بعد الزيارة... ماذا حملنا من رسول الله (ص) وأهل البيت (عليهم السلام)؟

 


بعد الزيارة... ماذا حملنا من رسول الله (ص) وأهل البيت (عليهم السلام)؟

                                                           رحلة من الزيارة إلى التغيير


الحمد لله الذي شرّفنا بزيارة نبيه الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتشرّف بالسلام على أئمة الهدى عليهم السلام في البقيع، لكن يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسأله كل زائر نفسه:


هل كانت الزيارة رحلةً للأقدام، أم رحلةً للقلوب؟

إن أهل البيت (عليهم السلام) لم يدعونا إلى الوقوف عند قبورهم، بل دعونا إلى الاقتداء بسيرتهم، ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام):

« معاشر الشيعة كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول، وقبيح القول» (١)

فالزيارة الحقيقية هي التي تُحدث أثراً في الفكر، وتوبةً في القلب، واستقامةً في السلوك.

 

أولاً: ماذا تعلمنا من النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ 

١- الإخلاص في العبادة

قال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(البينة: ٥). 

عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ‏(في حديث)‏ عن أبيه عليه السلام 

قال: « إن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلم يدع الاجتهاد له، وتعبد - بأبي هو وامي - حتى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!

قال: أفلا أكون عبدا شكورا » (٢)

الرسالة:المحمدية أن العبادة ليست عادةً، وإنما هي شكرٌ لله ومحبةٌ له.

 

٢- حسن الخلق

قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.»(٣)

فالباحث في سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام يكفي المنصف لأن يؤمن بنبوته ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (٤٥) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ﴾ . (الأحزاب ،٤٦)

فالزيارة المقبولة تظهر في البيت، وفي السوق، وفي العمل، قبل أن تظهر في المسجد.

٣- الرحمة بالناس


قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء ،١٠٧)

إذا لم نزداد رحمةً بوالدينا، وصبراً على أهلنا، وإحساناً إلى الناس، فما الذي أخذناه من رسول الرحمة؟

 

ثانياً: ماذا تعلمنا من أئمة البقيع عليهم السلام ؟ 


١-الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

تعلمنا الحِلْم والإصلاح

قال تعالى:﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾(آل عمران ،١٣٤)

لم يكن الإمام الحسن (عليه السلام) ضعيفاً حين عفا، وإنما كان قوياً يملك نفسه، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل» (٤).
وموقفه من الشامي الذي شتمه فأكرمه الإمام الحسن وضيفه فتبدل حاله وتشيع لأهل البيت عليهم السلام .

الدرس: ليس كل انتصار في الخصومة نجاحاً، وأحياناً يكون العفو هو أعظم الانتصار.

 

٢- الإمام زين العابدين (عليه السلام)

تعلمنا العبادة وخدمة الناس

كان عليه السلام يطرق بيوت الفقراء وهو مثلهم وأكثرهم كانوا يقفون على أبواب بيوتهم ينتظرونه فإذا رأوه تباشروا به وقالوا: جاءنا صاحب الجراب. وروى عنه أبو نعيم أنه كانت بيوت في المدينة كثيرة تعيش من صدقات علي بن الحسين عليه السلام ولا تدري من هو فاعل الخير هذا؟ فلما توفاه الله فقدوا ما كان يأتيهم فعلموا بأنه هو الذي كان يعيلهم، وقالوا: ما فقدنا صدقة السر حتى فقدنا علي بن الحسين زين العابدين. روى الصدوق عن الإمام الباقر أنه كان يعول مائة بيت في المدينة. (٥)

وقال تعالى:﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر ،٦٠)

فالعبادة التي لا تُثمر خدمةً للناس تبقى ناقصة الأثر.

 

٣-الإمام محمد الباقر (عليه السلام)

تعلمنا طلب العلم

قال تعالى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر ،٩)

عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر ‏(عليه السلام)‏ قال :«من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به و لا ينقص أولئك من أجورهم شيئا و من علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به و لا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا.»(٦)

فالمدينة ليست مكان زيارة فقط، بل هي مدرسة علم، ومنها انطلقت مدرسة أهل البيت.


٤-الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)

تعلمنا أن الدين سلوك

عن داود بن سرحان قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يكيل تمرا بيده، فقلت: جعلت فداك لو أمرت بعض ولدك أو بعض مواليك فيكفيك، 

فقال: «يا داود إنه لا يصلح المرء المسلم إلا ثلاثة: التفقه في الدين والصبر على النائبة وحسن التقدير في المعيشة» (٧)

عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية».(٨)

أي اجعلوا أخلاقكم، وأمانتكم، وصدقكم، هي التي تعرف الناس بأهل البيت.

وقال أيضاً:

«وأدنى حق الصدق أن لا يخالف اللسان » القلب، ولا القلب اللسان »(٩)

 

ثالثاً: كيف نحافظ على أثر الزيارة؟ 

إذا أردنا أن تكون زيارتنا مقبولة، فلنجعل لأنفسنا عهداً مع الله في خمسة أمور:

أولاً: المحافظة على الصلاة

قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ ( العنكبوت ،٤٥)

ثانياً: تلاوة القرآن وتدبره

قال تعالى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾(ص٢٩)

ثالثاً: بر الوالدين وصلة الرحم

قال تعالى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء ،٢٣)

رابعاً: حفظ اللسان

ورد عن أبو عمر مولى أنس بن مالك عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم   قال: « من خزن لسانه ستر الله عورته ومن كف غضبه كف الله عنه عذابه يوم القيامة ومن اعتذر إلى الله عز وجل قبل عذره»(١٠).

خامساً: خدمة المؤمنين

قال الإمام الصادق (عليه السلام):

«  لان أمشي مع أخ لي في حاجة حتى أقضى له أحب إلى من أن أعتق الف نسمة واحمل على الف فرس في سبيل الله مسرجة»(١١)

فالزيارة التي لا تدفع صاحبها إلى خدمة الناس لم تحقق غايتها كاملة.

 

الخاتمة 

أيها الأحبة...حين نغادر المدينة المنورة، فإننا لا نودّع رسول الله صلى الله عليه  وأهل بيته (عليهم السلام)، بل نحمل رسالتهم معنا إلى بيوتنا وأعمالنا ومجتمعاتنا.

فإذا سألنا أحد: ماذا رجعتم من المدينة؟

فليكن جوابنا:

  • رجعنا بقلوبٍ أكثر تعلقاً بالله.
  • ورجعنا بصلاةٍ أخشع.
  • وبأخلاقٍ ألين.
  • وبعلمٍ أنفع.
  • وبعزمٍ صادق على أن نكون صورةً مشرقةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته (عليهم السلام).

ولهذا كانت وصية الإمام الصادق (عليه السلام) خير ختام:

« ..فان الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل هذا جعفري فيسرني ذلك ويدخل على منه السرور وقيل هذا أدب جعفر وإذا كان على غير ذلك دخل على بلاؤه وعاره وقيل هذا أدب جعفر..»(١٢)

فالزيارة ليست نهاية الرحلة، بل بداية طريقٍ جديدٍ مع الله سبحانه، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين).

 

✍️: زاهر حسين العبد الله


المصادر

(1) وسائل الشيعة ، الحر العاملي ، الجزء 12،ص١٩٤. 

(2) ترتيب الأمالي ، محمد جواد المحمودي ، الجزء 2،ص٢٣٦ .

(3) تفسير مجمع البيان ج 10 ص 86. 

(4)  بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ، ج٦٨،ص٤٢٩ .

(5) الإمام السجاد جهاد وأمجاد ، حسين الحاج حسن ، ص٧٣. 

(6)  الكافي ، الشيخ لكليني ، ج١، ص٥. 

(7) الكافي ، الشيخ لكليني ، ج٥، ص٨٧. 

(8) الكافي ، الشيخ لكليني ، ج٢، ص٧٨. 

(9) كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء ، محمد حسن بن معصوم القزويني،ص٣٤٠.

(10)    شعب الإيمان ، أحمد بن الحسين البيهقي ، الجزء 6،ص٣١٥.

(11)    جامع أحاديث الشيعة ، السيد البروجردي ، الجزء 3،ص٣٣٥.

(12)    جامع أحاديث الشيعة ، السيد البروجردي ، الجزء ٧،ص٥٠٨.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!