حوارية (١٧٤) هل يستطيع التائب أن يعود نقيًّا؟
🔹 السائل:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام).
عندي سؤال، وبدعي لك بجوار الإمام الحسين والعباس إذا جاوبتني عليه. 🤍
هل هناك ذنوب، أو كثرة ذنوب وخطايا، تخلّف أثرًا روحيًا ما ينترك؟ وهل يمكن أن يفقد الإنسان شيئًا من سلامته الروحية بسبب كثرة الذنوب، حتى لو تاب بعد ذلك؟
وإذا كان للذنوب آثار تبقى في النفس، فكيف يتخلص الإنسان منها بعد التوبة؟ هل يحتاج إلى أربعين صباحًا مثلًا؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك؟
لأن القلوب أحيانًا تقسو، والإنسان يشعر أنه مهما فعل لا يلين قلبه كما كان، وكأنه يحمل شيئًا من الماضي معه.
وأنا كأني قرأت أن هناك هبات وعطايا ربانية خاصة لمن لم يذنبوا في حياتهم، أو كانت ذنوبهم قليلة.
فهل يمكن للتائب أن يصل إلى درجتهم؟ هل يمكن لإنسان أذنب كثيرًا ثم تاب بصدق وجاهد نفسه، أن يرجع نقيًّا تمامًا كما كان على فطرته السليمة؟
باختصار: هل يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد فعلًا؟
وبدعي لك من قلبي لو شفيتني بالجواب. 🤍
🔸 الجواب : بسمه تعالى
يا أخي العزيز، أسأل الله أن يفتح على قلبك فتحًا لا يُغلق، وأن يجعلك تنظر إلى ماضيك بعين العبرة، لا بعين اليأس.
وأقول لك من البداية، وبكل وضوح:
نعم، الذنب قد يترك أثرًا في النفس والقلب، ولكن لا، ليس معنى ذلك أن الإنسان إذا أذنب فقد جزءًا من نفسه إلى الأبد، أو أن التائب يبقى ناقصًا روحيًا لا يمكن جبره.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
فالإنسان حين يكرر المعصية قد تتكون فيه حالة نفسية وروحية؛ يضعف حياؤه، ويثقل عليه الخير، ويأنس بالمعصية، ويقل تأثره بالموعظة.
وهذا أحد معاني قسوة القلب التي قد يشعر بها الإنسان.
لكن انتبه:
الأثر ليس هوية. قد يترك الذنب أثرًا، لكن الذنب لا يصبح «أنت».
مثل : إنسان أصيب بجرح؛ الجرح أثر، لكنه ليس الإنسان كله. وقد يلتئم الجرح، وقد يبقى منه أثر، وقد يتحول موضع الألم نفسه إلى سبب لقوة الإنسان وحذره وخبرته.
وله شاهد في قوله تعالى : { قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(٥٣)}الزمر.
وقوله تعالى {.. ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّـهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)}يوسف.
بل أحيانًا يكون الإنسان بعد توبته أعرف بضعفه، وأشد افتقارًا إلى الله، وأرحم بالعاصين، وأبعد عن العُجب، من إنسان لم يُبتلَ أصلًا بتلك المعصية.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم:
🔹 السائل:
ماهو ذلك السؤال الأهم لعلك تقصد هل التوبة تمسح الماضي حقًا؟
🔸 الجواب :
أحسنتم لكن لا تجعل تصورك للتوبة هكذا:
«الله سامحني، لكنني بقيت مكسورًا».
التوبة في منطق القرآن ليست مجرد أن يقال لك: لن أعاقبك.
التوبة رجوع وإصلاح وبناء من جديد.
والقرآن يفتح لك بابًا أعظم من مجرد المغفرة، فيقول:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ( ٧٠) ﴾. الفرقان
تأمل هذه الآية جيدًا.
لم يقل فقط: يمحو السيئات، وإنما قال:
﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
يعني أن الله سبحانه لا يتعامل معك وكأنك محكوم إلى الأبد بماضيك.
فلا تجعل علاقتك بالله كأنها سجل حسابات جامد:
«أخطأت كثيرًا، إذن سأبقى إلى الأبد أقل من غيري».
الله سبحانه قادر على أن يجعل ماضيك نفسه مادة لصناعة مستقبلك.
وهناك شاهد لغسل هذا الذنب الثقيل على النفس حينما تقوم بوصفة روحية من مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام في حد الإستغفار حينما سأله أحدهم ماهو حد الإستغفار
🔹 السائل :
وهل للإستغفار حد يقف عنده الإنسان اشار إليه أهل البيت عليهم السلام
🔸 الجواب :
نعم كما ورد في الرواية عن سيد الموحدين أمير المؤمنين علي عليه السلام
أَتَدْري مَا حَدُّ الِاسْتِغْفَارُ. إِنَّ الِاسْتِغْفَارَ [هُوَ] التَّوْبَةُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي اسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ، وَهِيَ أَوَّلُ دَرَجَةِ الْعَابِدينَ الْعِلِّيّينَ. وَالِاسْتِغْفَارُ هُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا، النَّدَمُ عَلى مَا مَضى. وَالثّانِي، الْعَزْمُ عَلى تَرْكِ الْعَوْدِ إلِيَهِْ أَبَداً. وَالثّالِثُ، أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقينَ حُقُوقَهُمُ الَّتي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حَتّى تَلْقَى اللّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ. وَالرّابِعُ، أَنْ تَعْمَدَ إِلى كُلِّ فَريضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدّي حَقَّهَا . وَالْخَامِسُ، أَنْ تَعْمَدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ وَالْحَرَامِ وَالْمَعَاصي فتَذُيبهَُ بِالأَحْزَانِ، حَتّى يَلْصَقَ الْجِلْدُ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ فيمَا بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَديدٌ. وَالسّادِسُ، أَنْ تُذيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطّاعَةِ كَمَا أذَقَتْهَُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللّهَ.
📚 تمام نهج البلاغة ص540 — مكتبة صحراء النجف
فالإنسان الذي كان غافلًا ثم صار ذاكرًا، والذي كان يؤذي الناس ثم صار رحيمًا، والذي كان يتبع شهوته ثم صار يجاهد نفسه، لم يخرج من التجربة صفر اليدين.
لقد تعلّم، وجاهد، وانكسر لله، وعرف ضعفه، وعرف معنى الافتقار إليه.
ولهذا لا تحتقر نفسك لأن لك ماضيًا مؤلمًا.
قد يكون ذلك الماضي هو الباب الذي أدخلك إلى الله سبحانه .
🔹 السائل :
هل يستطيع التائب أن يصل إلى درجة من لم يذنب؟
🔸 الجواب :
فلا يصح أن نضع قاعدة عامة فنقول إن كل تائب سيصبح مساويًا لكل من لم يذنب؛ فالدرجات عند الله لها معاييرها، ولكل إنسان مقامه وعمله ومجاهدته.
لكن المؤكد أن التوبة لا تعني أنك أصبحت إنسانًا من الدرجة الثانية عند الله.
بل قد يبلغ الإنسان بالتوبة والإنابة والمجاهدة من المقامات ما لم يكن ليبلغه لو بقي على حاله.
ولا تنسَ شيئًا مهمًا:
الله لا يريد منك أن تعيش بقية عمرك وأنت تعاقب نفسك على ذنب تاب الله عليك منه.
إذا تبت، فأصلح ما تستطيع، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كانت هناك حقوق، وأكثر من العمل الصالح، وجاهد نفسك، ثم امضِ إلى الله.
لا تجعل الشيطان يحوّل الندم الذي كان ينبغي أن يقودك إلى الله، إلى يأس يبعدك عن الله.
وإذا شعرت أن قلبك لم يلن بعد، فلا تقل:
«إذن توبتي لم تنفع».
🔹 السائل:
إذا ماذا أقول يا استاذي؟
🔸 الجواب :
بل قل: «سأستمر حتى يلين». فالقلوب لا تتغير دائمًا في لحظة.
أحيانًا يحتاج القلب إلى أن يُسقى طويلًا بالصلاة، والقرآن، والاستغفار، وترك المعصية، وخدمة الناس، ومجالسة الصالحين، ومجاهدة النفس.
لتكون مصدقاً لقول الله تعالى
{وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} العنكبوت.
وليس المهم أن تقول: «متى سأعود كما كنت؟»
بل اسأل نفسك:
هل أنا اليوم أقرب إلى الله من الأمس؟
إذا كان الجواب نعم، فامضِ.
ولا تبحث عن نفسك القديمة فقط...اصنع مع الله سبحانه نسخةً جديدة منك، أنقى وأوعى وأقرب إليه سبحانه وتعالى .
والأجمل من كل ذلك أن الإنسان قد يخرج من ذنبه وهو يعرف الله سبحانه بطريقة لم يكن يعرفها قبل ذنبه.
ليس لأن الذنب خير، حاشا، وإنما لأن التوبة الصادقة قد تجعل من السقوط بدايةً للقيام.
🔹 السائل :
كيف ذلك وضح لي يرحمك الله تعالى.
🔸 الجواب :
أي تقل: «لقد أفسدت نفسي».
قل: «أذنبت، ثم عرفت باب الله، وسأبقى أطرق هذا الباب حتى أصل».
وأختم لك بهذه الجملة:
التوبة لا تعيدك بالضرورة إلى الإنسان الذي كنت عليه قبل الذنب؛ قد تأخذ بيدك لتصنع منك إنسانًا أفضل مما كنت.والله أرحم بك من نفسك.
🔹 السائل:
شكرًا لك، ما قصرت بالجواب.دعيت لك بجوار الإمام الحسين. 🤍
🔸 الجواب:
ألف رحمة ونور على والديك يالغالي. 🤍
وتقبل الله منك هذه الدعوة، وجعلنا وإياك من الذين إذا أذنبوا استغفروا، وإذا تابوا ثبتوا، وإذا سقطوا قاموا، ولم ييأسوا من رحمة الله.
✍️ زاهر حسين العبدالله
التلقرام في التعليقات
https://t.me/zaher000

أحسنتم شيخنا العزيز إن التوبة والإنابة تفتح للإنسان أبوابا من الرحمة لم تخطر على باله فأنت تتعامل مع أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين
ردحذف