نبض كربلاء في قلوب الشباب؟

 


نبض كربلاء في قلوب الشباب؟

 

المقدمة: إثارة الشوق الواعي

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين.

أيها الأحبة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن نقف اليوم على أعتاب شهر محرم الحرام، هذا الشهر الذي تجتمع فيه القلوب والضمائر تحت راية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام). عن ابن سنان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: . نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى الحسين بن علي عليهما السلام وهو مقبل، فأجلسه في حجره «وقال: إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا، ثم قال عليه السلام بأبي قتيل كل عبرة، قيل: وما قتيل كل عبرة يا بن رسول الله؟ قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى».(١)

ولكن، لنتساءل سوياً كشباب: لماذا نتجدد كل عام مع  شهر محرم؟ وكيف نجعل هذا العام مختلفاً عن السنوات الماضية؟ كيف لا يقتصر تفاعلنا على الدمعة والعاطفة فحسب — على عظمتهما وأهميتهما — بل يمتد ليكون مشروعاً للتغيير الذاتي وبناء الوعي؟ إن الاستعداد الحقيقي لعاشوراء يكمن في ثلاثة محاور رئيسية، فلنتأملها معاً. 

 

المحور الأول: المعرفة والتمهيد الروحي

المحور الثاني: البرنامج العملي العبادي والمعرفي

المحور الثالث: البيئة الاجتماعية والتأمل السلوكي

 

 

المحور الأول: المعرفة والتمهيد الروحي

أيها الأحبة، إن استقبالنا لشهر محرم يحتاج أولاً إلى التعرف على الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لا كشخصية تاريخية نقرأ عنها فحسب، بل نتعرف عليه كمقام إلهي، وقدوة عليا، وإمام معصوم واجب الإتباع، ومنهج ينظم تفاصيل حياتنا. فإتباعنا للإمام الحسين (ع) ليس مجرد اندفاع عاطفي، بل هو امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى وللسنة النبوية الشريفة لما يحمل من ..

 

١-مقام الطهارة والعصمة: 

لقد جعل الله سبحانه الإمام الحسين (ع) في قمة الطهارة، حيث تروي في كتابنا المعتمدة ك (البحار ) للعلامة المجلسي . في نزول آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] في أصحاب الكساء ومنهم الإمام الحسين عليه السلام .

فقد ورد في الرواية عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بيتها على منامة لها، عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها حريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ادعي لي زوجك وابنيه حسنا وحسينا، فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قالت: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بفضل الكساء فغشيهم إياه ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا - قالها النبي ثلاث مرات - فأدخلت رأسي في الكساء فقلت: يا رسول الله وأنا معكم فقال: إنك إلى خير. (٢)

 

٢-وجوب المحبة والإتباع: 

المودة للإمام الحسين (ع) هي أجر الرسالة، حيث يذكر الشيخ المجلسي في (البحار) في تفسير آية المودة: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23] أن القربى هم أصحاب الكساء وهم  علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).

فعن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قلت: يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولدهما، ثلاث مرات يقولها.(٣)

 

٣-عظمة الاختيار الإلهي:

في آية المباهلة: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، يوثق الشيخ الريشهري  والشيخ علي بن إبراهيم في تفسيره، أن مصداق "أبنائنا" الذين خرج بهم النبي لمباهلة النصارى هما سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين (عليهما السلام).

فقد ورد في الرواية «دَعا رَسولُ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله عَلِيّاً وفاطِمَةَ وحَسَناً وحُسَيناً عليهم السّلام، فَقالَ: اللَّهُمَّ هؤُلاءِ أهلي».(٤)

 

 

٤- تصفية القلب من أوساخ الغفلة:

بما أن الإمام الحسين (ع) يمثل قمة الطهارة بنص القرآن الكريم، فإن الاستعداد له يتطلب منا تصفية القلوب من أوساخ الغفلة والذنوب، وتطهيرها من الأمراض النفسية كالغيرة، والأحقاد، والحسد، والظلم وغيرها. فالقلوب الطاهرة هي أوعية الدمعة الحسينية، والوعاء المتسخ لا يستقر فيه النور الإلهي في الروح. لذلك علينا أن نبدأ شهر محرم الحرام بحملة تصالح مع أنفسنا ومع الآخرين، ورد المظالم، والتوبة الصادقة.

 

المحور الثاني: البرنامج العملي العبادي والمعرفي

لكي ننقل هذا الوعي إلى واقع سلوكي، نضع لأنفسنا كشباب برنامجاً عملياً واضحاً طيلة أيام عاشوراء وذلك بما يلي :

١. المحافظة على الصلوات في وقتها:

الصلوات الخمس في أوقاتها هي المقياس الأول للارتباط بكربلاء. فالإمام الحسين (ع) أقام الصلاة وسجد لله تحت سهام الأعداء يوم العاشر؛ فلا يمكن لشاب حسيني أن يفرط في عمود الدين أو يتكاسل عنها بحجة التعب من العزاء.

 

٢. حضور المجالس الحسينية وتعظيم الشعائر:

نحرص على المواظبة اليومية على حضور مجالس العزاء بوقار وأدب، وأن نختار المجالس التي تغذي الدمعة والعبرة الواعية والراقية، تعظيماً لشعائر الله تعالى حيث في كتابه العزيز : «ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ». ففي كنزنا الحديثي الشيعي، في الإرشاد للشيخ المفيد قول رسول الله (ص): «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا،حسين سبط من الأسباط »(٥)؛ فحضورنا هو إعلان لهذا الحب والولاء.

 

٣. الغذاء الفكري والمذاكرة الحسينية:

وذلك بما يلي :

١-القراءة الهادفة:

 لنخصص وقتاً يومياً لقراءة رصينة، وأقترح عليكم في هذا العام قراءة كتاب (فاجعة الطف) للمرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)، لما يحويه من توثيق دقيق ورؤية تحليلية تبني الفكر.

٢-حلقات المذاكرة: 

ليكن جلوسنا بعد المجالس مع الإخوان والأصدقاء فرصة لمذاكرة المواضيع والمفاهيم المستفادة من سيرة الإمام الحسين (ع) وكيفية إسقاطها وتطبيقها على تفاصيل حياتنا المعاصرة.

 

المحور الثالث: البيئة الاجتماعية والتأمل السلوكي

١. الاقتران بالصحبة الصالحة (أصحاب عاشوراء):

الشاب يتأثر ببيئته؛ لذا من الضروري في هذا الشهر الاقتران بأصدقاء وإخوان يشجعون على الخير، ويحثون على حضور المجالس الحسينية، ويشدون على اليد التزاماً بالطاعة والابتعاد عن مجالس الغيبة واللغو.

 

٢. التأمل في مواقف الإمام الحسين (ع) وأصحابه:

علينا كشباب أن نتأمل بعمق في مواقف كربلاء؛ كيف ثبت الأصحاب؟ كيف تجسد الإيثار؟ وكيف واجهوا التحديات؟ لنأخذ من هذه المواقف العِبر والدروس العملية لترجمتها في حياتنا؛ في جامعاتنا، في وظائفنا، وفي برنا لآبائنا وأمهاتنا.

فنحن شباب الولاء والمحبة لأهل البيت عليهم السلام ،فرسول الله (ص) يقرر في الحديث الذي يرويه كتاب جامع أحاديث الشيعة : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». 

ورد عن النبي الأعظم محمد (ص) «أفضل الكلام قول لا إله إلا الله وأفضل الخلق أول من قال : لا إله إلا الله فقيل : يا رسول الله ومن أول من قال : لا إله إلا الله قال : أنا وأنا نور بين يدي الله جل جلاله أوحده وأسبحه وأكبره وأقدسه وأمجده ويتلوني نور شاهد منى فقيل : يا رسول الله : ومن الشاهد منك فقال : على ابن أبي طالب أخي وصفيي ووزيري وخليفتي ووصيي وامام أمتي وصاحب حوضي وحامل لوائي فقيل له : يا رسول الله فمن يتلوه فقال : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ثم الأئمة من ولد الحسين إلى يوم القيامة ».(٦)

وإذا كان الحسين سيداً لشباب الجنة، فإن معيار الشاب الناجح هو مدى اقتدائه بأخلاق هذا السيد العظيم وثباته. وفي خضم فتن العصر والافتتان بالدنيا، يذكر العلامة المجلسي في كتابه البحار  قول النبي (ص): «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ»(٧)، والحسين هو سفينة نجاتنا التي تعصمنا من الغرق في الغفلة.

 

 

الخاتمة: الموقف المؤثر (الحسين والشباب)

أيها الأحبة.. دعونا نختم حديثنا بموقف يهز الوجدان، يربط شبابنا اليوم بشباب كربلاء، موقف يجسد قمة الوعي، والشجاعة، والبر بالوالدين.

حينما أذن الإمام الحسين (ع) لولده وقرة عينه علي الأكبر (عليه السلام) بالبروز إلى القتال، لم يتردد هذا الشاب البصير بل قال لأبيه ليعطيه الطمأنينة: «يا أبتِ، أولسنا على الحق؟ قال: بلى والذي إليه مرجع العباد.. قال: إذن لا نبالي أوَقعنا على الموت أو وقع الموت علينا».(٨)

أي وعي هذا! وأي بصيرة يحملها هذا الشاب!

برز الأكبر إلى المعركة، فنظر إليه الحسين نظرة آيِـسٍ منه، وأرخي عينيه بالدموع، ورفع شيبته المقدسة نحو السماء وقال بكلام يفطر القلوب: «اللّهُمّ اشْهَدْ فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِرَسُولِكَ، وَكُنّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ»..

ثم صاح الحسين بقطع الرحم: «قَطَعَ اللهُ رَحِمَكَ يَا عُمَر بْن سَعْد كَمَا قَطَعْتَ رَحِمِي وَلَمْ تَحْفَظْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ الله»..(٩). 

 

ثم توجه الأكبر إلى الميدان قاتل قتال الأبطال، حتى أحاطوا به من كل جانب، فضربه اللعين على رأسه فخر صريعاً ونادى: «يا أبتاه عليك مني السلام، هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً»..

فجاء إليه الحسين مسرعاً، وانكب عليه، ووضع خده على خده وهو يقول بصوت حزين: «عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَا يَا وَلَدِي.. مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الرَّحْمَنِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ»...

 

بقلم : زاهر حسين العبد لله 

 

المصادر :

(1)               مستدرك الوسائل، الميرزا حسين النوري الطبرسي ،ج١٠، ص٣١٨ .

(2)               بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ، ج ٣٥ ، ص ٢٢٥. 

(3)               بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ، ج ٢٣ ، ص ٢٤٣. 

(4)             موسوعة الإمام الحسين عليه السلام في الكتاب والسنة والتاريخ ، محمد الريشهري،ج١ ،ص ٢٢٨.

(5)               الإرشاد، الشيخ المفيد، ج٢،ص١٢٧.

(6)               جامع أحاديث الشيعة، ج ١٥، السيد البروجردي، ص ٤٠٩.

(7)               بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٢٣، ص١٢٢.

(8)               لواعج الأشجان للسيد محسن الأمين ص98 .

(9)               علي الأكبر سليل الحسين (ع)، السيد محمد تقي المدرسي، ص ١٦

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم