✍️ هل أفعال الله تعالى معلَّلة بالغايات والأغراض؟

 


✍️ هل أفعال الله تعالى معلَّلة بالغايات والأغراض؟

لسماحة الشيخ محمد العبيدان حفظه الله

✍️ تقرير : زاهر حسين العبد الله 

بدأ سماحة الشيخ محمد العبيدان محاضرته باستكمال البحث الذي شرع فيه في الليلة السابقة حول أفعال الله تعالى، متناولًا مسألةً كلاميةً دقيقة، وهي: هل إن أفعال الله سبحانه وتعالى معلَّلة بالغايات والأغراض، أم أنها تصدر من دون غاية أو علة؟

وفي سبيل توضيح محل النزاع، تناول الشيخ عددًا من المفاهيم المفتاحية، كالتعبّد والتعليل والغرض، موضحًا أن المقصود بالتعبّد هو الأحكام التي جعلها الله تعالى من دون أن نعلم عللها التفصيلية، وضرب لذلك أمثلة من أحكام الوضوء.

ثم انتقل إلى عرض الاتجاهات الكلامية في المسألة،

 فبيّن أن هناك اتجاهين رئيسين:


الأول: اتجاه الأشاعرة، 

الذين نفوا أن تكون لأفعال الله تعالى غايات وأغراض، مستندين إلى أن الفاعل الذي يقصد غايةً إنما يسعى إلى استكمال نقصٍ فيه، والله سبحانه منزّه عن كل نقص.

والثاني: اتجاه المعتزلة،

 وتبعهم عدد من علماء الإمامية، كالشيخ الطوسي والعلامة الحلي، حيث أثبتوا وجود الغايات والأغراض في أفعال الله تعالى، إلا أنهم اعتبروا أن المنافع المترتبة على تلك الأفعال تعود إلى المخلوقات لا إلى الله سبحانه وتعالى.

وعمد الشيخ إلى مناقشة أدلة الاتجاه الأول، مبينًا أن نفي الغايات عن أفعال الله تعالى يؤدي إلى نسبة العبث واللعب إلى أفعاله، وهو ما ينفيه القرآن الكريم في آيات متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين﴾، وقوله سبحانه: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾.

كما ناقش الاتجاه الثاني، موضحًا أن إرجاع الغايات إلى المخلوقات وحدها يفضي إلى إشكالات فلسفية، من أبرزها توقف فاعلية الله تعالى على وجود المخلوقات، وهو أمر لا يمكن الالتزام به.

ثم عرض سماحته الرأي الذي رجحه، مستندًا بصورة أساسية إلى ما قرره العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، ومفاده أن أفعال الله تعالى معللة بالغايات، إلا أن الغاية الحقيقية لأفعاله هي ذاته المقدسة؛ لأن الله سبحانه يحب ذاته، وحبه لذاته يستلزم حبَّ آثار ذاته، ومنها عالم الوجود بأسره. أما المصالح والمنافع التي تعود إلى المخلوقات فهي ليست مقصودة بالذات، وإنما تتحقق تبعًا وبالعرض.

كما تناول الشيخ معنى قوله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون﴾، موضحًا أن عدم السؤال عن أفعال الله تعالى لا يعني نفي الحكمة عنها، بل لأن الله مالكٌ للوجود ملكيةً حقيقيةً مطلقة، وأفعاله في نفسها مشتملة على المصلحة والحكمة، فلا يصدر عنه إلا ما ينسجم مع كماله وجماله وعدله.

وخرج سماحته في ختام المحاضرة إلى نتيجة مفادها

 أن أفعال الله سبحانه وتعالى ليست عبثية ولا خالية من الغايات، كما أنها ليست صادرة بدافع استكمال نقصٍ أو جلب منفعة له تعالى، بل إن الغاية الحقيقية لأفعاله هي محبته لذاته المقدسة، وما يترتب على تلك الأفعال من مصالح للمخلوقات إنما هو من الحكم والآثار التابعة لأفعاله الحكيمة، لا من الأغراض المقصودة بالذات.

✍️ تقرير : زاهر حسين العبد الله 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!