حوارية (١٧٣) هل يولد الإنسان هكذا... أم تُسرق فطرته مع الزمن؟


 

حوارية (١٧٣) هل يولد الإنسان هكذا... أم تُسرق فطرته مع الزمن؟

 

السائل:
نحن نؤمن أن الله تعالى خلق الإنسان على فطرة سليمة، لكننا نرى اليوم أشخاصاً يشعرون بأن جنسهم النفسي لا ينسجم مع جنسهم البيولوجي، حتى يصل بعضهم إلى قناعة راسخة بأنه ينتمي إلى الجنس الآخر.

فهل يُعدّ هذا الشعور انحرافاً فطرياً أصيلاً وُلد مع الإنسان، أم أنه حالة طارئة نشأت نتيجة عوامل نفسية وبيئية أثّرت في فطرته وشوّهت إدراكه لهويته الحقيقية؟ وإذا كان ناتجاً عن تراكمات مكتسبة، فكيف تنظر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الحالة؟ وما هي سبل علاج هذا الاضطراب الروحي والنفسي واستعادة الفطرة؟

 

الشاب:
هذا السؤال يطرحه كثير من الشباب اليوم، خصوصاً مع كثافة الخطاب الإعلامي والثقافي الذي يكرر أن الإنسان قد يولد بجسدٍ معيّن لكنه في الحقيقة ينتمي إلى جنس آخر. ومع تكرار هذه الرسائل يصبح من الصعب على البعض التمييز بين ما هو فطري أصيل وما هو شعور مكتسب أو متولد من ظروف نفسية واجتماعية معقدة.

فكيف نفهم هذه القضية في ضوء الرؤية العقدية والتربوية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؟

 

 

 

الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم.

يمسّ هذا التساؤل عصب الرؤية العقدية والتربوية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنه يبحث في كيفية التعامل مع ما يمكن تسميته بـ"تلوث الفطرة الحادث". فالإنسان قد يصل عبر المؤثرات الخارجية إلى مرحلة من الاغتراب النفسي تُسمّى في النصوص الشريفة بـ"انقلاب البصيرة" أو "رين القلوب"، بحيث يرى الباطل حقاً والحق باطلاً.

ولفهم هذه الظاهرة لا بد من الوقوف عند توصيفها أولاً، ثم بيان منهج علاجها.

أولاً: التوصيف المعرفي (كيف يحدث الانحراف الفطري؟)

الشاب:
هل معنى ذلك أن الفطرة نفسها قد تكون منحرفة منذ الولادة؟

الأستاذ:
لا، الفطرة الأصيلة هي السلامة النفسية الموصولة إلى التوحيد الخالص لله سبحانه إذا لم تلوثها عوامل أخرى؛ ولذلك فسر الإمام الصادق (عليه السلام) قوله تعالى:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] بقوله:«فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ» (١).

 

السائل:
فإذا كانت الفطرة سليمة بالأصل، فمن أين يأتي هذا الاضطراب؟

 

الأستاذ:
من المؤثرات التي تتراكم على النفس شيئاً فشيئاً. فالإنسان قد يتعرض لمزيج من المؤثرات البيئية والثقافية والنفسية والشيطانية التي تلبّس عليه الحقائق.

وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه العملية بدقة حين قال:

«وَإِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ... وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ» (٢).

وهذا المزج بين الحق والباطل، مع التكرار الإعلامي والنفسي المستمر، قد يصنع وهماً قوياً يصل بصاحبه إلى قناعة تامة بأن جنسه ليس جنسه الذي خلق عليه.

وهو داخل في عموم قوله تعالى على لسان إبليس:

{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّـهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّـهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً} [النساء: 119]. ومن مصاديق ذلك التغيير الباطني للفطرة السوية.

 

ثانياً: خطوات "الطب الروحي" وعلاج النفس

الشاب:
إذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فهل يمكن علاجه؟

الأستاذ:
نعم، ويؤكد علماء السلوك والأخلاق - كالمحقق النراقي في جامع السعادات والإمام الخميني في الأربعون حديثاً بحسب ما يُفهم من كلماتهم - أن علاج الانحراف المستحكم يحتاج إلى جهاد مركب عبر أربع خطوات:

١- إثارة دفائن العقول (الصدمة المعرفية)

 

السائل:
وما المقصود بذلك؟

 

الأستاذ:
المريض يعيش تحت تأثير وهمٍ مُقنع، ولذلك يبدأ العلاج بتفكيك الشبهات الثقافية والبيئية وإرجاعه إلى البديهيات الجسدية والروحية التي خلقه الله عليها.

وهذا هو أحد أهداف بعثة الأنبياء كما ورد في نهج البلاغة:

«... فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول...» (٣).

والمقصود من ميثاق الفطرة: ما أودعه الله تعالى في الإنسان من العقول والمعارف التي تهديه إلى النهج القويم.

٢- تطهير المنافذ (علاج الرين بالتخلية)

 

الشاب:
وهل للمعاصي أثر في تشويه الإدراك؟

 

الأستاذ:
بلا شك. فالقناعات المنحرفة كثيراً ما تتغذى عبر منافذ السمع والبصر وسائر المؤثرات النفسية.

يقول الإمام الباقر (عليه السلام):

«مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ... حَتَّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ، فَإِذَا غَطَّى الْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً» (٤).

ومن هنا يكون العلاج بالتخلية، أي قطع كل البيئات والمنصات والمؤثرات التي تغذي هذا الوهم وتثبّته في النفس.

 

٣- رياضة النفس بالمضادة (قهر السلوك)

 

السائل:
وماذا بعد إزالة المؤثرات؟

 

الأستاذ:
يأتي دور إعادة بناء السلوك؛ لأن المرض الروحي يعالج بضده.

فمن يتوهم أن جنسه غير جنسه الحقيقي، يحتاج إلى برنامج سلوكي عملي يرسخ ممارسة أدوار جنسه الواقعي الذي خلقه الله عليه، وإن وجد في نفسه نفوراً من ذلك؛ لأن الظاهر يؤثر في الباطن.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ» (٥).

 

٤- الاضطرار الدعائي (الاستمداد الغيبي)

الشاب:
وهل تكفي الوسائل النفسية والسلوكية وحدها؟

 

الأستاذ:
لا، فحين تصبح الهوية المتخيلة جزءاً من قناعة الإنسان العميقة، فإن العلاج يحتاج إلى مدد إلهي إلى جانب الجهد البشري.

ولهذا كان الالتجاء إلى الله تعالى من أهم أبواب العلاج.

ومن ذلك "دعاء الغريق" الذي أوصى به الإمام الصادق (عليه السلام):«يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٦).والدين هنا هو الفطرة والنظام الإلهي الذي خلق الإنسان عليه.

 

ثالثاً: كلمة مضيئة لعلماء العصر

السائل:
هل نجد عند علماء العصر ما يؤكد هذا المعنى؟

 

الأستاذ:
نعم، فقد بيّن العلامة الطباطبائي هذه الحقيقة بوضوح حين قال:

"فللإنسان فطرة خاصة تهديه إلی سنة خاصة في الحياة و سبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة... وليس الإنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعاً واحداً لا يختلف ما ينفعه وما يضره بالنظر إلى هذه البنية المؤلفة من روح وبدن... فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه إليها هاد واحد ثابت.

وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة، ولذلك عقب قوله: «فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» بقوله: «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ»." (٧)

 

الخلاصة

الشاب:
إذا أردنا تلخيص المنهج العلاجي في كلمات قليلة، فبماذا نعبّر؟

 

الأستاذ:
يمكن تلخيصه في ثلاثة أركان متزامنة:

• عزل تام عن البيئة الرقمية والواقعية التي تغذي الوهم.

• إجبار سلوكي منظم على ممارسة الهوية البيولوجية الحقيقية حتى تطوع النفس وتستعيد انسجامها.

• التجاء عبادي دائم لتطهير القلب واستعادة البصيرة.

فالفطرة في أصل خلقها لا تتبدل، لكن قد تُحجب وتُشوَّه بفعل المؤثرات المتراكمة، ويكون طريق العلاج هو إزالة الحجب والعودة إلى ما أودعه الله تعالى في الإنسان من هداية وفطرة سليمة.

والحمد لله رب العالمين.

✍️ زاهر حسين العبد الله

المصادر:

(١) الكافي، الشيخ الكليني، ج٢، ص١٢.

(٢) الكافي، الشيخ الكليني، ج٨، ص٨٢.

(٣) نهج البلاغة، علي دخيل، ج١، ص٣٧.

(٤) الكافي، الشيخ الكليني، ج٢، ص٢٧٣.

(٥) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج١٥، ص٢٦٨.

(٦) ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج١، ص١٨١.

(٧) الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، ج١٦، تفسير الآية ٣٠ من سورة الروم.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم