كيف صنعت البصيرة أبطال كربلاء؟
كيف صنعت البصيرة أبطال كربلاء؟
لسماحة آية الله السيد منير الخباز حفظه الله
✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله
ما الذي جعل كربلاء تبقى غضّةً طريةً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً؟ ولماذا بقيت أسماء الحسين والعباس وعلي الأكبر والقاسم وحبيب وزهير والحرّ تتردد على الألسن، بينما غابت أسماء آلاف الشهداء الذين قاتلوا دفاعاً عن أوطانهم أو عقائدهم؟
بهذا التساؤل افتتح سماحة السيد منير الخباز - حفظه الله - محاضرته، مؤكداً أن خلود كربلاء لم يكن ناشئاً من حجم المأساة وحدها، بل من نوعية الإنسان الذي صنع تلك الملحمة، ومن الطاقة الروحية التي استطاعت أن تحوّل أفراداً محدودين عدداً إلى رموز خالدة في مسيرة الإنسانية.
المحور الأول: ما الذي جعل أبطال كربلاء يستقبلون الموت بفرح؟
من الطبيعي ـ كما يقرر سماحته ـ أن يبغض الإنسان الموت، وأن يكره الانتقال من هذه الدنيا، حتى لو كان يعيش الآلام والمتاعب.
وقد حاول علماء النفس والاجتماع تفسير استعداد بعض الناس للموت بعدة عوامل، منها:
- المرض العضال الذي يجعل صاحبه يتمنى الخلاص من آلامه.
- العصبية القبلية التي تدفع الإنسان للتضحية حفاظاً على سمعة قبيلته.
- الانصهار في الهوية القومية.
- المكاسب المادية التي قد يجنيها أهله أو من ينتسب إليه بعد موته.
غير أن شيئاً من هذه العوامل لم يكن متوفراً في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، فلم يكونوا مرضى، ولم ينتظروا مكاسب دنيوية، ولم يكن أمامهم أي احتمال للنصر العسكري، بل كانوا بين خيارين لا ثالث لهما: الخضوع للخط الأموي ممثلاً بعبيد الله بن زياد، أو استقبال الموت والشهادة.
ومن هنا يطرح السيد الخباز – حفظه الله - العامل الحقيقي الذي صنع أولئك الأبطال، وهو البصيرة.
قال تعالى:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف:108).
ويرى سماحته أن البصيرة هي السر الذي جعل أولئك الرجال يرحبون بالموت، ويستبشرون بلقاء الله، ويستقبلون الشهادة بطمأنينة وفرح.
المحور الثاني: ما هي البصيرة؟
يقرر السيد الخباز أن البصيرة ليست مجرد معلومات ذهنية أو قناعة عقلية، بل هي مرتبة متقدمة من مراتب اليقين.
فالقرآن الكريم يتحدث عن ثلاث درجات لليقين:
- علم اليقين.
- عين اليقين.
- حق اليقين.
قال تعالى:﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (التكاثر:5-7).
وقال تعالى:﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (الواقعة:95).
ويشرح سماحته هذه المراتب بمثال العطش؛ فمعرفة الإنسان بحاجته إلى الماء تمثل علم اليقين، أما إذا اشتد العطش حتى أصبح ألماً وجدانياً يعيشه الإنسان، فقد وصل إلى عين اليقين، فإذا دفعه هذا الشعور إلى الحركة وطلب الماء صار اليقين سلوكاً عملياً، وهنا يبلغ الإنسان مرتبة حق اليقين.
ومن هنا خلص إلى تعريف البصيرة بأنها: اليقين الوجداني الذي تحوّل إلى سلوكٍ وموقفٍ عملي.
ويؤيد ذلك قوله تعالى:﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة:14).
كما استشهد السيد منير الخباز -حفظه الله - بمراتب الخشوع في العبادة، فالإيمان بأثر الصلاة يمثل علماً، أما تذوق حلاوة المناجاة فهو عين اليقين، فإذا نهت الصلاة صاحبها عن الفحشاء والمنكر أصبح الخشوع سلوكاً، وهو حق اليقين.
قال تعالى:﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون:1-2).
المحور الثالث: تجليات البصيرة في كربلاء
أولاً: حرارة المبدأ في القلوب
أوضح السيد منير الخباز - حفظه الله -أن أكثر الناس يعشقون العدالة والكرامة ويرفضون الظلم من الناحية النظرية، لكنهم يتراجعون عندما تتعارض المبادئ مع مصالحهم الشخصية.
أما أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد تضاءل في نفوسهم حب الذات، وتراجع حب المال والراحة والبقاء، حتى أصبح عشق المبادئ هو الحاكم على مشاعرهم وسلوكهم.
ولذلك كانوا يرون التضحية أمراً طبيعياً، ويتغنون بقيمهم حتى في ساحة المعركة.
ومن ذلك رجز علي الأكبر (عليه السلام):
«أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي».
فقد عبّرت هذه الكلمات عن ذوبان الذات في سبيل المبدأ، وعدم القبول بالاستسلام للطغيان مهما كانت النتائج.
ثانياً: معرفة الإمام
انتقل السيد منير الخباز – حفظه الله - إلى بيان أن أصحاب الحسين (عليه السلام) لم يكونوا يدافعون عن رجل مظلوم فحسب، بل كانوا يدافعون عن منصب الإمامة بوصفه رأس الدين وسنامه.
ولهذا كان من أدعية أهل البيت (عليهم السلام):
«اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني».
كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية».
وأشار السيد منير الخباز – حفظه الله -إلى أن أصحاب الحسين كانوا ينظرون إلى الدفاع عن الإمام بوصفه دفاعاً عن الدين نفسه، ولذلك صدح أبو الفضل العباس (عليه السلام):
والله إن قطعتموا يميني إني أحامي أبداً عن ديني وعن إمام صادق اليقين
كما أن الإمام الصادق (عليه السلام) وصف العباس بقوله:«كان نافذ البصيرة، صلب الإيمان».(١)
وفي زيارته (عليه السلام) نخاطبه: «أشهد أنك مضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بالصالحين».(٢)
ثالثاً: الفرح بلذة الشهادة
قسّم السيد منير الخباز - حفظه الله -نظرة الإنسان إلى الدنيا إلى قسمين:
الأولى: النظرة الموضوعية، وهي أن يرى الإنسان الدنيا هدفاً نهائياً يسعى إليه.
والثانية: النظرة الطريقية، وهي أن يراها معبراً إلى الحياة الحقيقية.
قال تعالى:﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص:77).
وقال تعالى:﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ (الحديد:20).
وقال تعالى:﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران:185).
وقال تعالى:﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى:16-17).
وقال تعالى:﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (العنكبوت:64).
ولهذا كان أصحاب الحسين ينظرون إلى الدنيا كما وصفها أمير المؤمنين (عليه السلام):
«الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر».
ومن هنا فرحوا بالشهادة، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (آل عمران:169-170).
المحور الرابع: نماذج من البصيرة في كربلاء
توقف سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - عند شخصيتين بارزتين:
الحر بن يزيد الرياحي
الذي علّم البشرية معنى الاعتراف بالخطأ، حين قال:
«إني أخيّر نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة شيئاً أبداً».
ثم جاء إلى الإمام الحسين (عليه السلام) معتذراً: «هل لي من توبة؟»
فأجابه الإمام: «نعم، يتوب الله عليك».
وأصبح الحر مثالاً للإنسان الذي تحرر من أسر الدنيا، حتى قال له الإمام الحسين (عليه السلام):
«أنت حر كما سمّتك أمك، حر في الدنيا وسعيد في الآخرة»(٣).
كما عرض سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - قصة زهير بن القين، الذي كان عثماني الهوى، ويتجنب لقاء الإمام الحسين (عليه السلام)، لكن لقاءً واحداً غيّر مسار حياته، فتحول إلى واحد من أبرز شهداء الطف، معلماً الأجيال أن الإنسان يستطيع أن ينتصر على ماضيه وبيئته إذا امتلك البصيرة.
لقد أراد سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - أن يقرر أن كربلاء ليست حادثة تاريخية نرثيها فحسب، بل مدرسة تصنع الإنسان البصير؛ الإنسان الذي يتحول فيه الإيمان من معلومة عقلية إلى يقين وجداني، ثم إلى موقف ثابت، وسلوك مضحٍ، واستعداد دائم لبذل النفس في سبيل الحق.
الهوامش والمصادر
✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله
(١) موسوعة معارف الكتاب والسنة، محمد الريشهري،ج٨،ص٣٧٨.
(٢) مصباح المتهجد ، الشيخ الطوسي،ص٧٣٤.
(٣) مقتل الحسين عليه السلام ، أبو مخنف الأزدي،ص١٣٥.
تعليقات
إرسال تعليق