حوارية (١٧٨): أريد أن أدرس… ولكن أين الدافع؟
🗯️ حوارية (١٧٨): أريد أن أدرس… ولكن أين الدافع؟
السائل:
السلام عليكم أستاذي.
عندي سؤال يشغلني: ما الدافع الذي يجعلني أطلب العلم وأواصل دراستي؟
أنا أريد أن أدرس، وأعرف أن الدراسة مهمة، ولكن لا أجد دافعًا واضحًا وقويًّا؛ ولذلك أؤجل وأسوف، وكلما قررت أن أبدأ وجدت نفسي أهرب إلى شيء آخر. فكيف أصنع لنفسي دافعًا حقيقيًّا وفق ما تعلّمناه من مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟
الجواب بسمه تعالى:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أحسنتم على صراحتكم؛ لأن معرفة المشكلة بداية علاجها.
وأول ما ينبغي أن تعرفه هو أن الإنسان لا يطلب العلم من أجل الشهادة وحدها، ولا لمجرد الحصول على وظيفة، مع أهمية ذلك، وإنما يطلب العلم ليستضيء بنور العلم، وليخرج من ظلمة الجهل، ويبني شخصيته، ويكتشف قدراته، وينفع نفسه وأسرته ومجتمعه.
إن المشكلة في كثير من الأحيان ليست أنك لا تريد الدراسة، بل أنك لم تربطها بهدف يستحق التعب. فإذا أصبحت الدراسة في نظرك مجرد كتب واختبارات ودرجات، ثقلت عليك؛ أما إذا رأيتها طريقًا إلى رضوان الله سبحانه وتعالى وإكتشاف عجائب خلقه. ثم لبناء نفسك وخدمة الناس والاستغناء عنهم، سيتحوّل معناها في داخلك.
السائل:
ولكن ما الدافع الذي تقدمه لنا مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟
الجواب:
يمكن أن نلخص أهم الدوافع في أمور:
أولًا: أطلب العلم لأن الله يحب طالب العلم
روي عن الإمام الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
«طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحب بُغاة العلم».(١)
و«بُغاة العلم» هم الذين يطلبونه ويسعون إليه.
فأنت حين تذهب إلى دراستك بنية صالحة، وتتحمل التعب، وتجاهد الكسل، لست بعيدًا عن طريق الله سبحانه ؛ لأن الله تعالى يحب الإنسان الذي يرفض أن يبقى جاهلًا، ويسعى إلى بناء عقله وقدراته.
نعم، الروايات الواردة في فضل العلم تتجه أولًا إلى العلم الذي يعرف الإنسان به دينه ومسؤوليته، ولكنها لا تعني إهمال العلوم الدنيوية النافعة؛ فالطب والهندسة والتعليم والإدارة وسائر التخصصات النافعة يمكن أن تتحول إلى طاعة وقربة إذا قصد الإنسان بها إعفاف نفسه، وخدمة الناس، وأداء عمله بأمانة.
ثانيًا: أطلب العلم لأن العلم يحررني من التبعية
ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد:
«يا كميل، العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق».(٢)
المال قد تفقده، والمنصب قد يتغير، ولكن العلم والمهارة يبنيان فيك قدرة تبقى معك.
العلم يجعلك أكثر وعيًا في قراراتك، وأقدر على تمييز الصحيح من الخطأ، وأقل عرضة لأن يقودك الآخرون بلا بصيرة. وكل ساعة تتعلم فيها شيئًا نافعًا، فإنك تضيف إلى شخصيتك قوة لا يستطيع أحد أن ينتزعها منك.
ثالثًا: أطلب العلم لأن قيمتي فيما أتقنه
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«قيمة كل امرئ ما يحسنه».(٣)
ليس المقصود أن قيمة الإنسان الإنسانية متوقفة على شهادته؛ فالإنسان مكرّم عند الله سبحانه ، ولكن هذه الكلمة تلفت إلى أن مكانته العملية وأثره بين الناس يرتبطان بما يتقنه وينفع به غيره.
فاسأل نفسك: ماذا أريد أن أُحسن؟ وما المهارة التي أريد أن أُعرف بها؟ وما الأثر الذي أريد أن أتركه؟
كل صفحة تدرسها اليوم هي لبنة في الإنسان الذي تريد أن تكونه غدًا.
رابعًا: أطلب العلم لأنه طريق إلى الكمال
قال الإمام الباقر عليه السلام:
«الكمال كل الكمال: التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة».(٤)
تجمع هذه الرواية بين ثلاثة أمور: الوعي، والصبر، وحسن إدارة الحياة.
وهذا يعني أن الإنسان الكامل ليس من يملك المعلومات فقط، بل من يفهم، ويصبر على المشقة، ويحسن تنظيم شؤون حياته. ولذلك فإن مقاومة الكسل والتسويف جزء من تربية النفس، وليست مجرد مشكلة دراسية.
السائل:
هذا جميل، ولكنني أفهم أهمية العلم، ثم لا أبدأ. أنتظر أن يأتي الحماس، ولا يأتي!
الجواب:
هنا ينبغي أن تصحح فكرة مهمة: ليس شرطًا أن يأتي الدافع أولًا ثم تبدأ؛ ففي كثير من الأحيان تبدأ
أولًا، وبعدها يأتي الدافع.
لو انتظرت حتى تشعر بالحماس الكامل، فقد يطول انتظارك. أما إذا جلست وفتحت كتابك ودرست خمس دقائق فقط، فقد كسرت الحاجز النفسي، وعندها يصبح الاستمرار أسهل.
الدافع شعور يتغير، أما الالتزام فهو قرار. والناجح لا يدرس دائمًا لأنه متحمس، بل يدرس أحيانًا لأنه يعرف مسؤوليته، حتى لو لم يشعر بالرغبة.
السائل:
وكيف أتخلص من التسويف بطريقة عملية؟
الجواب:
جرّب هذه الخطوات:
١. صحح نيتك قبل الدراسة
قل في نفسك: أدرس لأبني عقلي، وأعفّ نفسي، وأنفع الناس، وأؤدي مسؤوليتي كما يحب الله تعالى.
فالنية الصالحة تحول الساعات العادية إلى عمل ذي معنى.
٢. لا تقل: سأدرس المادة كلها
قل: سأدرس خمس دقائق، أو صفحتين، أو مسألة واحدة.
إن النفس تخاف من المهمة الكبيرة، ولكنها تستجيب للخطوة الصغيرة.
٣. اجعل لك وقتًا ثابتًا
لا تترك الدراسة للمزاج؛ لأن المزاج متقلب. حدد وقتًا معلومًا كل يوم، ولو كان قليلًا، واجلس فيه بعيدًا عن الهاتف والمشتتات.
٤. قسّم هدفك
لا تقل: أريد النجاح فقط، بل قل:
اليوم أنتهي من هذا الدرس، وغدًا أحل هذه المسائل، وفي نهاية الأسبوع أراجع ما سبق.
كلما كان الهدف واضحًا وصغيرًا، كان إنجازه أسهل.
٥. لا تجعل التعثر سببًا للانسحاب
قد يضيع منك يوم، فلا تقل: فشلت. ارجع في اليوم التالي مباشرة.
المشكلة ليست أن تتوقف مرة، وإنما أن تحول التوقف المؤقت إلى استسلام دائم.
السائل:
وما العبارة التي أذكر بها نفسي عندما أشعر بالكسل؟
الجواب:
قل لنفسك:
لن أنتظر الدافع حتى أبدأ؛ سأبدأ لكي أصنع الدافع.
وتذكر أن تعب الدراسة مؤقت، أما ثمرة العلم فتبقى معك. وكل مرة تنتصر فيها على التسويف، فأنت لا تنجز درسًا فقط، بل تبني إنسانًا أقوى في داخلك.
ابدأ اليوم بشيء صغير، ولا تحتقر البداية القليلة؛ فإن الطريق الطويل لا يُقطع بقفزة واحدة، وإنما بخطوات صادقة ومتتابعة.
والعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كثيرا من وقتك وصبرك. فإذا صدقت في البداية، واستعنت بالله تعالى، ونظمت وقتك، فستجد أن الدافع الذي كنت تنتظره قد وُلد في أثناء الطريق.
✍️ زاهر حسين العبدالله
المصادر:
(١) الكافي، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، ج١، ص٧٨. مكتبة صحراء النجف.
(٢) نهج الساعة في مستدرك نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، تحقيق الشيخ المحمودي، ج٨، ص٩. مكتبة صحراء النجف.
(٣) نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، دخيل، ج ٣، ص٣٧١. مكتبة صحراء النجف.
(٤) الكافي، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، ج٥، ص٨٧، مكتبة صحراء النجف.

الجواب المختصر: لا تنتظر الحماس ابدأ بخطوة صغيرة والحماس غالبًا يأتي بعد البداية لا قبلها.
ردحذفوإعلم أن التسويف يجعل الإنسان يتصور أن عليه أن يشعر بالرغبة أولًا، ثم يبدأ. لكن الواقع كثيرًا ما يكون بالعكس:
قرار ثم بداية صغيرة ثم إنجاز
ثم شعور بالقدرة
والأهم ان تبدأ بمهمة واضحة جدًا،
و لا تجعل المزاج قائدك
إذا قلت: «سأدرس عندما أشعر بالحماس»، فأنت جعلت دراستك رهينة للمزاج
فعليك ان تقول لنفسك (أنا لا أحتاج أن أشعر بالرغبة حتى أبدأ؛ يكفيني أن أعرف أن هذا الأمر مهم لي.»
فهنا أنت الذي تقود نفسك وهذا هو عين العقل والحكم.
هو عين العقل والحكمة
ردحذف