حوارية (١٧٢)هل الذكاء وحده يكفي؟ الميزان الرضوي للعقل المكتمل.
حوارية (١٧٢)هل الذكاء وحده يكفي؟ الميزان الرضوي للعقل المكتمل.
الإمام الرضا (ع) يكشف مواصفات الإنسان العاقل
السائل:
نحن اليوم نسمع كثيرًا عن الذكاء، والنجاح، والمهارات، وتطوير الذات، لكن هل هذه الأمور وحدها تكفي ليكون الإنسان عاقلًا في ميزان أهل البيت (عليهم السلام)؟
الجواب: بسمه تعالى
سؤال مهم جدًا؛ لأن كثيرًا من الناس يخلطون بين الذكاء والعقل.
قد تجد إنسانًا ذكيًا في التجارة أو الدراسة أو الإدارة، لكنه ضعيف أخلاقيًا أو متكبرًا أو مؤذيًا للناس.
لذلك يقدّم لنا الإمام الرضا (عليه السلام) تعريفًا مختلفًا للعقل، فيقول:
لا يتمّ عقل امرئٍ حتى تكون فيه عشر خصال:-
**الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستقلّ كثير الخير من نفسه، ولا يسأم من طلب الحوائج إليه، ولا يملّ من طلب العلم طول دهره، والفقر في الله أحبّ إليه من الغنى، والذلّ في الله أحبّ إليه من العزّ، والخمول أشهى إليه من الشهرة والعَاشِرَةُ وَمَا العَاشِرَةُ! قِيلَ لَهُ: مَا هِيَ؟ قَالَ (ع): لا يَرَى أَحَداً إِلا قَالَ: هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَتْقَى . (١)
> «لا يتمّ عقل امرئٍ حتى تكون فيه عشر خصال...»
فالرواية لا تتحدث عن حجم المعلومات التي يحملها الإنسان، بل عن الشخصية التي يصنعها العقل الحقيقي.
السائل:
الرواية مثيرة الإهتمام بودي نقف على بيان مفرداتها كي نسقطها على جواب السؤال فما أول علامة على اكتمال العقل حسب الرواية المباركة؟
الجواب:
أن يكون الإنسان مصدر خير وأمان للآخرين.
يقول الإمام (ع):
«الخير منه مأمول، والشر منه مأمون».
فالعاقل إذا حضر ارتاح الناس له وأنسوا بوجوده، وإذا غاب افتقدوا خيره.
أما من يخاف الناس من لسانه أو تصرفاته أو أذاه، فهذه ليست علامة عقل مكتمل مهما بلغت شهاداته.
السائل:
وكيف ينظر العاقل إلى إحسان الآخرين وإلى أعماله هو حسب الرواية المباركة ؟
الجواب:
هنا يضع الإمام ميزانًا دقيقًا جدًا:
فيقول: «ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه».
إذا أحسن إليه أحد بشيء بسيط شكره وقدّره.
أما أعماله هو فلا يصاب بالعجب ولا الغرور، بل يرى نفسه بحاجة دائمة إلى مزيد من الطاعة والخدمة لله ولرسوله وأهل بيته عليهم السلام.
السائل:
بعض الشباب يتضايق إذا طلب الناس مساعدته باستمرار! فما علاج ذلك من الرواية المباركة؟
الجواب:
الإمام الرضا (ع) يرى الأمر بصورة مختلفة إذا كان محط سؤال للناس وخدمتهم .
فالعاقل:
بقوله ( ع) «لا يسأم من طلب الحوائج إليه».
لأنه يعتبر حاجة الناس إليه فرصة لخدمة عباد الله سبحانه، لا عبئًا يهرب منه.
كلما استطاع أن ينفع أحدًا شعر أن الله قد فتح له بابًا من أبواب الخير.
السائل:
وهل للعلم مكانة خاصة في هذه الرواية المباركة؟
الجواب: بالتأكيد.
الإمام (ع) يقول:
«ولا يمل من طلب العلم طول دهره».
العاقل لا يتوقف عن التعلم. فالشهادة ليست نهاية الطريق، بل بداية رحلة جديدة.
ولهذا ترى أصحاب العقول الكبيرة أكثر الناس تواضعًا أمام المعرفة.
السائل:
الرواية تتحدث أيضًا عن الفقر والذل والخمول، فكيف نفهم ذلك؟
الجواب:
الإمام لا يدعو إلى الفقر أو المهانة لذاتها.
بل يريد أن يرسّخ مبدأ مهمًا: أن رضا الله أهم من المكاسب الدنيوية. فإذا كان المال لا يُنال إلا بالحرام، فضياعه خير. وإذا كانت الشهرة تُفسد الإخلاص، فالابتعاد عنها أفضل.
وإذا كان التواضع للحق يُفسَّر عند البعض ضعفًا، فهو أشرف من كبرياء الباطل.
لذلك يقول (ع):
«الفقر في الله أحب إليه من الغنى، والذل في الله أحب إليه من العز، والخمول أشهى إليه من الشهرة».
السائل:
وما هي الخصلة العاشرة التي جعل الإمام (ع)لها هذا التأكيد الخاص؟
الجواب:
هنا نصل إلى قمة البناء الأخلاقي.
قال الإمام (ع):
«لا يرى أحدًا إلا قال: هو خير مني وأتقى».
ليس المقصود احتقار النفس أو إلغاء الشخصية، بل القضاء على الكبر.
فالمؤمن لا ينشغل بمقارنة نفسه بالناس، ولا يرى نفسه فوق الآخرين. بل يحسن الظن بهم، ويخاف على نفسه من التقصير.
وهذه النظرة تطهر القلب من الحسد والعجب والتعالي على الآخرين.
السائل:
لو أردنا أن نلخص الرواية بكلمة واحدة، فماذا نقول؟
الجواب: نقول:
إن العقل في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليس قوة التفكير فقط، بل قوة الأخلاق والتواضع والخدمة والإخلاص.
فكلما ازداد الإنسان قربًا من هذه الصفات، ازداد عقله كمالًا، حتى يصبح خيره مأمولًا، وشره مأمونًا، وقلبه متواضعًا لله سبحانه ولعباده.
السائل :
شكر الله سعيكم
الجواب :
واشكر الله فضلكم والحمد لله رب العالمين.
✍️ بقلم: زاهر حسين العبد الله
المصادر
(١) موسوعة أحاديث أهل البيت ع - الشيخ هادي النجفي -ص٣٧٥ .

تعليقات
إرسال تعليق