حوارية (١٨٠): كيف تبني ملكة التدبر القرآني في ربع ساعة؟


 حوارية (١٨٠): كيف تبني ملكة التدبر القرآني في ربع ساعة؟

السائل:

السلام عليكم أستاذي. أريد أن أقوّي ملكة التدبر في القرآن الكريم، وخطر لي أن أبدأ بالتفسير واللغة والبلاغة وعلوم القرآن، لكن هذه علوم واسعة، وليس عندي يوميًا إلا نحو ربع ساعة. فمن أين أبدأ؟


الأستاذ:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ما ذكرتموه من العلوم مهم، ولكن لا تجعلوا الاستعداد لفهم القرآن يحجبكم عن القرآن الكريم نفسه.

القاعدة التي أقترحها هي:

اجعل القرآن أصلًا، واجعل العلوم خادمة لفهمه.

فالتلاوة قراءة كلام الله تعالى، والتفسير بحثٌ في معنى الآية ومرادها وفق أدواته وضوابطه، وعلوم القرآن واللغة تمدّنا بما نحتاج إليه من قواعد، أما التدبر فهو إعمال النظر في الآيات لاكتشاف هداياتها وروابطها وآثارها، ضمن حدود ما تسمح به المعرفة، ومن غير جزم بما لم يقم عليه دليل.

ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر» (١).

فالقرآن لا يريد عينًا تمر على الكلمات فحسب، بل عقلًا يتفهم، وقلبًا يتأثر، وإنسانًا يهتدي.


السائل:

ولكن إذا انتظرت حتى أدرس اللغة والبلاغة والتفسير، فقد تمضي سنوات قبل أن أبدأ!


الأستاذ:

وهذا ما لا أنصح به. ابدأ بالتدبر من الآن، واجعل أدواتك العلمية تنمو معك شيئًا فشيئًا. يمكنك أن تجعل لك كل يوم ربع ساعة قرآنية:

في الدقائق الثلاث الأولى، اقرأ آية أو مقطعًا قصيرًا قراءة هادئة متكررة، ولاحظ السياق والكلمات المتكررة والأمر والنهي والوعد والوعيد. ثم خصص نحو خمس دقائق للملاحظة والسؤال. اسأل مثلًا:

ما القضية الأساسية في الآية؟ ما الكلمات المحورية؟ ما صلتها بما قبلها وما بعدها؟ ماذا تريد أن تبني في معرفتي أو قلبي أو سلوكي؟ قال تعالى:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾(٢).

وعن الإمام الصادق عليه السلام:

«إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جالٍ بصره، ويفتح للضياء نظره؛ فإن التفكر حياة قلب البصير...»(٣).

فالتدبر ليس مجرد جمع معلومات، بل تدريب العين الباطنة على أن ترى هداية الآية.


السائل:

أحيانًا تقولون: اسأل لماذا استُعملت هذه المفردة دون غيرها. ولكن كيف أعرف ذلك وأنا لم أتخصص في اللغة والبلاغة؟ ألا أخشى أن أفسر القرآن برأيي؟


الأستاذ:

هذا سؤال دقيق، وهنا ينبغي التفريق بين السؤال والتفسير. في التدبر الأولي لا تقل:«اختار الله هذه اللفظة قطعًا لأجل كذا».

بل قل:

«هذه اللفظة لفتت نظري؛ فما خصوصيتها هنا؟ وهل يختلف المعنى لو جاء التعبير بلفظ آخر؟».

فأنت في هذه المرحلة تولّد سؤالًا، لا تصدر حكمًا.

وقد يخطر لك احتمال، فتكتبه بوصفه احتمالًا، ثم تعرضه على اللغة والسياق واستعمالات القرآن والتفسير المعتبر وما ورد عن أهل البيت عليهم السلام.

فالطريق المنضبط هو: ملاحظة ← سؤال ← احتمال ← تحقيق ← نتيجة.

وبهذا نجمع بين أمرين: لا نعطّل التدبر بحجة أننا لم نصبح متخصصين، ولا نحوّل خواطرنا الشخصية إلى تفسير ننسبه إلى كلام الله.


السائل:

ومتى أرجع إلى التفسير؟


الأستاذ:

بعد هذه المحاولة القصيرة، خصص نحو أربع دقائق لمراجعة تفسير إمامي معتبر للآية.

ليس المقصود أن تبحث في خمسة تفاسير كل يوم؛ فهذا قد يشتتك في مرحلة التأسيس. اختر تفسيرًا أساسًا مناسبًا لمستواك، ثم توسع عند الحاجة.

وظيفة التفسير هنا أن يصحح تدبرك ويوسعه: فقد تجد أن ملاحظتك صحيحة، وقد تكتشف أن السياق يمنعها، وقد ترى في الآية معنى لم يخطر لك أصلًا. ثم اجعل الدقيقتين الأخيرتين لكتابة أمرين فقط:

ماذا فهمت؟و ماذا ينبغي أن يتغير فيَّ؟

فليس السؤال القرآني الكامل: «ماذا تقول الآية؟» فقط، وإنما أيضًا: «ماذا تريد هذه الآية أن تصنع بي؟»

فالقرآن كتاب هداية، والمعرفة القرآنية التي لا تعبر من الذهن إلى القلب والعمل تبقى ناقصة الثمرة.


السائل:

وماذا عن اللغة والبلاغة وعلوم القرآن؟


الأستاذ:

تعلّمها بالتدريج، ولا تجعلها منافسة لمصاحبتك اليومية للقرآن.

وابدأ بما تظهر ثمرته مباشرة: دلالة المفردات، والسياق، والضمائر، والتوكيد، والشرط، والتقديم والتأخير، والحذف، والمقابلة ونحوها. ومن الطرق النافعة أن تتعلم الأداة عند ظهور الحاجة إليها. فإذا أثار تركيب قرآني سؤالًا بلاغيًا، فاقرأ حينئذ عن قاعدته، ثم عد إلى الآية. وهكذا تتحول علوم العربية من معلومات منفصلة إلى مفاتيح تستعملها فعلًا.


السائل:

ومن أين أبدأ؟


الأستاذ:

في بناء الملكة، يمكنك أن تبدأ بسور قصيرة واضحة البناء، حتى يسهل عليك ملاحظة وحدة الموضوع وروابط الآيات، ثم تتوسع شيئًا فشيئًا.

ولا تجعل مقياس النجاح: كم صفحة قرأت؟

بل اسأل: كم معنى ثبت في نفسي؟ كم علاقة بين الآيات انتبهت إليها؟ وهل خرجت اليوم بهداية أستطيع أن أعيشها؟

والأهم من ذلك المداومة؛ فقد قال الإمام الباقر عليه السلام: «أحب الأعمال إلى الله عز وجل ما داوم عليه العبد وإن قل»(٤).

فربع ساعة واعية كل يوم أنفع في بناء الملكة من اندفاع طويل يعقبه الانقطاع. ومع الزمن ستجد أن عقلك حين يقرأ القرآن يبدأ تلقائيًا بملاحظة السياق، والمفردة، والرابط، والمقصد، والهداية؛ وعندها تكون الممارسة قد بدأت تتحول إلى ملكة.

فاحفظ هذه القاعدة:

لا تجعل كثرة الكتب تحجبك عن الكتاب، ولا تجعل خواطرك بديلًا عن التحقيق.

ابدأ من القرآن، واسأل، ثم حقق، ثم دوّن الهداية، ثم حاول أن تعيشها.

والله العالم. والحمد لله رب العالمين 

المصادر:

(١) الشيخ الكليني، الكافي، ج١، ص٣٦.

(٢) سورة محمد، الآية ٢٤. وانظر أيضًا: سورة النساء، الآية ٨٢.

(٣) الشيخ الكليني، الكافي، ج٢، ص٥٩٩-٦٠٠، كتاب فضل القرآن، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى... فإن التفكر حياة قلب البصير...».

(٤) الشيخ الكليني، الكافي، ج٢، ص٨٢، باب استواء العمل والمداومة عليه، عن الإمام الباقر عليه السلام: «أحب الأعمال إلى الله عز وجل ما داوم عليه العبد وإن قل».


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم