم بالقرآن فقط. ولم يقل لعالم اليهود: لا شأن لي بالتوراة.بل أظهر معرفةً دقيقة بكتبهم، وناقشهم في نصوصها، واستخرج منها الأدلة التي تقود إلى الحق.وهذا يعني أن الإمام كان يملك القدرة على فهم الآخر قبل أن يحاوره.
وهذه قاعدة مهمة:
لا تستطيع أن تقنع إنسانًا ما لم تفهم فكره. ولا تستطيع أن تجيب عن شبهةٍ ما لم تعرف جذورها.
ولا تستطيع أن تحاور أصحاب المذاهب والاتجاهات ما لم تدرك أصولهم ومصطلحاتهم وأدلتهم.
ولهذا كان الإمام الرضا (عليه السلام) لا يخاف اختلاف العلوم؛ لأن علمه لم يكن محدودًا بما يعرفه الناس. لقد دخل إلى مجلسٍ يضم علماء من اتجاهات متعددة، وكل واحدٍ منهم يظن أنه يحمل سلاحًا لا يعرفه الإمام.لكن الإمام كان يعرف أسلحتهم قبل أن يواجهوه بها.
فإذا سألوه أجاب. وإذا احتجوا ناقش. وإذا استدلوا بيّن مواضع الخلل.وإذا اعتمدوا على كتبهم أقام الحجة عليهم من تلك الكتب. فكان الإمام منتصرًا لا لأنه امتلك معلوماتٍ أكثر فقط، بل لأنه امتلك علمًا عميقًا، ومنهجًا واضحًا، وعقلًا قادرًا على ترتيب الأدلة.
خامسًا: لماذا كان علم الإمام خطرًا على السلطة؟
قد يسأل الإنسان:إذا كان المأمون يحب العلم والمناظرات، فلماذا كانت هذه المجالس تمثل خطرًا على الإمام؟
الجواب: أن العلم عندما يكون في يد الإمام يصبح مصدرًا للقيادة. فالناس لا تتبع صاحب السلطة دائمًا، لكنها تنجذب إلى صاحب الحجة. والسلطة تستطيع أن تفرض نفسها بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تفرض احترام القلوب. ولهذا كان ظهور علم الإمام أمام الناس يزيد من مكانته، ويكشف أن الإمام ليس رجلًا عاديًا، ولا مجرد ولي عهدٍ فرضته السياسة، بل هو صاحب علمٍ لا يستطيع كبار العلماء مجاراته. لقد كان المأمون يملك القصر والجيش والسلطة. لكن الإمام كان يملك العلم والحجة والأخلاق. وكان من الممكن أن تتحول هذه المناظرات إلى سببٍ في ازدياد ارتباط الناس بالإمام. ولهذا كانت حياة الإمام محفوفة بالمخاطر، لأن علمه لم يكن علمًا منعزلًا عن الواقع، بل كان علمًا يكشف الحقيقة ويمنح صاحبه مكانةً في نفوس الأمة.
سادسًا: علم الإمام دليلٌ على إمامته
إن علم الإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن نتيجة دراسةٍ عادية أو تجربةٍ محدودة. فقد كان يجيب عن الأسئلة في علوم متعددة، ويكشف دقائق المعارف، ويحتج على أهل كل دينٍ بما يعرفون.
وهذا يقودنا إلى حقيقةٍ مهمة:
إن الإمام في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليس قائدًا سياسيًا فقط، ولا عالمًا عاديًا بين العلماء، بل هو وارث علم رسول الله (صلى الله عليه وآله).وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: « عن خيثمة قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يا خيثمة نحن شجرة النبوة، وبيت الرحمة، ومفاتيح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله، ونحن وديعة الله في عباده، ونحن حرم الله الأكبر، ونحن ذمة الله، ونحن عهد الله، فمن وفي بعهدنا فقد وفى بعهد الله، ومن خفرها فقد خفر ذمة الله وعهده». (٣)
فالعلم عند أهل البيت ليس مجرد ثقافة مكتسبة، بل هو امتداد للرسالة، ووسيلة لحفظ الدين، وبيان الحق للناس. ولهذا كان الإمام الرضا (عليه السلام) قادرًا على أن يواجه مختلف المدارس دون أن يفقد توازنه أو يضطرب أمام أسئلتها.
سابعًا: ماذا نتعلم من سلاح الإمام الرضا (عليه السلام)؟
إن الحديث عن علم الإمام ليس حديثًا تاريخيًا نكتفي بسماعه، بل هو درسٌ لنا. فنحن نعيش اليوم زمنًا كثرت فيه الشبهات، وانتشرت فيه المعلومات بسرعة، وأصبح الإنسان يتلقى في يومٍ واحد عشرات الأفكار والمقاطع والأسئلة. وفي مثل هذا الزمن لا يكفي أن نقول:
نحن نحب أهل البيت عليهم السلام. بل ينبغي أن نعرف لماذا نحبهم. ولا يكفي أن نقول:
نحن على الحق. بل ينبغي أن نعرف أدلة الحق. ولا يكفي أن نرفض الشبهات.بل ينبغي أن نتعلم كيف نجيب عنها بالعلم والحكمة.
إن الإمام الرضا (عليه السلام) يعلمنا أن الإيمان الواعي يحتاج إلى معرفة.
وأن المحبة يجب أن تتحول إلى دراسة. وأن الدفاع عن العقيدة لا يكون بالغضب، بل بالحجة. وأن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا، وكلما عرف الحقيقة ازداد حلمًا. فليس المطلوب من كل إنسان أن يصبح مناظرًا، ولكن المطلوب ألا يكون جاهلًا بدينه. وألا يجعل دينه مجرد ميراثٍ أخذه من أسرته دون معرفة. وأن يسأل، ويبحث، ويتعلم، ويقرأ، ويطلب الدليل.
الخاتمة
دخل الإمام الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون، وكان حوله علماء من ديانات ومذاهب متعددة.
وكانت السلطة تراقب. وكان الخصوم ينتظرون. وكان المجلس مهيأً ليكون امتحانًا للإمام.لكن الإمام لم يحمل سيفًا، ولم يملك جيشًا، ولم يستند إلى منصب.
دخل بسلاح العلم. بعلمٌ واسع. وحجةٌ واضحة. وعقلٌ منظم. وأخلاقٌ سامية. وحلمٌ لم يتغير رغم شدة الحوار. فخرج الإمام من المجلس وقد أثبت أن العلم إذا كان نورًا من الله، فإنه لا تهزمه كثرة الخصوم. وأن صاحب الحق لا يخاف السؤال. وأن أعظم قوة يمتلكها الإنسان ليست قوة اليد، بل قوة الحجة. وهكذا بقي الإمام الرضا (عليه السلام) مدرسةً للأمة:
يعلمنا أن نواجه الجهل بالمعرفة. والشبهة بالدليل. والاختلاف بالحوار. والخصومة بالأخلاق.
وأن نحمل من علم أهل البيت ما يجعلنا أكثر وعيًا، وأكثر حلمًا، وأكثر قدرةً على بيان الحق.
السلام على الإمام الرضا، العالم الذي أخرس الخصوم بالحجة، ولم يجرحهم بالكلمة. السلام على الإمام الرضا، الذي دخل مجالس العلماء، فشهد له العلماء. السلام على الإمام الرضا، الذي أثبت أن علم أهل البيت نورٌ لا تحجبه السياسة، ولا تهزمه السلطة، ولا تطفئه مؤامرات الظالمين.
«لم يهزم الإمام الرضا (عليه السلام) خصومه لأنه كان يعرف علومهم فقط، بل لأنه عرف كيف يحوّل علومهم نفسها إلى طريقٍ يقودهم إلى الحق».
بقلم : زاهر حسين العبد الله
المصادر
(١)بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ، ج٨٠،ص٣٦٣.
(٢)الإحتجاج ، الطبرسي،ج٢،ص١٩٩.
(٣)الكافي ، الشيخ الكليني،ج١،ص٢٦٩.

تعليقات
إرسال تعليق