حوارية (١٧٧) هل كل فضيلة في أهل البيت عند العامة تُروى تُقبل؟ أو هنا تفصيل ؟
حوارية (١٧٧) هل كل فضيلة في أهل البيت عند العامة تُروى تُقبل؟ أو هنا تفصيل ؟
السائل:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وردت هذه الرواية المنسوبة
عِنْدَمَا وَصَلَ النَّبِيُّ الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى الْعَرْشِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ، فَنُودِيَ لِمَاذَا تَخْلَعُ نَعْلَيْكَ ؟.
فَقَالَ: إِلَهِي خَشِيتُ عَاقِبَةَ الطَّرْدِ وَمَرَارَةَ الرَّدِّ وَأنْ يُقَالَ لِي كَمَا قِيلَ لِأَخِي مُوسَى. فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كَانَ مُوسَى أَرَادَ فَأَنْتَ الْمُرَادُ وَإِنْ كَانَ مُوسَى أَحَبَّ فَأَنْتَ الْمَحْبُوبُ وَإِنْ كَانَ مُوسَى طَلَبَ فَأَنْتَ الْمَطْلُوبُ وَأنْتَ الْقَرِيبُ وَأنْتَ الْحَبِيبُ. (١)
قبل أن تجيب عن شبهة الرواية المشهورة: «أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وطئ بساط القدرة بنعليه»، عندي سؤالان أراهما مقدمة ضرورية لفهم الجواب:
السؤال الأول:
إذا وردت رواية في فضائل النبي أو أهل البيت عليهم السلام في كتب أهل العامة، ولم نجد لها أصلًا في مصادرنا الحديثية المعتبرة، أو كانت مخالفة لأصولنا الكلامية أو لما ثبت عن أهل البيت عليهم السلام، فهل يلزمنا الأخذ بها؟ أم لا يجوز الأخذ بها ولا نسبتها إلى المعصوم؟
الجواب بسمه تعالى :
هذا سؤال مهم جدًا؛ لأننا قبل أن نحكم على رواية بعينها، لا بد أن نحدد منهجنا في التعامل مع الروايات المنقولة من خارج مصادرنا.
والقاعدة عند الإمامية ليست أن كل ما ورد في فضائل النبي وأهل البيت عليهم السلام يُقبل لمجرد كونه فضيلة، بل الرواية تُبحث من حيث المصدر، والسند، والمضمون، ومدى موافقتها للكتاب والسنة وأصول العقيدة.
فإذا نقلت رواية من مصدر غير إمامي، فلا تصبح حجة علينا بمجرد وجودها في ذلك المصدر، وإنما ينظر في سندها ومضمونها وقرائنها.
بل ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف». (٢)
وروي عنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
«ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله». (٣)
فإذن الفضيلة لا تمنح الرواية حصانة من النقد.
بل كلما كانت الرواية أعظم وأخطر في مضمونها، ازدادت الحاجة إلى التثبت منها.
السائل:
إذن لو وجدنا فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله في كتاب من كتب العامة، ولم نجد لها أصلًا في مصادرنا، ماذا نقول؟
المجيب:
نقول بدقة: لم تثبت عندنا.
ولا يصح أن ننسبها إلى النبي صلى الله عليه وآله أو إلى أحد الأئمة عليهم السلام بعنوان أنها رواية ثابتة.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
إمكان المضمون، وثبوت النسبة.
فقد يكون مضمون الرواية ممكنًا عقلًا وعقيدةً، لكن هذا لا يعني أن النبي صلى الله عليه وآله قاله أو أن الواقعة حدثت فعلًا.
وكذلك عدم عثورنا على الرواية في مصادرنا لا يعني بالضرورة أننا نجزم بكذبها؛ وإنما يعني أن دليل إثباتها لم يقم عندنا.
أما إذا اشتمل مضمونها على ما يخالف أصلًا قطعيًا من أصول التوحيد والتنزيه، فهنا لا نتوقف في النسبة فقط، بل نرد المعنى المخالف.
السائل:
وهنا يأتي السؤال الثاني: ماذا عن قاعدة التسامح في أدلة السنن؟
ألا يمكن أن نقول: هذه فضيلة، والفضائل يُتسامح فيها، فلا حاجة إلى التشدد في سندها؟
المجيب:
هنا يقع الخلط الذي ينبغي التنبيه عليه.
أولًا: قاعدة التسامح في أدلة السنن ليست محل اتفاق بين علماء الإمامية، بل وقع البحث بينهم في أصلها ودلالتها وحدودها.
وقد استند القائلون بها إلى ما يعرف بأخبار «من بلغ»، ومنها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
في كتاب الإقبال عن الصادق(ع): قال: «من بلغه شيء من الخير فعمل به كان له ذلك وإن لم يكن الأمر كما بلغه » (٤)
لكن حتى على القول بالتسامح، لا بد من فهم محل القاعدة.
فالكلام في أخبار «من بلغ» يدور حول شخص بلغه ثواب على عمل من أعمال الخير، فيأتي به برجاء ذلك الثواب.
أما أن نقول:
«بلغني أن النبي صلى الله عليه وآله فعل واقعة معينة في المعراج، إذن يجوز أن أنسبها إليه».
فهذه مسألة أخرى تمامًا.
السائل:
كيف ذلك؟ ياريت تبين لي ؟
المجيب:
لأن هناك فرقًا بين:
«أعمل بهذا برجاء المطلوبية» وبين: «النبي صلى الله عليه وآله فعل هذا».
الأول يتعلق بفعل المكلف ورجاء الثواب.
أما الثاني فهو إخبار عن واقعة تاريخية وغيبية ونسبة فعل إلى المعصوم.
وقاعدة التسامح ـ على القول بها ـ لا تعني أن كل خبر ضعيف يتحول إلى حقيقة تاريخية ثابتة، ولا أنها تجيز لنا أن ننسب إلى النبي صلى الله عليه وآله ما لم يثبت عنه.
ولهذا فالقضية التي بين أيدينا ليست:
هل يجوز أن أفعل عملًا رجاءً للثواب؟
وإنما: هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وطئ بساط القدرة بنعليه؟
والجواب عن الثاني يحتاج إلى دليل على وقوع الواقعة وثبوت نسبتها، لا إلى مجرد أخبار «من بلغ».
السائل:
إذن هل معنى ذلك أن كل رواية ضعيفة تُرد؟
المجيب:
ليس بهذه البساطة أخي الكريم
فالحديث الضعيف شيء، وما لا أصل له شيء آخر.
إذا وجدنا رواية في كتاب حديثي بسند ضعيف، فنحن أمام خبر موجود، ويمكن أن يبحث العلماء في سنده وقرائنه وشواهده وتعدد طرقه ومضمونه.
أما إذا كانت عبارة يتناقلها الشعراء والخطباء والوعاظ، ولم نقف لها على أصل روائي مسند، فلا يصح حتى أن نسميها ابتداءً «رواية ضعيفة».
الأدق أن نقول: لم يثبت لها أصل حديثي، ولم نقف لها على سند معتبر. وهذا هو التعبير المنهجي الذي ينبغي اعتماده.
السائل:
نعود إذن إلى الرواية محل البحث: «وطئ النبي بساط القدرة بنعليه».
المجيب:
بحسب ما وقفنا عليه، لم نجد لهذه العبارة أصلًا مسندًا معتبرًا في المصادر الحديثية الإمامية المعتبرة، وكذلك الصيغ القريبة منها، مثل:
«لما بلغ العرش أراد أن يخلع نعليه فقيل له: لا تخلعهما». أو:«طهّر العرش بنعليك».
ولذلك لا يصح أن نقول:
«ورد عن أهل البيت أن النبي صلى الله عليه وآله وطئ بساط القدرة بنعليه».
فهذه نسبة تحتاج إلى دليل.
أما كون العبارة مشهورة في بعض الأدبيات الصوفية والمدائح النبوية، فلا يحولها إلى حديث.
فالشعر شعر، والمديح مديح، والرواية رواية، ولكل واحد منها معيار إثباته.
السائل:
لكن قد يقول قائل: نحن لا نقصد المعنى الحسي، وإنما نقصد بها علو مقام النبي صلى الله عليه وآله وقربه من الله تعالى.
المجيب:
إذا كان هذا هو المراد، فلابد من التفريق بين صحة المعنى المحتمل وصحة نسبة العبارة.
فعلو مقام النبي صلى الله عليه وآله وقربه من الله ثابت بلا حاجة إلى هذه القصة، قال تعالى:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ [النجم: 8-9].
أما العبارة نفسها، فلا تصبح حديثًا لمجرد أننا استطعنا أن نعطيها تأويلًا عرفانيًا صحيحًا.
فنقول:
هذا تعبير أدبي أو عرفاني يمكن حمله على معنى صحيح.
ولا نقول: ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال أو فعل ذلك. وهذا فرق جوهري بين التأويل الأدبي والإثبات الحديثي.
السائل:
وماذا لو حملها شخص على ظاهرها، وقال إن هناك عرشًا وبساط قدرة وطأه النبي صلى الله عليه وآله بنعليه؟
المجيب:
هنا لا تعود القضية قضية سند فقط، بل تدخل في أصل التوحيد والتنزيه.
فإذا أريد بالعرش والبساط مكانًا تحل فيه الذات الإلهية أو جهةً يكون الله تعالى فيها، فهذا المعنى مخالف لما قررته مدرسة أهل البيت عليهم السلام من تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة والحركة والانتقال.
وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«من زعم أن الله من شيء، أو في شيء، أو على شيء فقد كفر».(٥)
فلا يجوز أن نثبت معنى تجسيميًا لله تعالى بحجة أنه ورد في فضيلة.
السائل:
إذن ما النتيجة النهائية من وراء هذا البحث ؟
المجيب:
النتيجة يمكن ضبطها في ثلاث قواعد:
الأولى:
الرواية المنقولة من كتب العامة لا تصبح حجة عندنا بمجرد وجودها فيها، بل تُعرض على منهجنا في الحديث والدراية، وعلى الكتاب والسنة والأصول القطعية.
الثانية:
التسامح في أدلة السنن ـ على القول به ـ لا يعني التسامح في نسبة الوقائع والأقوال إلى النبي والأئمة عليهم السلام، ولا يحول الرواية غير الثابتة إلى واقعة تاريخية ثابتة.
الثالثة:
قصة «وطئ بساط القدرة بنعليه» لا يصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله ما لم يثبت لها مصدر روائي معتبر. فإن أريد بها معنى تجسيمي أو مكاني لله تعالى فهي مردودة، وإن أريد بها معنى عرفاني أو أدبي محتمل، فتبقى تعبيرًا أدبيًا لا حديثًا مرويًا.
ولذلك فالمنهج الصحيح ليس أن نقبل كل ما فيه رفعة للنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أن نرد كل ما لم نجده في مصادرنا.
بل نقول:
نثبت ما ثبت، ونتوقف فيما لم يثبت، ونرد ما خالف المحكمات.
فمحبة النبي صلى الله عليه وآله لا تعني أن ننسب إليه كل منقبة سمعناها، بل من تمام محبته أن نصون مقامه عن الروايات التي لم تثبت عنه.
فالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لا يحتاج إلى منقبة مجهولة؛ وقد أغنانا الله عن ذلك بفضائل ثابتة، وبلّغه من المقامات ما تشهد له آيات الكتاب وروايات العترة الطاهرة.
وهنا يتضح أصل المسألة:
ليس كل ما كان فضيلةً في معناه، ثابتًا في نسبته؛ وليس ردُّ الرواية غير الثابتة انتقاصًا من مقام المعصوم، بل قد يكون من تمام تعظيمه وصيانة حديثه.
✍️ زاهر حسين العبد الله
المصادر :
(1) الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ، ذكره اللكنوي، (ص37).
(2) الحاشية علی اصول الكافي (النائيني)،محمد حيدر نائيني ،ج١ ،ص٢٣٢.
(3) شرح أصول الكافي ،الملا صالح المازندراني ، ج٢ ، ص،٣٤٦.
(4) الكافي في اصول الفقه، السيد محمد سعيد الحكيم ،ج ٢ ،ص٢٢٤.
(5) البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني ،ج٣ ،ص٧٥١.

تعليقات
إرسال تعليق