تقرير ندوة: حوار الجيل | الشباب والدين ... في عصر الحداثة
تقرير ندوة: حوار الجيل | الشباب والدين ... في عصر الحداثة
حوار الجيل | الشباب والدين في عصر الحداثة
لقاء حواري مع سماحة السيد منير الخباز حفظه الله
✍️ مقرر اللقاء: زاهر حسين العبد الله
أولاً: الدين والحاجة إليه في عصر الحداثة
استهل سماحة السيد منير الخباز اللقاء بتأصيل مفهوم الدين وبيان الحاجة إليه في العصر الحديث، موضحاً أن الدين يقوم على ثلاثة أركان أساسية:
1. العقيدة.
2. القانون والتشريع.
3. القيم والأخلاق.
وأشار إلى أن القرآن الكريم جمع هذه الأركان في قوله تعالى:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...﴾ البقرة: 177.
وبيّن سماحته أن حاجة الإنسان إلى الدين تنبع من ثلاث جهات رئيسية:
١- فلسفة الحياة
الدين يجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي عبّر عنها الحديث الشريف:
«اعرف من أين، وفي أين، وإلى أين» [1].
وهي أسئلة تتعلق بالمبدأ والغاية والمصير، ولا يستطيع أي تخصص أكاديمي الإجابة عنها.
وفي هذا السياق طرح سماحته نظرية الخلافة في القرآن الكريم، فبيّن أن الإنسان مستخلف في الأرض وليس مالكاً أصيلاً لما بيده من نعم، مستشهداً بقوله تعالى:
﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ البقرة:30.
وقوله:
﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ الحديد:7.
وقوله:
﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ النساء:5.
٢- الأمن النفسي
أوضح سماحته أن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الانتماء ليشعر بالأمان والاستقرار.
فالانتماءات الاجتماعية والمادية مؤقتة وزائلة، بينما يمنح الانتماء إلى الله تعالى حالة الطمأنينة الحقيقية، كما في قوله تعالى:
﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد:28.
وأشار إلى أن انتشار العيادات النفسية في المجتمعات الغربية رغم وفرة الرفاه المادي يعود إلى فقدان هذا الانتماء الوجودي العميق.
٣- الرجوع إلى جوهر الإنسانية
ذكر سماحته أن الفارق الجوهري بين الإنسان وغيره ليس اللغة أو القدرة على التحليل والاستنتاج، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي يقوم بجزء من هذه الوظائف، وإنما يتمثل المائز الحقيقي في القيم الأخلاقية المغروسة في الفطرة الإنسانية، والتي يدعمها الدين من خلال منظومة الجزاء والثواب.
واستشهد بقوله تعالى:
﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾ الشمس:7-8.
ثانياً: معالم الدين الواعي
فرّق سماحة السيد بين الدين الواعي والدين الموروث، محدداً ثلاثة معالم للدين الواعي:
١-الدلالة الآيوية
التأمل في الكون وربط التخصصات الأكاديمية بآيات الخالق، مصداقاً للحديث الشريف:
«من عرف نفسه فقد عرف ربه» [2].
٢-التعلم
بدراسة العقائد وفلسفة الدين، ليكون الإنسان مشمولاً بقول أمير المؤمنين (ع):
«الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة...» [3]
٣-استنطاق العقل
وذلك عبر توظيف العقل في التحليل والتفكير وعدم الوقوع في التقليد الأعمى، استناداً إلى قول الإمام الصادق (ع):
«العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان» [4].
ثالثاً: الحوار والأسئلة
السؤال الأول
لماذا ينفر بعض الشباب من الدين بعد تعرضهم لأزمات نفسية؟
أجاب سماحة السيد
بأن المشكلة غالباً تكمن في القراءة السطحية للدين، حين يُختزل في الطقوس والمظاهر فقط.
أما القراءة الواقعية فتجعل الإنسان يدرك أن العبادات وسائل للوصول إلى حالة الخشوع والارتباط الواعي بالله، وأن الصلاة تهدف إلى صناعة الإنسان القادر على مجابهة الأزمات، مستشهداً بقوله تعالى:
﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت:45.
كما استشهد بقوله تعالى:
﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ الطلاق:2-3.
السؤال الثاني
كيف يمرّن الشاب نفسه على التأمل في ظل الحياة المادية الصاخبة؟
أجاب سماحته
بأن التأمل يتعزز من خلال ربط التخصص الأكاديمي بالمبدأ والخالق، إضافة إلى ضرورة تنظيم الوقت.
ونصح الشباب بتخصيص ساعة أسبوعياً، كليلة الجمعة، للتأمل في آيات الله أو مضامين الأدعية، مستشهداً بالحديث الشريف:
«تفكر ساعة خير من عبادة سنة» [5].
السؤال الثالث
كيف يحافظ الشاب على دينه وسط الانفتاح الرقمي والعولمة؟
قسّم سماحته العالم الافتراضي إلى فضاء متدين وآخر غير متدين.
ففي الجانب الديني
يمكن الاستفادة من وسائل التواصل في متابعة المحاضرات والندوات.
أما في الجانب الآخر
فلا ينبغي الانعزال عنه، بل الدخول إليه بقصد العطاء والتأثير الإيجابي والدعوة إلى الخير، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ آل عمران:104.
السؤال الرابع
ظاهرة بعض الرواديد واستخدام الألحان غير المناسبة
أوضح سماحة السيد
أن المحاضر يخاطب العقل بينما يخاطب الرادود والشاعر العاطفة، ولا سيما في مرحلة الشباب بين (15–35 سنة).
وأكد أن مسؤولية الشاعر والرادود عظيمة، وتستلزم:
١-تحري المضامين الصحيحة.
٢-اختيار الألحان الحزينة المناسبة.
٣-الابتعاد عن الألحان المشابهة لمجالس اللهو والطرب.
٤-تجنب تحويل قضية الإمام الحسين (ع) إلى وسيلة للترند أو المكاسب التجارية.
السؤال الخامس
لماذا لم تظهر الإمامة في الشرائع السابقة؟
عدّ سماحة السيد
هذا السؤال مبنياً على مغالطة، مؤكداً أن الإمامة والوصاية مبدأ موجود في جميع الشرائع السماوية.
واستشهد بقوله تعالى:
﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً﴾ الشورى:13.
وقوله تعالى:
﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾ البقرة:124.
كما شبّه وصاية هارون لموسى بوصاية الإمام علي (ع) للنبي (ص)، مستنداً إلى حديث المنزلة [6].
السؤال السادس
هل يسقط حق المبذر المالي؟ وكيف نفهم الابتلاء؟ وما موقع العلماء غير المؤمنين؟
أجاب سماحته:
السفيه لا يمنع من النفقة والمعيشة، وإنما يمنع من إدارة الأموال.
الطمأنينة الروحية لا تتنافى مع الابتلاءات المادية، فالابتلاء وسيلة للتمحيص والتكامل.
العلماء غير المؤمنين ليسوا علماء ربانيين، لأن علومهم لم توصلهم إلى معرفة مصدر العلم وغاياته.
السؤال السابع
كيف يصل المراهق إلى الدين الواقي في عصر الشهوات والترندات؟
أوضح سماحته
أن الدين لا يحارب اللذات، بل ينظمها ضمن ضوابط شرعية.
والوصول إلى الدين الواعي يحتاج إلى:
١-الإرادة.
٢-الانخراط في الأجواء الإيمانية.
٣-المشاركة في المؤسسات الشبابية.
٤-الاستماع للمحاضرات.
٥-الحوار مع العلماء.
واستشهد بقوله تعالى:
﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ الإسراء:19.
السؤال الثامن
هل الأخلاق تكفي دون الدين؟
رفض سماحة السيد
الفصل بين الأخلاق والدين، مؤكداً أن الأخلاق فطرية، لكنها تحتاج إلى الدين ليحفظها ويمنحها الثبات من خلال الإيمان بالجزاء والثواب.
واستشهد بحديث النبي (ص):
«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [7].
السؤال التاسع
هل الحاجة إلى الدين فطرية أم مكتسبة؟
أكد سماحته
أن الحاجة إلى الدين متجذرة في الفطرة الإنسانية، مستشهداً بقوله تعالى:
﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ الروم:30.
فالإنسان مفطور على التساؤل الوجودي، وطلب الطمأنينة، والنزوع نحو الخير والعدالة.
السؤال العاشر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم التأثير
بيّن سماحته
أن الوجوب الفقهي مشروط باحتمال التأثير، فإذا انتفى التأثير سقط الوجوب وبقي الاستحباب.
أما أهل المعاصي المصرّون عليها فقد ورد الحث على إظهار عدم الرضا تجاه أفعالهم.
وأكد أن أعظم صور النهي عن المنكر تكون بالقدوة الحسنة، مصداقاً للرواية:
«كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم» [9].
السؤال الحادي عشر
كيف يتحرر الشاب من السجن الخوارزمي الرقمي؟
أجاب سماحته
بأن المعركة الفكرية اليوم تُخاض عبر الهاتف المحمول والمحتوى الرقمي.
والتحرر منها يكون عبر:
١-تفعيل العقل النقدي.
٢-التساؤل عن أهداف المحتوى ومقاصده.
٣-استشارة أهل الخبرة والثقة.
٤-التحول إلى «الأذن الواعية» التي لا تستقبل المعلومات دون تمحيص.
السؤال الثاني عشر
ما الموقف من العلمانية وفصل الدين عن السياسة؟
أكد سماحة السيد
أن الدين منظومة شاملة تضم العقيدة والقانون والأخلاق، وتشمل جميع مجالات الحياة، ومنها:
التعليم -الصحة-الاقتصاد- العلاقات الخارجية.
إدارة الدولة.. الخ
ولذلك فإن القيادة السياسية جزء من الرؤية الإسلامية، وقد مارسها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي (عليه السلام)
السؤال الثالث عشر
هل تتغير فلسفة الحياة مع تغير الزمن؟
أوضح سماحته
أن فلسفة الحياة والقيم والمبادئ والتشريعات الدينية ثابتة.
أما المتغير فهو:
١-لغة الخطاب الديني.
٢-وسائل التواصل.
٣-أساليب العرض والمعالجة.
ولذلك ينبغي أن يخاطب الشاعر والخطيب والواعظ الإنسان المعاصر بلغته وثقافته وإشكالاته.
السؤال الرابع عشر
هل الانفتاح على أسئلة الشباب توجه شخصي أم نهج للمؤسسة الدينية؟
أكد سماحة السيد
أن رجل الدين الواعي بمتغيرات العصر يجب أن يكون منفتحاً على جميع الشباب، حتى غير المتدينين منهم.
وأشار إلى أن هذا النهج ينسجم مع التوصيات الاثنتي عشرة التي وجهتها المرجعية العليا لسماحة السيد السيستاني (دام ظله) إلى خطباء المنبر الحسيني.
وبيّن أن استمرار حضور الدين وتأثيره مرهون بوجود تواصل حقيقي وتكامل بين المؤسسة الدينية والجيل الشبابي، مشيراً إلى استعانته بفريق من الشباب الواعي لمتابعة الأفكار والمستجدات الفكرية والاجتماعية وقراءة التحولات المعاصرة.
---
✍️ زاهر حسين العبد الله
الهوامش والمصادر:
[١] شرح رسالة الحقوق ،الإمام زين العابدين ،ص٨٨.
[٢] عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون ، حسن حسن زاده آملى،ص٥٨.
[٣] الأرشاد ، الشيخ المفيد ،ص٢٤٧.
[٤] مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة، ج٥،ص٣٠٧.
[٥] بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ،ج٦٨،ص٣٢٩.
[٦] بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ،ج ٣٧،ص٢٨٠.
[٧] بحار الأنوار ج 69 ص 375 .
[٨] وسائل الشيعة ، الحر العاملي ، ج١٦،ص١٤٣.
[٩] الانتصار ، الشريف المرتضى ،ج١،ص٢٨١.
[١٠] الكافي ، الشيخ الكليني ،ج٢،ص٦٣٦.

تعليقات
إرسال تعليق