هل يفتقر الخطاب الديني الشيعي للذكاء الاجتماعي

 


هل يفتقر الخطاب الديني الشيعي للذكاء الاجتماعي 

تقرير لمحاضرة سماحة السيد منير الخباز حفظه الله – ليلة الثامن من محرم

✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

افتتح سماحة السيد منير الخباز محاضرته بتلاوة قوله تعالى:

﴿ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(١٢٥)﴾ النحل .

ثم طرح سؤالاً رئيسًا يدور حول واقع المجتمعات الإسلامية المتعددة المذاهب، كالمجتمع العراقي واللبناني والخليجي، مفاده: هل يمكن للخطاب الديني أن يجمع بين ثمرتين أساسيتين؛ الأولى المحافظة على الهوية العقدية، والثانية تعزيز المواطنة القائمة على السلم الاجتماعي والتراحم والتعاون الأخوي بين أبناء الدين الواحد؟

وبيّن سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - أن المقصود بالخطاب الديني ليس خصوص خطاب المسجد أو المنبر، بل يشمل القصيدة الحسينية، واللطمية، والكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي، وكل ما يصدر عن الإنسان بوصفه رسالة دينية موجهة للآخرين.

ثم قسم بحثه إلى ثلاثة محاور رئيسة:

1.    الذكاء الاجتماعي في صناعة الخطاب الديني.

2.    عناصر الخطاب الديني الفاعل.

3.    معالم المداراة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.


المحور الأول: الذكاء الاجتماعي في صناعة الخطاب الديني

تناول سماحته عدة تساؤلات تمهيدية، أهمها:

  • ما معنى الذكاء الاجتماعي؟
  • ما هو الخطاب الديني؟
  • ما أثر الكلمة في النفوس والعقول؟
  • ما موقع الحكمة في الخطاب الديني؟

وأوضح أن الذكاء الاجتماعي يختلف عن الذكاء العقلي، فليس كل من امتلك قدرة تحليلية عالية يمتلك بالضرورة القدرة على فهم الناس والتعامل معهم.

فالذكاء الاجتماعي هو القدرة على قراءة مشاعر الآخرين وظروفهم النفسية والاجتماعية، والتفاعل معهم بطريقة تحقق التأثير الإيجابي، وتمكّن الإنسان من بناء علاقات قائمة على اللطف واليسر واللين.

وأشار إلى أن القرآن الكريم قدّم النبي صلى الله عليه وآله بوصفه النموذج الأكمل للذكاء الاجتماعي، من خلال قوله تعالى:﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾التوبة.

ثم انتقل إلى تعريف الخطاب الديني، مبينًا أنه ليس مجرد نقل للمعلومات أو تعليم للأحكام، وإنما هو مشروع متكامل لبناء الوعي، وإحياء القيم، وتقويم السلوك الإنساني.

واستشهد بقوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ الجمعة.

كما تحدث عن أثر الكلمة، مبينًا أنها قد تكون سببًا في صناعة الجسور بين الناس، وقد تتحول إلى وقود للخصومات والحروب.

واستشهد بقوله تعالى:﴿ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤)﴾إبراهيم .

وقوله:﴿ وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)﴾إبراهيم.

كما أشار إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «رب كلمة أنفذ من سهام». ينابيع الحكمة، عباس الإسماعيلي اليزدي، ج٣، ص٥٤٩. 

ثم تناول موقع الحكمة في الخطاب الديني، منتقدًا من يتذرع بالصراحة لتبرير الجفاء والجرح والإساءة للآخرين.

وبيّن أن الحكمة تعني مراعاة أربعة أمور: ماذا تقول؟ كيف تقول؟ متى تقول؟ لمن تقول؟


وأن هذه القيود الأربعة هي التي تجعل الخطاب نافذًا ومؤثرًا.

كما استشهد بقول الإمام الصادق عليه السلام:

«رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعز».الكافي، الشيخ الكليني، ج٨، ص ٢٥٣.


المحور الثاني: عناصر الخطاب الديني الفاعل

ذكر سماحته ثلاثة عناصر رئيسة.

العنصر الأول: قراءة الآخر

وأكد أن الإنسان لا يعيش بمفرده، بل يعيش وسط أناس يختلفون معه في الدين أو المذهب.

ومن هنا فإن الخطاب الناجح هو الذي يراعي الواقع النفسي والثقافي والاجتماعي للمتلقي.

واستشهد بحديث النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم». الكافي، الشيخ الكليني، ج١، ص ٧١.

العنصر الثاني: احترام المختلف

بيّن أن احترام الإنسان المختلف دينًا أو مذهبًا نابع من أصل قرآني ثابت كما في قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم... (٧٠)﴾ الإسراء.

كما استشهد بعهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر‏ حينما أرسله عاملا على مصر فقال له فيما أوصاه به: « واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» بحوث في الفقه المعاصر، الشيخ حسن الجواهري، ج٣، ص٣٨.

وأكد أن كل إنسان مسالم له حرمة في دمه وعرضه وماله وكرامته.


العنصر الثالث: البلاغة

فرّق السيد الخباز بين الفصاحة والبلاغة. فالفصاحة تعني سلامة الألفاظ من الخطأ.

أما البلاغة فهي:مطابقة الكلام لمقتضى الحال.أي اختيار الأسلوب المناسب في الظرف المناسب.

وذكر لذلك عدة تطبيقات:

  • عدم تضخيم الخلافات والتركيز على المشتركات الإسلامية ونشر الرحمة وجمع الكلمة وجعل الخطاب علاجًا للأزمات لا وقودًا لها.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿وأَطِيعُوا اللَّـهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾الأنفال .


المحور الثالث: معالم المداراة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

فرّق سماحته بين التقية الخوفية والمداراة.

فالتقية الخوفية هي كتمان المعتقد عند الخوف من الضرر.

أما المداراة فليست كتمانًا للعقيدة، بل هي حسن عرضها.

فالمداراة تعني: إظهار العقيدة بوضوح وتجنب الاستفزاز والابتعاد عن إثارة الشحناء و المحافظة على وحدة المجتمع الإسلامي.

وأكد أن المداراة ليست: تنازلاً عن الحق أو جبنًا وتكون ضرورة مؤقتة أو مداهنة لمقتضى حال معين 

بل هي رؤية استراتيجية ثابتة مستمدة من سيرة أهل البيت عليهم السلام.

ثم بيّن أن للمداراة منطلقين:

أ-المنطلق العقلي

وهو قاعدة حفظ النظام: فكما يجب حفظ النفوس والأموال والأعراض، يجب كذلك حفظ النسيج الإسلامي، لما فيه من إعزاز الدين وتقوية شوكة المسلمين.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿.. ولِلَّـهِ الْعِزَّةُ ولِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ.. (٨)﴾ المنافقون.

وقوله تعالى: ﴿وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾المؤمنون. 

وقوله: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.. (٦٠)﴾ الأنفال.

مبينًا أن القوة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل القوة الاجتماعية والفكرية.

ب-المنطلق النقلي

وأشار فيه إلى جملة من الروايات، منها وصايا الإمام العسكري عليه السلام حينما 

قال: «صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح..» ميزان الحكمة ، محمد الريشهري،ج٤،ص٧٩٥.

وقول النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله: «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض». وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج١٢، ص٢٠٠. 

كما تحدث عن روايات كتمان الأسرار، موضحًا أن المقصود بها أمران:

الأول: بعض مقامات أهل البيت عليهم السلام التي لا تستوعبها جميع العقول.

والثاني: تجنب استفزاز الآخرين بالإساءة إلى رموزهم.

واستشهد بقول الإمام الصادق عليه السلام: « معاشر الشيعة كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول، وقبيح القول» وسائل الشيعة، الحر العاملي،ج١٢،ص١٢٤.

ثم انتقل إلى التحذير من الغلو، مستشهدًا بقول الإمام الرضا عليه السلام: «الغلاة كفار». بحار الأنوار، المجلسي، ج٢٥، ص٢٧٥.

وقول أمير المؤمنين عليه السلام: «هلك فيّ اثنان: محب غالٍ ومبغض قالٍ».تفسير الصراط المستقيم ،السيد حسين البروجوردي،ج٣،ص٥٨٨.


وختم سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله -

بالتأكيد على أن مسؤولية الخطاب الحكيم لا تختص برجال الدين، بل تشمل كل شاب يكتب تغريدة، أو يعيد نشر مقطع، أو يساهم في تداول محتوى ديني، لأن كلمة واحدة قد تؤدي إلى إثارة الفتن أو الإضرار بمؤمنين يعيشون في بلدان أخرى.

ثم بيّن أن سيرة أهل البيت عليهم السلام كانت النموذج الأسمى في الجمع بين الثبات على الحق والحكمة في التعامل، مستشهدًا بمواقف أمير المؤمنين عليه السلام، والإمام الحسن عليه السلام في صلحه، والإمام الحسين عليه السلام في تعامله الإنساني مع جيش الحر وسقيه لهم، وافتتاحه خطابه يوم عاشوراء بالموعظة والنصح قبل القتال ...والحمد لله رب العالمين 

 

✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!