مناعة الروح (٩): لا تستعجل الثمرة وصية الإمام الحسن العسكري (ع)


 مناعة الروح (٩): لا تستعجل الثمرة وصية الإمام العسكري (ع)

وصية الإمام الحسن العسكري عليه السلام لشباب زمن الإغراء

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

أيها الأحبة…

نعيش اليوم في عالم يريد كل شيء سريعًا: نجاحًا سريعًا، ومالًا سريعًا، وشهرةً سريعة، ولذةً سريعة. وقد تسللت هذه السرعة إلى داخل النفس؛ فأصبح بعض الشباب يريد الثمرة قبل أن تنضج، والنتيجة قبل أن يكتمل طريقها، وربما دفعه استعجاله إلى الحرام أو التنازل عن كرامته ومبادئه.

وفي مواجهة هذا الطوفان، تأتينا وصية عميقة مروية عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ترسم لنا منهجًا في الصبر على الحاجات، وضبط الرغبات، والثقة بتدبير الله تعالى.

رُوي عنه عليه السلام:

«ادفع المسألة ما وجدتَ التحمّلَ يمكنك؛ فإنّ لكل يوم رزقًا جديدًا، واعلم أنّ الإلحاح في المطالب يسلب البهاء، ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابًا يسهل الدخول فيه؛ فما أقرب الصُّنع من الملهوف، والأمن من الهارب المخوف، فربما كانت الغِيَر نوعًا من أدب الله، وللحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة لم تُدرك، فإنما تنالها في أوانها. واعلم أنّ المدبّر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك، ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها، فيضيق قلبك وصدرك ويغشاك القنوط».(١)

هذه الكلمات لا تدعو إلى الكسل وترك السعي، وإنما تعلّم الإنسان أن يعمل من دون أن يفقد نفسه، وأن يطلب حاجته من دون أن يصبح عبدًا لها. الآن لنقف بتأمل في وصية الإمام ونتعمق في معانيها لنستلهم منها الترياق المجرب الذي ينفي المرض من أعماق النفس بما يلي : 

أولًا: لا تجعل حاجتك أقوى من كرامتك

يقول الإمام عليه السلام: «ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك».

أي: ما دمت قادرًا على الصبر وتحمل وضعك، فلا تسارع إلى كشف حاجتك لكل أحد، ولا تجعل أول حلولك أن تذل نفسك للناس. وليس معنى ذلك الامتناع عن طلب المساعدة عند الضرورة، وإنما المقصود ألا تتحول النفس إلى نفس متعلقة بالمخلوقين، تطرق أبوابهم قبل أن تطرق باب الله سبحانه، وتتنازل لهم عن كرامتها من أجل مطلوب عابر.

قد يحتاج الشاب إلى وظيفة، لكن حاجته لا تبرر أن يكذب في سيرته الذاتية. وقد يرغب في الزواج، لكن رغبته لا تبرر إقامة علاقة محرمة. وقد يريد النجاح، لكن ذلك لا يبيح له الغش. وقد يطلب القبول الاجتماعي، لكن هذا لا يبرر أن يتخلى عن هويته ودينه.

مناعة الروح تبدأ حين يقول الإنسان: أنا محتاج، لكنني لن أخسر نفسي من أجل حاجتي.

 

ثانيًا: لكل يوم رزق جديد

ما لم يصل إليك اليوم قد يصل غدًا؛ لأن خزائن الله تعالى لا تنفد، ولأن كل يوم يحمل أبوابًا لم تكن موجودة بالأمس.

قال تعالى:﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. سورة الذاريات، الآية 22.

والرزق لا يقتصر على المال؛ فقد يكون فرصةً، أو فكرةً، أو صديقًا صالحًا، أو قوةً تهزم بها شهوةً طالما أضعفتك.

لكن بعض الشباب يحكم على حياته كلها من خلال لحظة واحدة: يُرفض في وظيفة فيقول: انتهى مستقبلي. يفشل في تجربة فيقول: أنا إنسان فاشل. يتعثر في طريق التوبة فيقول: لن أتغير أبدًا.

أما الإمام عليه السلام فيقول له: «لكل يوم رزق جديد». فلا تجعل إخفاقًا مؤقتًا تعريفًا دائمًا لنفسك، ولا تحكم على مستقبلك من خلال ألم يوم واحد.

 

ثالثًا: لا تتحول الرغبة إلى عبودية

يقول عليه السلام: «إن الإلحاح في المطالب يسلب البهاء، ويورث التعب والعناء».

والمقصود التعلق المفرط بالمطالب الدنيوية وملاحقتها بطريقة تسلب الإنسان توازنه وكرامته؛ فيراقب هاتفه كل دقيقة منتظرًا رسالة، أو يلاحق شخصًا لا يريده، أو يتنازل عن مبادئه من أجل فرصة، أو يقارن حياته بحياة الآخرين حتى يفقد الرضا.

وحين يسيطر المطلوب على القلب، لا يعود الإنسان مالكًا لرغبته، بل تصبح الرغبة هي التي تملكه.

وفي زماننا تعمل وسائل الإعلان والتواصل على إبقاء الإنسان في حالة جوع مستمر: اشترِ أكثر، وشاهد أكثر، واجمع متابعين أكثر، وجرّب لذةً جديدة. وكلما حصل على شيء قيل له: ما زال ينقصك شيء آخر.

أما المؤمن فيطلب حاجته، ولكنه لا يعبدها؛ فإن جاءت شكر، وإن تأخرت صبر، وإن صرفها الله عنه وثق بحكمته.


رابعًا: الصبر ليس تركًا للعمل

يقول الإمام عليه السلام: «فاصبر حتى يفتح الله لك بابًا يسهل الدخول فيه».

الصبر ليس أن يجلس الإنسان منتظرًا من دون عمل؛ بل أن يستمر في أداء واجبه، مع امتناعه عن الطريق الحرام.

فالباحث عن وظيفة يصبر، لكنه يتعلم ويطور مهاراته. ومن يريد الزواج يصبر، لكنه يبني نفسه ماليًا ونفسيًا وأخلاقيًا. ومن يجاهد شهوةً محرمة يصبر، لكنه يغلق منافذها، ويبتعد عن مثيراتها، ويملأ فراغه بما ينفعه.

وهناك فرق بين باب تكسره بقوة الشهوة، وباب يفتحه الله لك في الوقت المناسب. فقد تستطيع الدخول في علاقة محرمة، لكنك لا تستطيع ضمان نهايتها. وقد تحصل على المال من طريق غير مشروع، لكنك لا تستطيع أن تضع البركة فيه.

والباب الذي يفتحه الله قد يتأخر، لكنه يحفظ للإنسان دينه وكرامته وراحة ضميره.

 

خامسًا: قد يكون التأخير تربيةً لا حرمانًا

يقول عليه السلام: «فربما كانت الغِيَر نوعًا من أدب الله».

أي: إن تغير الأحوال وتقلبها قد يحمل تربيةً إلهية للإنسان. فقد يمر الشاب بفشل حتى يتخلص من الغرور، أو يتأخر عنه مطلوب حتى يتعلم الانضباط، أو تنتهي علاقة حتى يدرك أنه كان متعلقًا بالمخلوق أكثر من الخالق.

وليس معنى ذلك أن كل بلاء عقوبة، ولا يحق لنا أن نتهم كل مبتلى بأنه يعاقب على ذنب، وإنما المعنى أن المؤمن يستطيع تحويل المحنة إلى مدرسة، فيسأل نفسه: ماذا يمكن أن أتعلم من هذه المرحلة؟ بدل أن يقول: لماذا تخلى الله عني؟

قد يحزن الإنسان على أمر فاته، ثم يكتشف بعد مدة أن فواته كان نجاةً له، وأن الباب الذي أُغلق في وجهه كان يخفي وراءه ما لا يناسب دينه أو مستقبله.

 

سادسًا: لا تقارن توقيتك بالآخرين

يقول الإمام عليه السلام: «وللحظوظ مراتب».

ليس الناس متساوين في أرزاقهم ومواهبهم وتوقيت الفرص في حياتهم. أحدهم يتزوج مبكرًا، والآخر يتأخر. أحدهم يجد وظيفة بسرعة، والآخر يصل إليها بعد محاولات. والمشكلة تبدأ حين يقيس الإنسان توقيته بتوقيت الآخرين.

مواقع التواصل تعرض لك الثمرة ولا تعرض جذورها؛ تريك نجاح الإنسان ولا تريك سنوات تعبه، وتعرض صورة الحياة الجميلة ولا تعرض مسؤولياتها وآلامها.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ… وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. سورة النساء، الآية 32.

فأنت لست نسخةً من غيرك، وحياتك ليست سباقًا مع صور الآخرين. واجبك أن تسعى في طريقك، لا أن تحترق بمراقبة طرقهم.


سابعًا: لا تعجل على ثمرة لم تنضج

هذه الجملة هي قلب الوصية: «فلا تعجل على ثمرة لم تدرك، فإنما تنالها في أوانها».

قد تكون الثمرة موجودة، لكنها إذا قُطفت قبل نضجها كانت مُرّة ومؤذية. وكذلك مطالب الحياة؛ فليس المهم أن تحصل عليها فقط، بل أن تحصل عليها في الوقت الذي تستطيع فيه أن تحسن التعامل معها.

قد يريد الشاب المال، لكنه لم يتعلم إدارته. ويريد الزواج، لكنه لم يتدرب على تحمل المسؤولية وضبط الغضب. ويريد الشهرة، لكنه لم يبنِ تواضعًا يحميه منها. ويريد لذةً عاجلة، لكنه لا يرى الألم المختبئ وراءها.

وهنا يظهر خطر الشهوة؛ فهي تقول للإنسان: خذ لذتك الآن، ولو دفعت مستقبلك ثمنًا لها.

النظرة المحرمة تمنح ثواني من اللذة، لكنها تترك صورةً تلاحق الخيال. والعلاقة المحرمة تمنح دفئًا مؤقتًا، لكنها قد تورث تعلقًا وندمًا طويلًا. والمخدر يمنح هروبًا قصيرًا، لكنه يسلب الإرادة والعقل. والغش يمنح درجة، لكنه يهدم شخصية الإنسان. وقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام:«كم من شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلًا».(٢)

فمناعة الروح لا تعني أن الشاب لا يشعر بالشهوة، بل تعني أنه لا يسمح للحظة الشهوة أن تقرر مصير حياته.


ثامنًا: ثق بتوقيت الله

يقول الإمام العسكري عليه السلام:

«واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك».

نحن نخطط ونعمل، لكننا لا نعرف جميع العواقب. قد يقول الإنسان: لو حصلت على هذا الشيء الآن لاستقامت حياتي، لكنه لا يعلم ماذا سيفعل به ذلك الشيء بعد سنة.

قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. سورة البقرة، الآية 216.

 

الثقة بالله لا تعني ترك التخطيط، بل الجمع بين بذل الجهد وتسليم النتيجة. تقول: يا رب، سأطرق الأبواب المشروعة، لكنني لن أعصيك لأفتح بابًا أغلقته عني.

أيها الشاب العزيز…

قد تتأخر عنك بعض الأشياء، لكن تأخرها لا يعني أنك منسي. وقد تُغلق في وجهك أبواب، لكن إغلاقها لا يعني أن الله تخلى عنك. وقد تشتد عليك الشهوة، لكن شدتها لا تعني أنها أقوى منك.

لا تقطف ثمرةً لم تنضج، ولا تدفع مستقبلك ثمنًا للحظة، ولا تدخل إلى حاجتك من باب يغضب الله.

اعمل، وخطط، واستشر، وجاهد نفسك، ثم ثق بأن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح فيه حالك.

وإذا هاجت الشهوة فقل لنفسك:

ليست كل رغبة أمرًا يجب تنفيذه، وليست كل فرصة بابًا ينبغي دخوله، وليست كل لذة تستحق أن أخسر من أجلها قلبي.

اللهم ارزقنا صبرًا لا يتحول إلى كسل، وسعيًا لا يتحول إلى هلع، وعفةً تحفظ قلوبنا، وثقةً بحسن تدبيرك. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

بقلم: زاهر حسين العبد الله

المصادر

1.          ابن فهد الحلي، عُدّة الداعي ونجاح الساعي؛ ونقله المجلسي في بحار الأنوار، ج93، ص372، مرسلًا عن الإمام العسكري عليه السلام.

2.          الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، في التحذير من الشهوة.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم