حوارية (١٧١) الزهد ألا يملكك شيء؛ ما معنى ذلك؟

 

حوارية (١٧١) الزهد ألا يملكك شيء؛ ما معنى ذلك؟

السائل:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أستاذي، أولًا عيد أضحى مبارك عليك، وكل عام وأنتم بخير. 

في روايات أهل البيت هناك مدح جمّ للزهد، وتصفه أنه ضروري للمؤمن، وأنه غنى وراحة وإلى آخره، وأنه "ليس ألا تملك شيئًا، بل ألا يتملكك شيء". لكني أواجه مشكلة في تطبيقه؛ كيف أخلي هذه الحالة داخلي أني ما يتملكني شيء خصوصًا مع الأشياء التي أحبها؟ ما هو نوع الجهاد الذي يجعلني أكتسب هذه الصفة؟ 

معذرة إذا كثرت عليك أسئلة هذه الفترة، لكني فعلًا أستفيد من أجوبتك وأنا ممتن على مساعداتك لي أستاذي العزيز. ❤️


الجواب بسمه تعالى:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بك أخي العزيز. كل عام وأنت بألف خير، وأعاد الله عليك وعلى عائلتك الكريمة أيام عيد الأضحى المبارك بالخير واليُمن والبركات، وتقبّل الله طاعاتكم وصالح أعمالكم. ❤️

سؤالك يلمس جوهر التزكية وأحد أدق مفاهيم الأخلاق والعرفان في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). هذا الإشكال الذي تواجهه هو "المعركة الحقيقية" في جهاد النفس، لأن النفس بطبيعتها تميل للتعلق والالتصاق بما تحب.

القاعدة الذهبية التي ذكرتها: "الزهد ليس ألا تملك شيئًا، بل الزهد ألا يملكك شيء" (وهي مضمون ما رُوي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام) هي مفتاح الحل. أهل البيت لم يطلبوا من المؤمن أن يكون فقيرًا أو معدمًا، بل أرادوا له أن يكون أقوى من ممتلكاته.

لكي تتحول هذه الحالة إلى واقع داخلي، وتصل إلى مرحلة "الاستقلال القلبي" عن الأشياء التي تحبها، هناك شاهد من مولانا الصادق عليه السلام يوضح قاعدة مهمة 

فعن إسماعيل بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: "ليس الزهد بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال، بل الزهد أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد اللّه عز وجل". وقال عز من قائل: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾.(١)

هناك خطوات عملية ونوع محدد من "الجهاد" تحتاجه وهو:

١. "جهاد نزع التعلق" لا "جهاد الحرمان"

أنت لا تحتاج إلى إجبار نفسك على ترك الأشياء التي تحبها (إن كانت حلالًا)، بل تحتاج إلى جهاد "فك الارتباط النفسي" بها.

·       التدريب على الاستغناء: اختر شيئًا تحبه جدًا (جهاز، لباس، ميزة معينة) وتخلَّ عنه لفترة قصيرة اختياريًا (أو تصدّق بمثله)، لتثبت لنفسك أن حياتك مستمرة وسعادتك لم تنقص بدونه.

٢. الفهم المعرفي (رؤية حقيقة الدنيا)

الزهد في مدرسة أهل البيت يبدأ من العقل ثم ينتقل للقلب. تذكر دائمًا معادلتين:

·       معادلة الزوال: كل ما تحبه في هذه الدنيا (ماديات، مناصب، وسائل) هو عارية مستردة. تأمل في الآية التي لخصت الزهد كله في قوله تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ واللَّـهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)} الحديد.

·       معادلة الوسيلة والغاية: اجعل الأشياء في يدك لا في قلبك. المال، التكنولوجيا، والرفاهية هي "وسائل" لتسهيل حياتك وعبادتك ومساعدة عيالك والناس، وليست "غاية" بحد ذاتها. إذا أصبحت الوسيلة غاية، فقد تملّكتك.


السائل: 

استاذي ماهي الخطوات العملية التي تجعلني أكتسب هذه الصفة؟

 

الجواب: 

هذا ما أود تكملته معك في المرحلة الثالثة وهي 

 

٣. خطوات عملية لاكتساب هذه الصفة:

·       تمرين "ماذا لو؟": بين فترة وأخرى، اسأل نفسك بصدق: "لو فَقدت هذا الشيء الذي أحبه اليوم، هل ستتحطم نفسيتي أم سأقول (الحمد لله على كل حال)؟". توطين النفس على الاحتمالات يكسر حِدّة التعلق.

·       الإيثار والعطاء ممّا تحب: من أعظم الأدوية لمرض "التملك" هو تطبيق الآية في قوله تعالى: {لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)} آل عمران. عندما تخرج شيئًا تحبه من ملكك وتعطيه للآخرين طاعة لله سبحانه ، أنت تقطع الحبل الخفي الذي يربط قلبك بهذا الشيء.

·       مراقبة ردود الأفعال عند الخسارة: إذا انكسر شيء تحبه أو ضاع، ووجدت نفسك غاضبًا بشكل مفرط أو حزينًا لدرجة تقعدك عن واجباتك، فهذا مؤشر أحمر على أن الشيء "تَملّكك". هنا يحتاج المرء لوقفة مع النفس والاستغفار وإعادة ترتيب الأولويات.


السائل: 

استاذي هل هناك أدعية تساعد على كسب هذه الصفة وهي الزهد ؟ 

 

الجواب: 

نعم يوجد يا اخي العزيز وهذا ما ابينه في النقطة الرابعة معك 

٤. الاستعانة بالدعاء والمناجاة

في تراث أهل البيت، وتحديدًا في "الصحيفة السجادية"، بلسم شافٍ لهذه الحالات. ركز في دعائك على طلب "الغنى النفسي". كما ورد عن الإمام السجاد عليه السلام حينما 

قال : اللهم اجعلني أخشاك حتى كأني أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعاصيك، وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت، واجعل غناي في نفسي، ومتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارثين مني  (٢)

 عندما يمتلئ القلب بحب الله والتعلق بالكمال المطلق، تصبح الأشياء المادية في نظره صغيرة، يستمتع بها كمشهد عابر في سفر، دون أن يتأسف على رحيلها.

بالمختصر: عش حياتك، تمتع بالطيبات التي رزقك الله إياها، لكن ابقِ حقيبتك الروحية خفيفة دائمًا، مستعدًا للمضي قدمًا في أي لحظة دون التفات للوراء. هذا هو جوهر حرية المؤمن.

 

السائل:

انا اقل من اني اعلق على الكنز اللي كتبته لي لكن لو بضيف شي يكون موجود فالحوارية نماذج لناس اكتسبوا هذي الصفة او تخلصوا من اشياء متعلقين فيها بعد التكلم عن الزهد عشان يكون في ذهن المستمع أو القارئ نموذج عملي بعد التعلم

 

الجواب:

أولاً: من التاريخ 

١. أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

زهده وتفضيله لعدم التملك، وقوله الشهير عن حقارة الدنيا في عينه إذا لم يكن فيها إقامة للحق.

فكان يرى الدنيا وسيلة لا غاية، وقد وثق نهج البلاغة قمة زهده في قوله: «وَاللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ». لم يكن زهده يعني الفقر المدقع، بل كان يعني السيطرة التامة على الموارد؛ فكان يفيض بالأموال على الناس ويبقى هو في بيت متواضع، مؤكداً أن ملكيته للأمور لم تكن لتُملك قلبه.(٣)

٢. سلمان المحمدي (رضوان الله عليه):

الشاهد: رفضه لبناء دارٍ مرتفعة وعيشه من كدّ يده وهو والٍ على المدائن، مما يثبت عدم تملك المنصب لقلبه.

فجسّد أسمى معاني الزهد وهو في أوج سلطته. ذكرت المصادر التاريخية أنه عندما تولى إمارة المدائن، كان يتقاضى راتباً من بيت المال يوزعه بالكامل على الفقراء، ويعيش من عمل يده في خياطة الخوص. قيل له: "ألا تبني لك داراً؟" قال: "بلى، فبنى كوخاً لا يقي من الشمس ولا المطر". كان تحرره من أسر المنصب والجاه نموذجاً للزهد العملي. (٤)

 

ثانياً: من العلماء المعاصرين

 ٣. المرجع الكبير آية الله السيد محسن الحكيم (قدس سره):

الشاهد: دقته في التعامل مع الحقوق الشرعية وعيشه البسيط رغم إمامة الأمة، وتفرغه لخدمة الفقراء وطلبة العلم.

عُرف عنه زهده الشديد رغم كونه المرجع الأعلى في زمانه. يروي مقربون منه أنه كان يعيش في بيت بسيط، وعندما كان يُسأل عن تعامله مع الحقوق الشرعية التي ترد إليه، كان يوزعها بدقة متناهية دون أن يقتطع لنفسه شيئاً، مؤكداً في سيرته أن "المرجع" مؤتمن على المال لا مالك له. لقد عاش زاهداً في المظاهر، متحلياً بغنى النفس الذي يجعله فوق تأثير المادة. (٥)

 

٤. المرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني (دام ظله):

الشاهد: زهده في المظاهر، وسكنه في بيت مستأجر متواضع في النجف الأشرف، وانشغاله بالقرار الشرعي بعيداً عن صخب الأضواء والتملك.

يُعد نموذجاً حياً للزهد المعاصر في المظاهر والجاه. رغم مكانته المرموقة وتأثيره العالمي، يعيش في بيت مستأجر متواضع في النجف الأشرف، ويقتصر في حياته الشخصية على أدنى مستويات المعيشة. زهده يتجلى في "الاستغناء عن الأضواء"؛ فهو لا يسعى لظهور أو تملّك، بل يوجه كل طاقاته لخدمة الأمة ورعاية الفقراء، معتبراً أن الزهد هو التحرر من سطوة المكانة والمنصب ليظل القرار مستقلاً ومخلصاً لله.(٦)




السائل: 

اشكرك استاذي كفيت ووفيت ورحم والله والديك .

 

الجواب: 

الشكر لله وحده سبحانه واشكر لطفك على سؤال امثالي قليلي البضاعة والحمد لله رب العالمين 

 

بقلم: زاهر حسين العبد الله

 

المصادر :

(1)   مرآة الرشاد، الشيخ عبد الله المامقاني (العلامة الثاني)، ص٢١٠.

(2)   بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ، المجلد 86 ، الصفحة 298.

(3)   الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة ٣ (الشقشقية)، والخطبة ٢٢٤ (حول إعلائه للحق على الدنيا).

(4)   الطبقات الكبرى، ابن سعد، الجزء ٤، ص ٩٣.

(5)   السيد عبد الصاحب الحكيم، من حياة المرجع السيد محسن الحكيم (قدس سره)، (كتاب سيرة يتناول تفاصيل حياته المعيشية والزهد في المأكل والمسكن).

(6)   يُرجع في سيرته إلى موقع مكتب سماحة السيد علي السيستاني (القسم الخاص بالسيرة الذاتية)، وكتاب المرجعية الدينية في النجف الأشرف للكاتب محمد حسين آل ياسين، الذي يوثق نمط معيشة مراجع النجف المعاصرين.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

أبرز دلالات تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خم

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم