العقل الفاطمي في مواجهة التهمة
العقل الفاطمي في مواجهة التهمة
فهمت من خطبة الأستاذ الشيخ عبد الجليل بن سعد حفظه الله.. يوم الجمعة
من جميل ما لفتني في محاضرة أستاذنا الشيخ عبد الجليل بن سعد حفظه الله، في ذكرى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام،
حديثه عن التحصين، وأن الإنسان لا يكفيه أن يعيش في بيئة صالحة، بل يحتاج إلى وعيٍ يحصّنه من التلقينات والشبهات التي قد تتسلل إلى عقله وقلبه.
فالتحصين يكون بالعلم، وبالتفقه في الدين، وبالقدوات الصالحة التي توقظ في الإنسان نفسه اللوامة، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل.
ومن بين ما ركز عليه سماحة الشيخ، خطرٌ بالغ الأثر، هو التهمة.
والتهمة ليست مجرد اتهام شخص لآخر، بل قد تتسع حتى يُتَّهم الدين أمام المتدين، والمذهب أمام أتباعه، والمجتمع أمام أفراده، والزوجة أمام زوجها، والوالد أمام ولده.
وخطورتها أنها قد لا تحتاج إلى دليل؛ يكفي أن تُلقى في النفس، ثم يبدأ الشك بالعمل من الداخل. وقد لا يصدق الإنسان التهمة كاملة، لكنه يتأثر بها، فتتغير نظرته وموقفه دون أن يشعر.
وهنا كانت لفتة سماحة الشيخ عميقة: لا ينبغي أن نبني مواقفنا على التهمة، ولا أن نحول الشك إلى حقيقة بمجرد سماعها.
والفائدة الفاطمية
وهنا وجدت في سيرة الزهراء عليها السلام درسًا عظيمًا.
فالزهراء عليها السلام كانت عميقة العلم والتفقه، واعية بدينها، عارفة بموقفها، ولذلك لم تكن التهمة قادرة على أن تعبث ببوصلة ولائها لإمام زمانها أو تغيّر قناعتها.
وحين واجهت مجتمعها في تلك المرحلة، لم تبنِ موقفها على مجرد الظنون، ولم تبدأ باتهام المجتمع، وإنما فتحت باب التحقيق لتثير ضمائر الأمة لتلمس تقصيرها في حق وصية أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله، فطرقت الأبواب، وبيّنت الحجة، ومضت في موقفها على أساس من الوعي والبصيرة.
وهذه هي الفائدة الفاطمية التي أخرج بها من كلام سماحة الشيخ:
أن أكون فاطميًا لا يعني أن أحمل الاسم فقط، بل أن أتعلم من الزهراء عليها السلام كيف أفكر، وكيف أتحقق، وكيف أثبت على الحق مهما كانت الظروف.
فإذا وصلتني تهمة عن شخص، أو أسرة، أو مجتمع، أو قضية دينية، فلا أجعلها حقيقة بمجرد سماعها، بل أتحقق قبل أن أحكم.
وإذا أثيرت الشبهات حول ديني ومذهبي، فلا أتركهما لمجرد كلام عابر، بل أتعلم وأتفقه حتى تكون قناعتي قائمة على بصيرة.
وإذا اشتدت الظروف، فلا أسيء الظن بالله، ولا أتنازل عن ثوابتي، ولا أسمح لأحد أن يسرق مني بوصلة الحق، وجوهرة اليقين الراسخة في قلبي وعقلي.
وهكذا تعلّمنا الزهراء عليها السلام أن العقل الفاطمي لا تسوقه التهمة، ولا تهزه الشائعة، ولا يقوده الانفعال؛ بل يقوده العلم والبصيرة والثبات.
وهذه، في نظري، واحدة من أجمل الدروس التي يمكن أن نحملها من ذكرى الزهراء عليها السلام إلى واقعنا اليوم.
فالسلام على سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام يوم ولدت ويوم ظلمت ويوم تبعث حيا وحشرنا الله في زمرتها وتشملنا فيض بركاتها يوم القيامة.
بقلم: زاهر حسين العبد الله
تعليقات
إرسال تعليق