الأربعين... رحلة الأقدام أم رحلة القلوب؟


                                                               الأربعين... رحلة الأقدام أم رحلة القلوب؟

مقدمة:

ورد في الكافي عن الإمام علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

 الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية،

 فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجه ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش» الكافي ، الشيخ الكليني ، الجزء 2،ص٩١.

أن أعظم الصبر أجراً هو الصبر عن المعصية، ثم الصبر على الطاعة، ثم الصبر عند المصيبة.

عندما يتهيأ المؤمن للمسير إلى زيارة الأربعين، قد يظن أن القضية لا تتجاوز قطع المسافات حتى يصل إلى كربلاء، لكن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن الطريق الحقيقي ليس طريق الأقدام فحسب، بل طريق القلوب. فالزائر لا يحمل حقيبته فقط، وإنما يحمل معه أخلاقه، وإيمانه، وصبره.

ولعل هذا الحديث الشريف يضع بين أيدينا الميزان الذي نقيس به أنفسنا قبل أن نكون زواراً للإمام الحسين (عليه السلام): أيُّ أنواع الصبر نعيشها في هذه الزيارة؟


أولاً: الصبر عند المصيبة... أن لا تُخرجك المحنة عن طريق  الإمام الحسين عليه السلام

كثير من الزائرين يحملون في قلوبهم هموماً لا يعلمها إلا الله؛ فهذا فقد عزيزاً، وآخر أنهكته الديون، وثالث يعاني مرضاً، ورابع يعيش قلقاً أو اضطراباً نفسياً.

ومع ذلك، يترك الجميع آلامهم خلف ظهورهم، ويتوجهون إلى كربلاء وهم يرددون: «السلام عليك يا أبا عبد الله».

هذا هو الصبر عند المصيبة.

وليس الصبر أن لا تبكي، فالبكاء رحمة، وقد بكى يعقوب حتى ابيضت عيناه، وبكت الزهراء (عليها السلام)، وبكى أهل البيت على الحسين (عليه السلام).

إنما الصبر أن لا تتحول المصيبة إلى اعتراض على الله، ولا إلى يأس، ولا إلى قنوط.

ولهذا كانت زيارة الحسين (عليه السلام) مدرسة تعيد للإنسان معنى الرضا والثقة بالله، فيرجع وهو أشد يقيناً بأن كل أمر يجري بتقدير الحكيم سبحانه.

 

ثانياً: الصبر على الطاعة... فالمشقة طريق القرب

زيارة الأربعين ليست نزهة، بل عبادة عظيمة.

فالزائر يصبر على حرارة الجو، أو برده، وعلى التعب، وطول الطريق، وقلة النوم، والزحام، وربما آلام القدمين.

كل خطوة يخطوها تحتاج إلى صبر.

ولكن هناك صبر أعظم من تعب الطريق، وهو أن يحافظ الزائر على روح العبادة أثناء المسير.

أن يحافظ على صلاته في أول وقتها.

أن يكثر من الذكر - أن يغض بصره - أن يحفظ لسانه - أن يخدم إخوانه - أن يتواضع.

فهذه هي الطاعة التي يريدها الإمام الحسين (عليه السلام).

لقد خرج الحسين (عليه السلام) ليقيم الدين، فليس من الوفاء له أن نمشي إليه بأقدامنا، بينما تتخلف قلوبنا عن طاعة الله.

 

ثالثاً: الصبر عن المعصية... الامتحان الأكبر للمؤمن والموالي 

وهنا يصل الحديث الشريف إلى أعلى مراتب الصبر.

فالنبي (صلى الله عليه وآله) جعل أعظم الثواب لمن يصبر عن المعصية.

وقد يتساءل بعض الشباب: كيف تكون المعصية حاضرة في طريق الزيارة أو في الحياة ؟

والجواب: لأن الشيطان لا يترك الإنسان حتى في أشرف المواطن.

قد يمشي الإنسان إلى الحسين (عليه السلام)، لكنه يطلق بصره فيما لا يحل.

أو يجرح الناس بكلمة- أو يغتاب مؤمناً- أو يزاحم بعنف- أو يلتقط صوراً ريائية ليقال إنه خادم أو زائر.أو يقضي ساعات الطريق في اللهو والغفلة.

هنا يظهر الصبر الحقيقي.

إن أعظم زيارة ليست أن تصل إلى الضريح، وإنما أن تصل بقلبٍ لم يلوثه الذنب.

ولهذا يرى علماء الأخلاق من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن مجاهدة النفس عن المعصية هي أشق أنواع الصبر؛ لأن الإنسان يقاوم ميلاً داخلياً وشهوةً قائمة، لا أمراً مفروضاً عليه من الخارج.

 

لماذا جعل النبي أعلى الثواب لمن صبر عن المعصية؟

لأن المصيبة تأتي إلى الإنسان بغير اختياره.

والطاعة تحتاج إلى جهد واستمرار.

أما المعصية، فهي لحظة يلتقي فيها الهوى مع القدرة، ولا يمنع الإنسان منها إلا خوفه من الله سبحانه.

وهذا هو مقام المراقبة.

فقد يستطيع الإنسان أن يخفي ذنبه عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيه عن الله سبحانه.

ومن هنا كانت هذه المرتبة أعلى المراتب.

 

زائر الأربعين... ماذا تحمل معك إلى الإمام؟

إن الإمام الحسين (عليه السلام) لا يريد منا مجرد الأقدام، وإنما يريد القلوب.

فإذا أردت أن تكون زيارتك مختلفة، فاجعل بينك وبين نفسك عهداً قبل السفر:

  • سأصبر على كل مشقة في الطريق طلباً لرضا الله.
  • سأحافظ على صلاتي وذكري وأخلاقي.
  • سأغض بصري.
  • سأحفظ لساني.
  • سأترك كل معصية اعتدت عليها.
  • سأعود من الأربعين إنساناً أفضل مما كنت.

حينها فقط تتحول الزيارة من رحلة أيام إلى بداية حياة جديدة.

 

 

خاتمة

لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) أعظم نموذج للصبر؛ صبر على المصائب حتى فقد أهل بيته وأصحابه، وصبر على طاعة الله حتى بذل كل ما يملك في سبيله، وصبر عن كل ما يغضب الله فلم يتنازل عن الحق رغم الإغراء والتهديد.

فإذا أردنا أن نكون من زواره حقاً، فلنحمل معنا هذه الأنواع الثلاثة من الصبر، ولنجعل الأربعين محطةً لتغيير النفس لا مجرد موسم للزيارة.

فقد نصل إلى كربلاء بأقدامنا في أيام، ولكن الوصول الحقيقي إلى مدرسة الحسين (عليه السلام) يحتاج إلى صبرٍ يرافقنا طوال العمر.

بقلم : زاهر حسين العبد الله 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!