رايات الضلال في زمن الغيبة ومعايير التمييز بينها وبين راية الحق

 


✍️ رايات الضلال في زمن الغيبة ومعايير التمييز بينها وبين راية الحق


لسماحة السيد ضياء الخباز حفظه الله


✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

استهل سماحة السيد ضياء الخباز -حفظه الله- حديثه بتمهيدين رأى أنهما ضروريان لفهم طبيعة المرحلة التي يعيشها المؤمنون في عصر الغيبة.

ففي التمهيد الأول: 

بيّن أن زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو زمن امتحان وتمحيص واختبار، مستشهدًا بروايات تؤكد أن المؤمنين سيتعرضون لابتلاءات شديدة، حتى لا يبقى على الإيمان إلا القليل ممن ثبتوا على الحق.

وكان الإمام الصادق عليه السلام يقول: «والله لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميزون وتمحصون، ثم يذهب ولا يبقى من كل عشرة منكم إلا الأندر، ثم تلا هذه الآية: ‏(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)»مسند الإمام الرضا (ع)،ج١،ص٤٦٠.


أما التمهيد الثاني: 

فتناول فيه الروايات التي تحدثت عن كثرة رايات الضلال في زمن الغيبة، ومن أبرزها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): « ليغيبن عنكم صاحب هذا الامر وليخملن هذا حتى يقال: مات، هلك، في أي واد سلك؟ ولتكفأن كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الايمان في قلبه، وأيده بروح منه ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي، 

قال: فبكيت، فقال: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول: اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي! ؟ قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس فقال: أبينة هذه؟ فقلت: نعم، قال: أمرنا أبين من هذ الشمس»الكافي ، الشيخ الكليني،ج١،ص٣٨٧.

مبينًا أن هذه الرايات تشكل أحد أهم عوامل الامتحان والاختبار للمؤمنين.وبين ثلاث مفردات 

(رايات وضلال ، ومشتبهة ) هذه المفردات جاءت على لسان المعصومين عليهم السلام 

وانتقل سماحته بعد ذلك إلى بيان المقصود من «الرايات المشتبهة»، موضحًا أن المراد من الرايات ليس الأعلام والقطع القماشية، وإنما الزعامات والقيادات والاتجاهات الفكرية والعقائدية التي تتصدر المشهد الديني والاجتماعي.

كما أوضح أن الضلال يعني الانحراف عن الصراط المستقيم سواء في الجانب العقائدي أو في الجانب العملي والسلوكي، بينما المقصود بالاشتباه هو تشابه هذه الدعوات مع الحق واتخاذها عناوين وشعارات دينية تُوهم الناس بأنها تمثل خط أهل البيت (عليهم السلام)، في حين أنها تحمل في باطنها الانحراف والاعوجاج.

وأشار إلى أن أخطر ما تسببه هذه الرايات هو إيجاد أزمة معايير لدى أبناء المجتمع الشيعي، حيث تتعدد الأصوات والمنابر والفضائيات والمنصات الإعلامية، فيقف الفرد حائرًا أمام كثرة المتصدرين، لا يدري ممن يأخذ معالم دينه، ومن يتبع في شؤونه العقائدية والفكرية.

ثم تناول سماحة سيد ضياء الخباز – حفظه الله - أبرز الخصائص المشتركة بين رايات الضلال، فذكر أن من أهم سماتها الطعن في العلماء والمراجع والحوزات العلمية، لأن المرجعية الدينية تمثل الحصن الذي يكشف زيف هذه الحركات ويحذر المجتمع من أخطارها، ولذلك تسعى تلك الرايات إلى إسقاط الثقة بالمؤسسة الدينية وتشويه صورتها. لأنها مركز الوعي المصحح للأفكار الدخيلة والمنبه للشيعة متى ما جاء خطر قادم . لذلك يسعى أهل رايات الضلال لضرب الصورة النقية لعلماء الشيعة حتى يخلو لهم الطريق ثم ينشرون الفكر الفوضوي . والخصوصية الثانية التمسك والتشبث بالمتشابهات، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّـهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ..(٧)﴾آل عمران، موضحًا أن أصحاب الانحراف يعتمدون النصوص أو الأدلة المحتملة الدلالة ويتركون المحكمات والثوابت المذهبية من أجل إثارة الفتنة وإحداث الانقسام داخل المجتمع الشيعي.

فهذه الآية توضح ثلاثة أمور ترتبط بأصحاب الضلال : 

المنطلق ، وهو : ( الذين في قلوبهم زيغ ) مثل مشاكل عقدية أو أخلاقية أو دينية .

والأداة ، وهي : ( ما تشابه منه ) فيتمسكون بالمتشابهات .

والغاية ، وهي : ( ابتغاء الفتنة ) فإنّ هدفهم تمزيق وشق المجتمعات .

وضرب سماحة السيد ضياء الخباز – حفظه الله - مثالًا على ذلك بما يُطرح في بعض الأوساط من دعوى إمامة الصديقة الزهراء (عليها السلام)، معتبرًا أن هذه الفكرة تمثل خرقًا لثوابت المذهب الإمامي القائم على الاعتقاد باثني عشر إمامًا لا يزيدون ولا ينقصون، مبينًا أن الأدلة التي يُستدل بها على هذه الدعوى لا تنهض لإثباتها، واستشهد على ذلك بتمسكهم بكلمات الزيارة الجامعة حينما قالت : "السلام عليكم يا أهل بيت النبوة " وشمول هذه الفقرة للصديقة الزهراء "عليها السلام" ثم قول الزيارة في نفس السياق : « السلام على الأئمة الدعاة والقادة الهداة " فيدخلون الزهراء في الأئمة بناءً على هذه العبارة ، وهذا من التمسك بالمتشابه ، والزيارة الجامعة نفسها تمنع من هذا الفهم ، فإنها "عليها السلام" وإن كانت حجة الحجج ولكن الإمامة لا تشملها ولا يقدح ذلك في مقامها .

ثم ذكر سماحة السيد ضياء الخباز مقطعين من نفس الزيارة يمنعان من دخول الزهراء عليها السلام  :

المقطع الأول: « وإلى جدكم بعث الروح الأمين» وإن كانت لأمير المؤمنين تقول « وأخيك بعث الروح الأمين » ومن الواضح أنّ الزهراء عليها السلام ليس جدها النبي الأعظم محمد صلى الله ولا هو بأخيها ، مما يعني أن الزيارة ناظرة لمن يكون النبي الأعظم جداً لهم أو أخاهم ، وهم أمير المؤمنين وأولاده المعصومون عليهم السلام .

والمقطع الثاني: «يا ولي الله إن بيني وبين الله ذنوباً لا يأتي عليها إلا رضاكم» وهذا الخطاب للمذكر وليس للمؤنث ، لذلك يمنع أن يكون شاملاً للصديقة الزهراء عليها السلام.

ولو أشكل أحدهم وقال : يا سيدنا فماذا نفعل في هذا المقطع «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة» الموجود في أول الزيارة ؟!

نقول : إن هذا العنوان ( أهل بيت النبوة ) يتسع ويضيق بحسب المقصود منه ، ثم مثّل بكلمة ( السادة ) فإنه عنوان يتسع ويضيق ، ولذا حينما تدخل مجلساً لبعض السادة ، وتقول : السلام على السادة الكرام فإنك لا تقصد جميع السادة في العالم ، وإنما تقصد الذين في المجلس ، فضاق العنوان رغم اتساعه في نفسه ، كذلك عنوان « أهل بيت النبوة » فهو يتسع للزهراء عليها السلام ولكنه يمكن تضييقه فلا يشملها ، وشاهده أن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يقف على باب الزهراء وعلي عليهما السلام ويقول الصلاة الصلاة ، السلام عليكم أهل بيت النبوة ، وكان يريد بذلك الأربعة : الزهراء والأمير والحسنين عليهم السلام ،  ولا يريد بذلك الإمام الحسن العسكري مثلاً ، رغم اتساع العنوان في نفسه له .

وهكذا هو الحال في زيارة الجامعة فقط ضيق العنوان ، وقصد جميع الأئمة الأثني عشر ما سوى الصديقة فاطمة عليها السلام .

وقد اتضح من هذا المثال منهج القوم في التمسك بالمتشابهات التي ينبغي ردها إلى المحكمات.

ثم انتقل سماحته إلى الحديث عن الوظيفة الشرعية للمؤمنين تجاه رايات الضلال، فذكر عدة خطوات عملية، أولها التمسك بمن أمر الأئمة (عليهم السلام) بالرجوع إليهم في زمن الغيبة، مستشهدًا بتوقيع الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله». مجموعة رسائل، القاضي سعيد القمي، ج٢، ص٢٧٦.

وأكد أن المراجع والفقهاء والحوزة العلمية يمثلون خط الدفاع الأول عن التشيع، وأن خيرهم ما زال ممتدًا في حفظ الهوية الدينية وصيانة المجتمع من الانحرافات.

كما حذر من الحركات السرية التي تتخذ عناوين مهدوية أو إصلاحية دون وضوح في هياكلها ورموزها وأهدافها، معتبرًا أن خط أهل البيت (عليهم السلام) خط واضح وجلي، وليس خطًا غامضًا أو قائمًا على التنظيمات الخفية.

وشدد سماحته على أهمية التثبت وعدم الانسياق وراء الخطابات العاطفية، مبينًا أن بعض أصحاب الدعوات المنحرفة يستثمرون حب الناس للإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أو للصديقة الزهراء (عليها السلام) أو للإمام الحسين (عليه السلام) لاستمالة الجماهير بعيدًا عن الضوابط الشرعية والمعايير العلمية.

كما أكد سماحة السيد ضياء الخباز -حفظه الله - ضرورة التمسك بالمحكمات ورد المتشابهات إليها، مستشهدًا بقول الإمام الرضا (عليه السلام): «إن في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها».

وختم سماحته المحاضرة بالدعوة إلى تطبيق المعايير التي رسمها أهل البيت (عليهم السلام) لمعرفة أهل الحق، ومن أبرزها عفة اللسان وطهارته، مشيرًا إلى أن الفحش والسباب والطعن في المؤمنين والعلماء يتنافى مع أخلاق أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وأن سلامة اللسان تعد من العلامات المهمة التي تساعد المؤمن على تمييز أصحاب الحق من أصحاب الباطل.

وذكر أن من سماتهم بذاءة اللسان والفحش في الكلام والإساءة الصريحة للعلماء والمراجع وهذا يخالف صريح الروايات التي نهت عن الفحش والبذاءة .

الخاتمة: 

وخلص سماحته إلى أن راية الحق تبقى واضحة وساطعة مهما كثرت الرايات المشتبهة، وأن المؤمن مطالب بالثبات على المحكمات، والرجوع إلى العلماء الثقات، وعدم الانجرار وراء الشعارات البراقة أو الدعوات التي تفتقد الضوابط والمعايير التي أرساها أهل البيت (عليهم السلام).

✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!