هل يمكن للنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون قدوة حضارية للبشرية في عصرنا الحاضر؟
✍️ تقرير : زاهر حسين العبدالله
في الليلة السابعة من شهر المحرم الحرام لعام 1448هـ، ألقى سماحة السيد منير الخباز حفظه الله محاضرته الفكرية الموسومة بـ «هل يمكن للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون قدوة حضارية للبشرية في عصرنا الحاضر؟»، مستلهماً قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
(سورة الأحزاب: 21).
واستهل سماحته حديثه بطرح إشكالية فكرية معاصرة مفادها: هل يمكن للإنسان المعاصر، الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين وسط تحولات علمية وثقافية واقتصادية هائلة، أن يتخذ من شخصية عاشت قبل أكثر من أربعة عشر قرناً قدوة حضارية له؟ وهل إن اختلاف الزمان والثقافة بين عصر الرسالة والعصر الحديث يمنع من كون النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم نموذجاً صالحاً للبشرية اليوم؟
كما تساءل سماحته عن الفرق بين القدوة السلوكية التي يقتدي بها الإنسان في أخلاقه الفردية، وبين القدوة الحضارية التي تستطيع أن تقدم للبشرية رؤية متكاملة لبناء المجتمع والدولة والحضارة.
وللإجابة عن هذه التساؤلات تناول المحاضرة من خلال ثلاثة محاور رئيسية.
المحور الأول: الفرق بين القيم الحضارية الثابتة والوسائل الحضارية المتغيرة
رأى السيد منير الخباز- حفظه الله - أن الإجابة عن السؤال الرئيس تقتضي أولاً تحديد العناصر التي تجعل من شخصية ما قدوة حضارية.
وذكر أن عناصر القدوة الحضارية أربعة:
أولاً: العنصر العلمي والمعرفي
وأشار إلى أن بعض الشخصيات الإنسانية اكتسبت صفة الريادة الحضارية من خلال إسهاماتها العلمية.
فضرب مثالاً بالمخترع الأمريكي توماس إديسون الذي ارتبط اسمه باختراع المصباح الكهربائي، كما أشار إلى العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين الذي أسس النظرية النسبية، فضلاً عن المفكرين الذين قدموا نظريات في علم النفس والاجتماع والإدارة.
ثم طرح السؤال:
ماذا قدم النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله على مستوى المعرفة الإنسانية؟
هل اخترع للبشرية شيئاً؟ هل اكتشف قانوناً في الفيزياء؟ هل تحدث عن الذرة أو الفلك؟
هل وضع هيكلية للعلوم الإنسانية؟
ثانياً: العنصر الحقوقي
وبيّن أن الحضارة لا تقوم على العلم وحده، بل تحتاج إلى منظومة تحفظ الكرامة الإنسانية، وتحقق العدالة والمساواة، وتصون حقوق الفئات المستضعفة.
ومن هنا تساءل:
ماذا قدم النبي محمد صلى الله عليه وآله في مجال حقوق الإنسان؟ وما الذي قدمه في مجال حقوق المرأة؟
وهل تنسجم رؤيته الحقوقية مع لوائح حقوق الإنسان المعاصرة؟
ثالثاً: العنصر الاقتصادي
أوضح سماحته أن الاقتصاد يمثل عنصراً رئيسياً في بناء الحضارات، لأنه يتصل بحركة الأسواق، وتنظيم وسائل الإنتاج، وتوزيع الثروة.
ولذلك تساءل:
ماذا قدم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في المجال الاقتصادي؟ وهل وضع نظاماً اقتصادياً يحقق التوازن والرفاه الاجتماعي؟
رابعاً: العنصر الاجتماعي
رابعاً : العنصر الاجتماعي، موضحاً أن الحضارة تحتاج إلى فلسفة للحياة الاجتماعية تحافظ على تماسك الأسرة، وتدعم العلاقات الإنسانية.
ومن هنا طرح السؤال:
ما الذي قدمه النبي الأعظم محمد صلى الله وآله على مستوى حقوق الأسرة؟
وما الذي قدمه بشأن حقوق الجيران والأرحام؟
وهل ما قدمه ينسجم مع القرن الحادي والعشرين أم أنه كان صالحاً فقط للمجتمع العربي في القرن السابع الميلادي؟
منشأ الإشكال
يرى السيد منير الخباز – حفظه الله - أن منشأ الإشكال هو النظر إلى الحضارة من زاوية الوسائل المادية فقط، وإغفال التمييز بين القيم الحضارية الثابتة وبين الوسائل الحضارية المتغيرة.
فالقيم الحضارية ـ بحسب تعبيره ـ تبقى ثابتة لا تتغير، بينما تختلف الوسائل والآليات بحسب الزمان والمكان والثقافة.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(سورة هود: 61).
وأوضح أن كلمة «استعمركم» تعني أن الله طلب من الإنسان إعمار الأرض وبناء الحضارة فيها.
وهذه القيمة ـ أي إعمار الأرض ـ قيمة ثابتة، تشكل أحد أهداف الوجود الإنساني، لأنها تدعو إلى التفاعل مع ثروات الأرض واكتشاف كنوزها وتسخيرها في سبيل تحقيق حياة آمنة ومرفهة للبشر.
أما الوسائل التي تحقق هذا الإعمار، فإنها تتغير من حضارة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى مجتمع، ومن زمن إلى زمن.
فوسائل إعمار الأرض في القرن الأول الهجري تختلف عن وسائل إعمارها في القرن الحادي والعشرين، كما أن أدوات البناء والإنتاج في المجتمعات الصناعية تختلف عن أدوات المجتمعات الزراعية.
ومن هنا أكد سماحته أنه لا يصح أن نحاكم النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله على أساس الوسائل المتغيرة، لأنه لم يُبعث ليعلم الناس تفاصيل التكنولوجيا الحديثة، وإنما جاء ليؤسس منظومة القيم الثابتة التي تضبط حركة الإنسان في مختلف العصور.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس:
ماذا اخترع النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله؟
بل السؤال الصحيح هو:
ما هي المبادئ والقيم التي وضعها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله بحيث تستطيع الحضارات المتعاقبة أن تستلهمها مهما تطورت وسائلها؟
المحور الثاني: ركائز الحضارة وأسسها – وموقع النبي الأعظم(ص)
بعد أن ميّز سماحة السيد منير الخباز -حفظه الله -بين القيم الحضارية الثابتة والوسائل الحضارية المتغيرة، انتقل إلى معالجة سؤالٍ يُثار كثيراً في الحوارات الفكرية المعاصرة، ولا سيما في بعض الحوارات الإسلامية المسيحية، وهو:
ماذا قدم النبي محمد الأعظم محمد (ص) للمجتمع البشري حتى يكون قدوة حضارية؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، عرض سماحته بيانين: بياناً عاماً يشمل جميع الأنبياء والرسالات السماوية، وبياناً خاصاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أولاً: البيان العام – ماذا قدمت السماء للحضارة الإنسانية؟
أكد السيد منير الخباز -حفظه الله- أن هذا الإشكال لا يختص بالنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وحده، بل يمكن توجيهه إلى جميع الأنبياء والكتب السماوية، إذ قد يقال:
ماذا قدمت السماء للبشرية في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة؟
وللإجابة عن ذلك، فرّق سماحته بين ركائز الحضارة وأسس الحضارة.
أ- ركائز الحضارة
ورأى أن للحضارة ثلاث ركائز أساسية:
- الاقتصاد -التكنولوجيا -النظام الحقوقي.
وهذه الركائز تمثل الجانب المادي والتنظيمي للحضارة، وهي قابلة للنمو والتطور على يد الإنسان.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل تستطيع هذه الركائز أن تنتج حضارة عادلة وإنسانية ما لم تستند إلى أسس فكرية وأخلاقية سابقة عليها؟
ويجيب السيد منير الخباز -حفظه الله - بالنفي. وبيان ذلك أن :
ب- أسس الحضارة
ويرى أن الرسالات السماوية جاءت لتأسيس أربع دعائم كبرى للحضارة الإنسانية.
١-هدفية الحياة
أوضح سماحته أن الحضارة لا يمكن أن تُبنى ما لم يحدد الإنسان أولاً الغاية من وجوده.
هل الحياة مجرد عبثٍ ولعبٍ وتراكم للمكاسب المادية؟ أم أن لها هدفاً ورسالة؟
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾(سورة الدخان: 38)
وقوله تعالى:﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(سورة الدخان: 39)
ومن هنا، فإن بناء الحضارة يتوقف على معرفة الإنسان لماذا خُلق، وإلى أين يتجه، وما الغاية التي ينبغي أن يسعى إليها.
٢- تحديد المحورية
ثم طرح السيد سؤالاً آخر:لمن الأصالة والمحورية في الوجود؟ وهل الإنسان هو المركز المطلق الذي يشرع القوانين ويحدد القيم وفق أهوائه؟ أم أن هناك مرجعية أعلى تتمثل في الله تعالى؟
واستشهد بقوله تعالى:﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(سورة البقرة: 30)
وأوضح أن الإنسان إذا كان خليفة لله في الأرض، فإن مهمته ليست إنشاء منظومة قيمية مستقلة عن الخالق، وإنما ممارسة دوره في إطار القيم التي أرادها الله سبحانه وتعالى.
ولذلك فإن النظام الحقوقي الحقيقي لا يستمد مشروعيته من الإنسان المحدود، وإنما من الخالق العليم بحقيقة الإنسان واحتياجاته.
٣-بناء القيم الإنسانية
أكد السيد الخباز أن التكنولوجيا بذاتها لا تنتج إنساناً صالحاً.
فالطاقة النووية يمكن أن تُستخدم لإنارة المدن، ويمكن أن تُستخدم لإبادة الشعوب.
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون وسيلة لخدمة الإنسان، كما يمكن أن يتحول إلى أداة للهيمنة والابتزاز. ومن هنا، فإن بناء الضمير الأخلاقي يسبق بناء المؤسسات.
ثم يقول سماحة السيد: من الذي يدير الاقتصاد؟ ومن الذي يوجه التكنولوجيا؟
فأجاب قائلاً: إنه الإنسان.
فإذا كان الإنسان فاقداً للضمير الأخلاقي، فإن أدوات الحضارة تتحول إلى وسائل للظلم والفساد.
٤-الإيمان والانتماء
وفي هذا السياق استحضر السيد منير الخباز -حفظه الله -ما يعرف في علم النفس بـ هرم ماسلو للحاجات الإنسانية.
وأشار إلى أن ماسلو عدَّ الحاجة إلى الانتماء من الحاجات الأساسية للإنسان. فالإنسان يحتاج إلى الانتماء إلى:
- أسرة-قبيلة-مجتمع-وطن. غير أن الانتماء الأعمق والأكثر استقراراً هو الانتماء إلى الخالق عز وجل.واستشهد بقوله تعالى:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(سورة الرعد: 28)
ومن هنا خلص سماحته إلى أن السؤال:
ماذا قدم الأنبياء للحضارة؟ هو سؤال غير دقيق.
لأن الحضارة المادية تحتاج أولاً إلى أسس تحدد غايتها، ومحورها، وقيمها، وشعور الإنسان بالانتماء فيها.وهذه الأسس إنما جاءت بها السماء على أيدي الأنبياء والمرسلين.
ثانياً: البيان الخاص بالنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بعد ذلك انتقل السيد الخباز إلى الحديث عن خصوصية النبي محمد ( ص).
وسأل:هل بُعث النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله ليؤسس حضارة مادية؟
وهل كان هدف بعثته أن يقدم نظريات في الفيزياء والأحياء والذرة؟
وأجاب بالنفي.فالهدف الأساس من بعثته هو بناء الإنسان.
وبناء الإنسان ـ بحسب تعبيره ـ أسبق رتبة من بناء الدولة، وأسبق رتبة من بناء الحضارة المادية.
واستشهد بقوله تعالى:﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾(سورة الإسراء: 9)
وقوله تعالى:﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(سورة الشورى: 52)
ومن هنا بدأ السيد باستعراض العناصر الأربعة للقدوة الحضارية في شخصية النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله.
١-العنصر العلمي والمعرفي
أوضح سماحته أن النبي الأعظم (ص) لم يقدم للبشرية قانوناً في الفيزياء أو نظرية في الكيمياء، لكنه قدم ما هو أعمق من ذلك، إذ جعل العلم قيمة حضارية وعبادة إنسانية.
واستشهد بقوله تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَا الْخَلْقَ﴾(سورة العنكبوت: 20)
مبيناً أن الآية دعوة صريحة إلى البحث والاكتشاف واستقراء أسرار الكون.
كما استشهد بقوله تعالى:﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾(سورة الزمر: 9)
واستشهد بحديث النبي الأعظم محمد (ص):«طلب العلم فريضة على كل مسلم»
وسائل الشيعة - الشيخ حرّ العاملي- ط آل البیت ، جلد ٢٧، صفحه٢٧ .
كما أشار إلى الحديث المشهور:
«الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها» إحقاق الحق و إزهاق الباطل ،التستري، القاضي نور الله جلد ١ صفحه٩٦.
وأضاف السيد أن النبي الأعظم محمد (ص) قدم أيضاً فلسفة متكاملة للحياة تحدد الغاية من الوجود، ومحورية الإنسان، ومنظومة القيم التي ينبغي أن تحكم مسيرته.
ثالثاً: تجليات القدوة الحضارية في شخصية النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله
بعد أن بيّن سماحة السيد منير الخباز أن الهدف الأساسي من بعثة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو بناء الإنسان قبل بناء الحضارة المادية، انتقل إلى استعراض العناصر الأربعة للقدوة الحضارية في شخصيته المباركة.
٢- العنصر الحقوقي
أكد سماحته أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يأتِ بمنظومة عبادية فحسب، بل أسس قبل أكثر من أربعة عشر قرناً منظومة متكاملة لحماية الكرامة الإنسانية، تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
أ- كرامة الإنسان
استشهد السيد بقوله تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(سورة الإسراء: 70).
مبيناً أن الآية تتحدث عن تكريم الإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن جنسه أو لونه أو قوميته أو طبقته الاجتماعية.
ب- المساواة الإنسانية
واستشهد بقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13).
كما أورد الحديث المشهور:
«الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».
وأشار إلى أن هذا الحديث مشهور على الألسنة وفي الكتب الأخلاقية، إلا أن المحدثين لم يثبتوه بهذا اللفظ، وإن كان معناه تؤيده نصوص صحيحة، منها ما روي عن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسمل :«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، إلا بالتقوى.»
مفاهيم القرآن،السبحاني، الشيخ جعفر جلد٢،ص٣٥١.
ج- العدالة
واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل: 90).
وقوله تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(سورة المائدة: 8).
وأكد سماحته أن هذه المبادئ تشكل لائحةً متقدمة لحقوق الإنسان سبقت المواثيق الدولية الحديثة بقرون طويلة.
٣- العنصر الاقتصادي
هنا توقف سماحة السيد منير الخباز-حفظه الله- عند نقطة مهمة، وهي ضرورة التفريق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي.
فـ علم الاقتصاد هو مجموعة النظريات العلمية التي يكتشفها العقل البشري من خلال التجربة والدراسة، وهو متغير ومتطور.
أما المذهب الاقتصادي فهو المبادئ العامة التي تحدد كيفية توزيع الثروة ومنع الظلم الاقتصادي، وهو ما جاءت به الشريعة الإسلامية.
ومن أهم هذه المبادئ:
أ- منع الطبقية وتدوير الثروة
استشهد بقوله تعالى:﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾(سورة الحشر: 7).
وأشار إلى أن الإسلام لا يريد للثروة أن تبقى متداولة بين طبقة محدودة، بل يسعى إلى تدويرها داخل المجتمع.
ب- مكافحة الفقر بمنظور الشراكة
وأوضح السيد منير الخباز – حفظه الله - أن الإسلام يختلف عن الرؤية التي تتبناها كثير من الجمعيات الخيرية الحديثة.
ففي العمل الخيري المعاصر يُنظر إلى ما يعطى للفقير على أنه تفضل وإحسان.
أما الإسلام فيرى أن للفقير حقاً ثابتاً في مال الغني.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (سورة الذاريات: 19).
ثم نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله:«ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني.»
وقد ورد هذا المعنى في نهج البلاغة، الحكمة (328).وبناءً على ذلك، فإن الفقير في الرؤية الإسلامية لا يأخذ صدقة، بل يستوفي حقاً شرعياً قرره الله تعالى له.
ج- منع الاستغلال الاقتصادي
استشهد السيد بقوله تعالى:﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(سورة البقرة: 275).
وبيّن أن الشريعة الإسلامية أغلقت أبواب الاستغلال الاقتصادي من خلال تحريم:
- الربا و الاحتكار و الغش و أكل أموال الناس بالباطل.
٤- العنصر الاجتماعي
يرى السيد منير الخباز -حفظه الله- أن الحضارة الغربية المعاصرة، على الرغم من تفوقها التقني، تعاني من مشكلات اجتماعية عميقة، أبرزها:
- التفكك الأسري وضعف الروابط العائلية والقطيعة بين الأرحام وتراجع مفهوم الجوار.
وفي المقابل، قدم النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم منظومة اجتماعية متماسكة، من أبرز معالمها:
أ- حقوق الأسرة
استشهد بقوله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾(سورة الروم: 21).
ب- حقوق الأرحام
استشهد بقوله تعالى:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾(سورة النساء: 1).
ج- حقوق الجيران
واستشهد بالحديث الشريف:«ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.»مستدرك الوسائل ، المحدّث النوري، جلد ٨ صفحه ٤٢٢.
د- الأخوة الإيمانية
استشهد بقوله تعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(سورة الحجرات: 10).
وأكد سماحة السيد أن هذه التشريعات الاجتماعية تمثل ثروة حضارية ضخمة، لا تزال المجتمعات الحديثة بحاجة ماسة إليها.
المحور الثالث: القيم المثلى في سيرة النبي الأعظم محمد (ص) وخلود رسالته
انتقل السيد منير الخباز -حفظه الله- بعد ذلك إلى بيان أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس مجرد شخصية تاريخية انقضى دورها، بل هو مشروع إنساني حضاري متجدد.
وأشار إلى أن الحضارات المادية الكبرى كحضارات: الفراعنة وبابل والإمبراطورية البيزنطية.
قد انهارت واندثرت، بينما بقيت الرسالات السماوية حيةً ومتجددة لأنها تعنى ببناء الإنسان والضمير.
وضرب لذلك عدة شواهد من سيرة النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
١- الرحمة مع الخصوم
ذكر حادثة الطائف، حين رُمي النبي الأعظم محمد(ص) بالحجارة حتى أُدميت قدماه، ومع ذلك رفع يديه قائلاً: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»نهج الدّعا (ع-ف) ،. محمدی ری شهری، محمد، جلد : ٢ صفحه : ١٥٠.
وأشار إلى أن هذه العبارة مشهورة في كتب السيرة، وإن كان الثابت في بعض الروايات أنه دعا لقومه بالهداية وعدم المؤاخذة.ثم ذكر موقفه يوم فتح مكة، حين وقف أمام الذين آذوه وحاربوه سنوات طويلة، وقال لهم:
«ما ترون أني فاعل بكم؟»قالوا:أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال صلى الله عليه وآله :«اذهبوا فأنتم الطلقاء»الصحيح من سيرة النبي الأعظم ، العاملي، السيد جعفر مرتضى، جلد ٢٤، صفحه ٥٠.
٢- احترام المرأة
بيّن السيد أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله نقل المرأة من وضع كانت تُعامل فيه كالمتاع الموروث إلى إنسان كامل الكرامة.
واستشهد بقوله تعالى:﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(سورة البقرة: 228).
واستشهد بالأحاديث: «استوصوا بالنساء خيراً» جامع أحاديث الشيعة ،. البروجردي، السيد حسين، جلد : ٢٠ صفحه : ٢٤٦.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله «النساء شقائق الرجال» مجمع البحرين ، الطريحي النجفي ،فخر الدين ، ج٢،ص٥٣١.
وقال عليه الصلاة والسلام «حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة».جامع السعادات ، النراقي،المولى محمد مهدي،ج٣،ص١٣٤.
ثالثاً: القيم المثلى في سيرة النبي المصطفى (ص) وخلود رسالته
بعد أن استعرض سماحة السيد منير الخباز العناصر الحضارية الأربعة في شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، انتقل إلى الحديث عن سرِّ خلود الرسالة المحمدية، مؤكداً أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس شخصية تاريخية انقضت بانقضاء عصرها، بل هو مشروع إنساني حضاري متجدد؛ لأن الحضارات المادية مهما بلغت من القوة والازدهار مصيرها إلى الزوال، بينما تبقى الرسالات السماوية غضّة طرية على مرّ العصور، لأنها تُعنى ببناء الإنسان قبل بناء العمران.
وأشار سماحته إلى أن حضارات كالفراعنة، وبابل، والإمبراطورية البيزنطية، قد انهارت واندثرت آثارها السياسية والاجتماعية، بينما لا تزال الرسالة المحمدية حاضرة في حياة الملايين؛ لأنها قامت على منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية الخالدة.
٣- قبول التعددية الاجتماعية
ومن الشواهد التي ذكرها السيد الخباز على عالمية الرسالة المحمدية، أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم استطاع أن يؤسس مجتمعاً مدنياً في المدينة المنورة ضم المسلمين واليهود والنصارى، وأقام بينهم عقداً اجتماعياً يحفظ لكل جماعة خصوصيتها الدينية وحقوقها الاجتماعية.
واستشهد بقوله تعالى:﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(سورة الممتحنة: 8).
وأوضح سماحته أن الإسلام لم يفرض على غير المسلمين التخلي عن عقائدهم أو شعائرهم، بل كفل لهم ممارسة طقوسهم ضمن إطار الدولة الإسلامية.
وتوقف عند مسألة الجزية، مبيناً أن كثيراً من القراءات المعاصرة فهمتها على أنها عقوبة أو وسيلة إذلال، بينما حقيقتها ـ بحسب ما ذكره السيد ـ أنها ضريبة مالية تُدفع مقابل حماية الدولة الإسلامية لرعاياها من غير المسلمين، تماماً كما يدفع المسلم الزكاة وسائر الالتزامات المالية الشرعية.
٤- القيمة الأخلاقية العليا
ثم انتقل السيد الخباز إلى الحديث عن الأخلاق النبوية بوصفها الركن الأهم في المشروع الحضاري الإسلامي.
واستشهد بقوله تعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾(سورة آل عمران: 159).
كما استشهد بقوله تعالى:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(سورة القلم: 4).
وأشار إلى ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وصفه للنبي ﷺ، أنه كان:
«يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويخصف نعله بيده، ويرقع ثوبه بيده»
وقد رويت مضامين ذلك في عدد من المصادر الحديثية والسيرية، منها:
شرح أصول الكافي،. المازندراني، الملا صالح، جلد ١ صفحه : ٢٣٢
وأوضح السيد أن هذا التواضع لم يكن صادراً عن فقر أو عجز، بل كان النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موقع قيادة الأمة، يدير شؤون الدولة، ويتصرف في أموالها، ومع ذلك كان يعيش عيشة البسطاء، ليؤكد أن القيادة الحقيقية لا تنفصل عن الناس.
تجسد القيم الحضارية في كربلاء
ورأى سماحة السيد أن القيم التي أرساها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تبقَ مبادئ نظرية، بل تجسدت بأبهى صورها في واقعة كربلاء.
فالإيثار، والتضحية، والفداء، والوفاء، كلها تجلت في شخصيات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وفي مقدمتهم أبو الفضل العباس عليه السلام.
وأشار إلى موقف العباس عليه السلام عندما وصل إلى شريعة الفرات، وقد أنهكه العطش بعد أيام من الحصار، فغرف غرفةً من الماء بيده، لكنه تذكر عطش أخيه الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته، فرمى الماء قائلاً:
يا نفسُ من بعد الحسين هوني ----- وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا حسينٌ واردُ المنونِ -----وتشربين باردَ المعينِ؟!
الخاتمة
وفي ختام المحاضرة، خلص سماحة السيد منير الخباز إلى أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس قدوة سلوكية فحسب، بل قدوة حضارية عالمية، لأن الحضارة ليست مجرد أبراج شاهقة، أو تطور تقني، أو ثراء اقتصادي، بل هي قبل ذلك بناء للإنسان، وصناعة للضمير، وترسيخ للقيم التي تحفظ كرامته وتمنحه المعنى والغاية.
فالحضارات المادية قد تنهار بزوال أسباب قوتها، أما الرسالة المحمدية فقد كُتب لها الخلود لأنها خاطبت الإنسان في فطرته، وربطته بخالقه، وأرشدته إلى منظومة من القيم قادرة على مواكبة كل زمان ومكان.
وبذلك يتبين أن اختلاف العصر والثقافة لا يمنع من الاقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل لعل الإنسان المعاصر أحوج ما يكون اليوم إلى استلهام تلك القيم النبوية؛ ليعيد التوازن إلى عالمٍ امتلك وسائل الحضارة، لكنه لا يزال يبحث عن روحها.
✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله
تعليقات
إرسال تعليق