ما هي نظرتنا إلى الله - نظرة الرعب أم الحب؟

 

ما هي نظرتنا إلى الله - نظرة الرعب أم الحب؟

المحاضر: السيد منير الخباز حفظه الله 

بقلم : زاهر حسين العبد الله 



ابتدأ سماحة السيد منير الخباز (حفظه الله) محاضرته بافتتاحية إيمانية شجية بذكر الإمام الحسين (ع) والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آل بيته المنتجبين، ثم استفتح بالآية القرآنية المباركة من سورة الحجر: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.

ثم انطلق سماحته لطرح الإشكالية الكبرى التي يعيشها الجيل الجديد من الأبناء والبنات حول "الصورة الذهنية للخالق": هل ينظرون إلى الله كإله رعب يترصد العباد بالعقوبة، أم رب رحيم شفيق يتعامل باللطف؟ وأوضح أن سلوك الإنسان يتشكل تبعاً لهذه الصورة؛ فالنظرة الأحادية القائمة على الرعب تقود العاصي لجلد الذات ثم اليأس والقنوط فارتداد، بينما النظرة الأحادية القائمة على الرحمة المجردة من الحساب تنشئ روح التمرد والجرأة على المعاصي.

وتناول سماحته المحاضرة مستفيضاً عبر المحاور التالية:


المحور الأول: نظرة المجتمع الإيماني إلى ممارس المعصية

في هذا المحور، وضع سماحته اليد على جرح اجتماعي، وهو وجود فئة من المؤمنين المتدينين الذين يحافظون على الصلاة والصيام والعبادات، لكنهم في الوقت ذاته يبتلون ببعض المعاصي ولا يتركونها؛ كعلاقات الجنس الآخر، أو سماع الأغاني، أو ترك بعض النساء للحجاب، أو وقوع بعض المصلين في الغيبة والنميمة. وبين أن هذا الإنسان يعيش صراعاً داخلياً مستمراً بين نزعة الإيمان والضعف البشري، وبين التوبة والشهوة.

ثم استعرض السيد المواقف الاجتماعية الثلاثة تجاه هذا الصنف:

1. موقف الإقصاء: وتتبناه فئة تصم هذا العاصي بـ"النفاق" وتطبق عليه آيات النفاق كقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾، مطالبين بإخراجه من حظيرة المتدينين.

2. موقف الاحتواء: وهو الموقف المستوعب الذي يرى ضرورة احتضان العاصي ما دام في الخط العام للتدين لعله يهتدي يوماً، مستدلاً بآيات الاحتضان الإلهي كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا...﴾، وقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. فلا يجوز اختزال شخصية الإنسان في معصية واحدة وله كثير من الطاعات.

3. موقف التبرير: وهو طرح لبعض الكتاب يرى أن الالتزام الكلي حِكرٌ على الأولياء، أما عامة الناس فمن الطبيعي أن يذنبوا. وحمّل هذا الاتجاه المسؤولية لـ"الخطاب الديني" (المنبري والمساجدي) الذي يركز على سكرات الموت، وعذاب القبر، وأهوال البرزخ، وسرابيل القطران، مما يقدم صورة مشوهة ومنفرة عن الله سبحانه الذي قدم نفسه بالرحمة ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وبدأ كتابه بـ"بسم الله الرحمن الرحيم".

وعقّب سماحته بأن الإقصاء والتبرير يمثلان حالة من الإفراط والتفريط؛ فالإقصاء يشوه الدين، والتبرير يحول آيات العذاب إلى أداة تسويغ بدل أن تكون أداة تنبيه وتحذير.


المحور الثاني: خطر الازدواجية والفرق بين المفاهيم

انتقل سماحته إلى تفكيك هذه الحالة سلوكياً وعقائدياً عبر مفردتين أساسيتين:

الأولى (الفرق بين المؤمن والفاسق): أوضح فيها أن الإيمان لا يعني العصمة أو "دوام الطاعة"، بل يعني "دوام الرجوع إلى الله سبحانه "؛ فالمؤمن يذنب ويسقط تحت ضغط الشهوة لكنه يتأذى ويندم فوراً، مستشهداً بقول أمير المؤمنين (ع): "كفى بالندم توبة". وعزز ذلك بالحديث الشريف: "المؤمن مفتن تواب"* (أي تأسره الغريزة حيناً لبعض الإثارات لكنه يرجع باكياً ومتحسراً)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. أما الفاسق فهو الذي يذنب دون اكتراث أو مبالاة، وهو ما حذر منه أمير المؤمنين علي (ع): "أشد الذنوب ما استهان به صاحبه". والنبي (ص): "ما يزال العبد يذنب حتى تخرج في قلبه نكتة سوداء... حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً".

الثانية (النفاق العقدي والسلوكي): ميز فيه بين النفاق العقدي (إبطان الكفر وإظهار الإيمان)، وبين النفاق السلوكي (الازدواجية)؛ وهو أن يعيش الإنسان شخصيتين (تقي مصلٍّ في المسجد، ومستمع للأغاني أو آكل للربا في خلوته دون أدنى مشكلة داخلية). وأكد السيد أن النفاق السلوكي لا يقل خطورة عن العقدي؛ لأنه يسقط واقعية الدين في نظر المجتمع ويفسد الصورة الصافية للمتدينين وينفر الناس.


المحور الثالث: الله تبارك وتعالى مجمع الجلال والجمال

عرج سماحته بعد ذلك على الجانب العقدي الكلامي، موضحاً أن الله هو مجمع الجلال والجمال ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وفصّل في صفات الله كالتالي:

صفات الذات: (العلم، القدرة، الحياة) وهي عين ذاته تبارك وتعالى وليست زائدة عليها، متحدة مصداقاً ومختلفة مفهوماً.

صفات الأفعال: (كالرزق، الإحياء، الإماتة، الخلق). وهنا استعرض اتجاهين في علم الكلام:

o الاتجاه الأول: يرى أن لله فعلين؛ فعل جلال (جبار، متكبر، شديد العقاب) وفعل جمال (كريم، غفور، رحيم، ودود)، وبما أنه حكيم يضع كل فعل في موضعه المناسب، كما نقرأ في دعاء الافتتاح: "أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة".

o الاتجاه الثاني: يرى أن جميع أفعاله حقيقة واحدة تنبع من "الرحمة"، فهو جميل في عين جلاله، وجليل في عين جماله.

وضرب سماحته أمثلة رائعة من الواقع: فالفقر والمرض وفقد الأحبة ظاهرها "جلال" وباطنها "جمال" ليرتفع الإنسان مرتبة بتفويض أمره لله ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وعلى العكس، فإن الغنى والصحة والنعمة ظاهرها "جمال" وباطنها "جلال" لأنها تضع الإنسان أمام مسؤولية شكر النعمة خطيرة.

واستشهد برواية الإمام الصادق (ع): "أجر الطاعم الشاكر كأجر الصائم المحتسب، والمعافى الشاكر كأجر المبتلى الصابر...". كما روى قصة دخول أمير المؤمنين (ع) لدار العلاء بن زياد الواسعة الفخمة وقوله له: "ما تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها أحوج في الآخرة؟... تستطيع أن تبلغ بها الآخرة؛ تقري بها الضيف، وتصل بها الرحم، وتطلع فيها الحقوق...".

وخلص السيد إلى أن المؤمن يجب أن يطير متوازناً بجناحين: جناح الخوف وجناح الحب والرجاء، كما في مناجيات الإمام زين العابدين (ع)؛ ففي مناجاة الخائفين يستشعر الهيبة، وفي مناجاة المحبين يستشعر القرب وحلاوة المحبة.


الخاتمة :


ثم ختم سماحته محاضرته بتجسيد صفات الجلال والجمال الإلهي في مظهرها الأرضي الأسمى: سيرة الإمام الحسين (ع). فبيّن كيف تجلى "جمال الإمام الحسين(ع)" ليلة العاشر من المحرم في العبادة والصلاة والتبتل والنحيب بين يدي الله، بينما تجلى "جلال الإمام الحسين (ع)" يوم العاشر في وقفة الصمود البطولية والإباء والتحدي وهو يطلق صرخته المدوية: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة!". وكيف كان وجهه يشرق كلما اشتد عليه البلاء.

ثم ساق سماحته بأسلوبه الخطابي المؤثر مجلس النعي والمصيبة؛ مستحضراً مسير الإمام الحسين عليه السلام مع الطرماح وهو يرتجز "يا ناقتي لا تذعري من زجري"، ثم وصوله إلى أرض الطف، وكيف وقف جواده تلو الجواد حتى سأل عن اسم الأرض وقيل له "كربلاء"، فتنفس الصعداء وقال: "انزلوا ها هنا محط رحالنا، وها هنا تقتل رجالنا وتذبح أطفالنا...". وعاش الجمهور معه أوج المصيبة باستذكار حصار الخيم ... والحمد لله رب العالمين . 


بقلم: زاهر حسين العبد الله


تعليقات

  1. حفظك الله ورعاك وحفظ الله جميع خطباء الحسين لا سيما سماحة السيد منير الخباز دام الله عطاوه..

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!

حوارية ( ١٥٥) بناتنا والانفتاح الموهوم