حوارية (١٧١) "البصيرة في زمن الشاشات: كيف تزنُ "المرجعية" بميزان النبوة؟"

 


حوارية (١٧١) "البصيرة في زمن الشاشات: كيف تزنُ "المرجعية" بميزان النبوة؟"


 

السائل: 

في هذا الزمن المليء بالشاشات الإلكترونية يعلوا الضجيج في المنصات المختلفة، وأرى مَن ينتحلون صفة "المرجعية العامة" مستخدمين شعارات براقة كـ "نحن لا نقل عن غيرنا لماذا نحن خلف الركب دائماً ونرجع في أمور ديننا في خارج نطاق حدودنا الجغرافية وقد كانت منطقتنا زاخرة بالعلماء الربانين ووو.." فترفع راية المظلومية". فحين يسمع الشباب ذلك تتولد عنده حالة من الحماسة ينسجم مع هذه الدعاوى لأنها تلامس روح الأنا وتدغدغ مشاعر الأنانية في نفسه سؤالي لكم كيف لا نقع في فخاخهم ونحن نرى هذا البريق يخدع الكثير من الشباب؟

 

الجواب بسمه تعالى :

سؤالك يلمس الوجع في زمن "الانفجار المعرفي". الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط في الشبهات الخارجية، بل في "منتحلي العلم والفكر والثقافة " الذين ينتحلون صفة النخبة والتفكير خارج الصندوق يضعون لهم ألقاب موهومة دون مؤهلات حقيقية شهدت لها المؤسسات التعليمية المعروفة أو الحوزات العلمية المشهورة أمثال النجف الأشرف أو قم المقدسة.

ولتجاوز هذا الفخ الخطير، رسم لنا النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) ميزانًا نوعيًا دقيقاً لا يخطئ هدفه لصاحب البصيرة والوعي والتحقيق. 

يقول (ص): "لا تجلسوا إلا عند كل عالم يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الاخلاص، ومن الرغبة إلى الرهبة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الغش إلى النصيحة" [1]. هذا "الميزان الخماسي" هو مختبرك الأول الذي من خلاله تكشف المدعي من غيره.

 

السائل:

كيف نطبق هذا المختبر لنميز بين العالم والمدّعي؟

 

الجواب: تأمل معي:

يقول النبي الأعظم محمل صلى الله عليه وآله لا تجلس عند كل عالم إلا علم له هذه الصفات وهي:

١-يدعوك من الشك إلى اليقين: العالم الحقيقي يرسخ يقينك بالثوابت من الأصول والضروري ويحثك على كمال الإيمان، بينما "المدّعي" يشكك في نزاهة المرجعيات الراسخة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين والمذهب ليعزلك عنها ويربطك بمحورية ذاته وإنجازاته فقط. ثم يقول :

٢-من الرياء إلى الإخلاص: انظر لخطابه وتصريحاته وكتاباته ومواقفه وغيرها من شؤونه؛ هل فعلها يبتغي بها وجه الله سبحانه، أم يمارس الانتصار لهواه وتعظيم "الأنا" وتضخيم ذاته؟ على حساب تسقيط غيره والتشكيك لمن حوله وصدقهم. ثم يقول:

٣-من الرغبة إلى الرهبة: أنظر هل يغريك بمكاسب الدنيا وعناوين "المحلية" البراقة، أم يربط قلبك بخشية الله سبحان وعظم المسؤولية الشرعية المكلف بها في هذه الحياة التي تنجيك في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم؟ ثم يقول:

٤-من الكبر إلى التواضع: الكبر سمة الأدعياء الذين يسفهون جهود غيرهم ولا يحترمون ارثهم الذي أفنوا عمرهم فيه ليرفعوا وعي أمتهم من حولهم أو يهمش التاريخ الحافل من الإنجازات العلمية سواء في النجف أو قم وعلمائها، بينما التواضع سمة العلماء الذين يرون أنفسهم خداماً للدين فيكملون سيرة من سبقهم من التضحيات ليرفعوا راية التوحيد وفقه محمد وآله محمد في وعي الأمة وبصيرتها .ثم يقول :

٥-من الغش إلى النصيحة: الغشاش يداهن الجماهير بما تشتهيه أهوائهم وما تشتهيه رغباتهم فيكون حاله ما يطلبه المستمعون والمشاهدون، أما الناصح الأمين والعالم الورع الذي يصدقك في القول وإن كان مراً وصعباً على نفسك.

 

السائل:

أحياناً يطرح هؤلاء أنفسهم أنهم قادة التغيير والمرجعية ستكون لنا، ونحن كعامة لا نملك الأدوات العلمية لتقييم العلماء و "الأعلمية". فكيف السبيل للخروج من ذلك؟

 

الجواب:

إن الشريعة الإسلامية وضعت "أهل الخبرة" ميزاناً حاسماً. فهؤلاء ليسوا مجرد خطباء أو مثقفين أو ادباء، بل هم نخب علمية مارسوا الدرس والتدريس لسنوات طويلة يتميزون بـ:

1.  الاجتهاد أو مقاربة الاجتهاد: علماء بلغوا مراتب عليا في تدريس "البحث الخارج" درساً وتدريساً.

2.  الاختصاص والممارسة: يعيشون في قلب حواضر العلم في الحوزة العلمية، يحضرون الدروس ويطلعون على كل جديد في البحوث والدراسات والمناقشات العلمية [2].

3.  النزاهة والعدالة: يُعرفون بالعدالة، ولا يُعتمد رأي الفرد فيهم، بل شهادة "مجتهدَيْن عادِلَيْن" (بيّنة) أو "شياع" يفيد الاطمئنان. فإذا لم يكن اسمه متداولاً بين هؤلاء الأساتذة، فاعلم أنه منتحل مهما امتلك من طلاقة في لسانه أو جمالاً في بيانه أو كثرة اتباعه.

 

السائل:

يبدو أن الأمر أخطر مما نتصور، فكثيرون يتبعون هؤلاء بسبب العاطفة أو الشهرة أو تقليد دون وعي مسؤول.

 

 

الجواب :

 

تماماً، وهذا ما حذر منه أمير المؤمنين (ع) واصفاً من لا يمتلكون هذه المؤهلات بقوله: "وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا، مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ، غَارٌّ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ" [3]. فالمرجعية ليست منصباً يُطلب، بل تكليف يُعرف بصلاح الفعل؛ فالعالم الحقيقي هو من "صدق فعله قوله" [4].

 

السائل:

ما هي نصيحتك الأخيرة لشبابنا حتى لا نكون وقوداً لفتن "الأنا"؟

الجواب:

الدين بصيرة، والبصيرة أن ترى بنور الله سبحانه لا بنور الشاشات ولا أضواء المنصات ولا بمدح الغير المؤهلين. فالمرجعية الحقيقية -كمؤسسات النجف وقم العريقة- هي الشجرة الطيبة التي ضربت جذورها في التاريخ بدموع ودماء العلماء وعظيم تضحياتهم، وليست أعشاباً تنبت على ضفاف الفتنة لتجف عند أول اختبار. ابحث عمن يزيد وقارك إذا رأيته، ويزيد علمك إذا سمعته، ويزيد إيمانك إذا جالسته، ويزيدك علمك إذا عاشرته. تمسك بمن شابت لحاهم في بث العلم والصلاح في مجتمعهم ومن ترك علماً يحمل نور المعرفة من خلال دروسه أو تقريراته أو مؤلفاته التي ترفع ستار الجهل وتضيئ في العقول الفهم الصحيح المملوءة بقول "قال الله وقال رسوله وأهل بيته عليهم السلام "، واجعل بوصلتك في ذلك التقوى وسلك سبيل الاحتياط في دينك لا الحماس، والبرهان الصادق لا الرنين الزائف. كن واعياً لما يحاط حولك، ولا تسلم قياد روحك لمن يتقن فن سبك الكلمات أو الخطابة ويفتقر لجوهر التقوى التي حث عليها أهل البيت عليهم السلام.

والحمد لله رب العالمين

✍️ زاهر حسين العبد الله

 

المصادر والشواهد المعتبرة:

[1] مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ج٨، ص٣٢٧.

[2] مؤهلات المرجع وتشخيص أهل الخبرة: السيد اليزدي، العروة الوثقى، كتاب التقليد، مسألة (طرق إثبات الاجتهاد والأعلمية عبر البيّنة والشياع).

[3] جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، ج ١ ،ص ٣٢٨.

[4] صفة العالم الحقيقي: الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 5.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!