تفاوت الموجودات في عالم الإمكان وأثره في اختلاف الاستعدادات البشرية (الجزءان)

 


تفاوت الموجودات في عالم الإمكان وأثره في اختلاف الاستعدادات البشرية (الجزءان)


قراءة في محاضرتين لسماحة الشيخ محمد العبيدان حفظه الله

✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

مقدمة : 

لماذا يختلف الناس في الاستعدادات والقدرات؟ وهل يولد الإنسان وهو يحمل قابلية معينة للهداية أو الضلال؟ وإذا كانت الاستعدادات متفاوتة منذ الخلقة، فأين يكون عدل الله تعالى؟ وهل ينسجم ذلك مع الاختيار الإنساني؟

في هاتين المحاضرتين قدّم سماحة الشيخ محمد العبيدان – حفظه الله – معالجة عقدية وفلسفية متدرجة لهذه الإشكالية، انطلق فيها من النظام الوجودي لعالم الإمكان، ثم انتقل إلى الطبيعة التكوينية للإنسان، وصولًا إلى تفسير منشأ اختلاف الاستعدادات البشرية، مع بيان أن هذا الاختلاف لا ينافي عدل الله سبحانه وتعالى ولا يفضي إلى القول بالجبر.


أولًا: قوس النزول وقوس الصعود

افتتح الشيخ حديثه ببيان أن الوجود يتحرك عبر قوسين متكاملين:

  • قوس النزول، وهو عالم التقدير والتكوين الذي تتحدد فيه مراتب الموجودات.
  • قوس الصعود، وهو عالم التكليف والاختيار الذي يبدأ فيه الإنسان رحلته نحو مراتب الكمال أو الانحدار.

وأوضح أن التفاوت الواقع في قوس النزول لا يترتب عليه مدح أو ذم، لأنه سابق لمرحلة الاختيار، بينما يكون الثواب والعقاب في قوس الصعود، حيث يمارس الإنسان إرادته بحرية ويصنع مصيره بنفسه.


ثانيًا: لماذا اقتصر البحث على الإنسان؟

بيّن سماحة الشيخ أن الإنسان هو محور هذا البحث لثلاثة اعتبارات رئيسة؛ فهو الكائن المكلَّف الذي يترتب على أفعاله الثواب والعقاب، وهو المخلوق الذي يمتلك قابلية الارتقاء إلى أعلى مراتب الكمال أو الانحدار إلى أدنى درجات السقوط، كما أن سائر الموجودات قد سخّرها الله لخدمته، فكان فهم حقيقته هو المدخل الأساس لفهم سر التفاوت بين الموجودات.


ثالثًا: الطبيعة التكوينية للإنسان

استعرض الشيخ الآيات الكريمة التي تؤكد أن أصل خلق الإنسان من الطين، مبينًا أن اختيار الطين مادةً للخلق ليس نقصًا، بل هو مقتضى الحكمة الإلهية التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى:

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ السجدة .

ثم ناقش أبرز النظريات المتعلقة بأصل الإنسان، مستعرضًا القول بآدم النوعي، والقول بتعدد الأصول البشرية، ثم رجّح أن جميع البشر يرجعون إلى آدم وحواء عليهما السلام، اللذين خلقهما الله ابتداءً من التراب، مؤكدًا أن ظاهر القرآن الكريم يؤيد هذا الاتجاه ولا ينسجم مع الفرضيات التي تجعل الإنسان نتيجة تطور نوع آخر.


رابعًا: اختلاف الطينة ومنشأ اختلاف الاستعدادات


انتقل الشيخ إلى صميم البحث، موضحًا أن الروايات الشريفة تؤكد أن آدم عليه السلام خُلق من مجموع أنواع تراب الأرض، وأن اختلاف عناصر الطينة، واختلاف المياه التي امتزجت بها بين العذب والمالح، كان سببًا في تنوع القابليات والاستعدادات والطبائع بين البشر.

وأكد أن هذا التفاوت لا يعني اختلافًا في أصل الكرامة الإنسانية، ولا يسلب الإنسان حريته، وإنما يفسر اختلاف الميول والقابليات الفطرية، مع بقاء الجميع مسؤولين عن كيفية توظيف ما أودع الله فيهم من استعدادات.


خامسًا: آدم جمع جميع القابليات

وأوضح الشيخ أن خلق آدم عليه السلام من مجموع الطينات يعني أنه جمع في ذاته جميع الاستعدادات والقابليات؛ فهو يمتلك قابلية الارتقاء إلى أعلى مراتب الكمال، كما يمتلك قابلية الانحدار إلى أسفل درجات الضلال، ولذلك كان الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يسمو باختياره حتى يفوق الملائكة، أو يهبط بإرادته حتى يكون أسوأ حالًا من البهائم.


سادسًا: لماذا تختلف الطينة أصلًا؟

وبعد أن بيّن الشيخ أن اختلاف الطينة يفسر اختلاف الاستعدادات، انتقل إلى السؤال الأعمق:

إذا كانت الطينة سبب التفاوت، فما منشأ اختلاف الطينات نفسها؟

وأجاب بأن أصل هذا الاختلاف يرجع إلى مراتب الموجودات في خزائن قوس النزول؛ فلكل موجود في عالم المادة حقيقة سابقة في عالم الملكوت، وكلما كانت مرتبته الوجودية أكمل وأشرف، انعكس ذلك على قوة الاستعداد والقابلية في عالم الدنيا، ومن هنا كانت طينة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام أشرف الطينات، بينما تختلف سائر الطينات تبعًا لاختلاف مراتبها في النظام الوجودي.


سابعًا: هل يستلزم هذا الجبر؟

وتوقف الشيخ عند أهم الإشكالات التي قد تثار حول هذا البحث، وهي شبهة الجبر، مؤكدًا أن اختلاف الاستعدادات لا يعني سلب الإنسان اختياره.

فالاستعداد ليس فعلًا اختياريًا حتى يكون محلًا للثواب أو العقاب، وإنما هو أرضية ينطلق منها الإنسان، أما مناط المسؤولية فهو كيفية توظيف هذه الاستعدادات في طريق الطاعة أو المعصية.

ولهذا فرّق الشيخ بين نوعين من الخصائص:

  • خصائص تكوينية خارجة عن اختيار الإنسان، كاختلاف اللون، والشكل، والصحة، والمرض، والغنى، والفقر، وهذه لا يترتب عليها مدح ولا ذم.
  • وخصائص ترتبط بالفعل الاختياري، وهي التي تكون مدار التكليف والثواب والعقاب.

ثامنًا: الاختلاف وسيلة للابتلاء لا للتمييز

وأكد سماحته أن اختلاف الظروف والقدرات جزء من النظام الأحسن الذي أراده الله تعالى، وليس تمييزًا بين عباده.

فالفقر يفتح باب الصبر، والغنى يفتح باب الشكر، والمرض يهيئ ميدان الرضا، والصحة تمنح فرصة القيام بالمسؤولية، فتتحول الفوارق الطبيعية إلى ميادين متعددة للابتلاء والتكامل، لا إلى مبررات للتفضيل بين الناس.

الخلاصة

خلص سماحة الشيخ محمد العبيدان – حفظه الله – إلى أن تفاوت الموجودات في عالم الإمكان يقوم على نظام وجودي دقيق يبدأ في قوس النزول وينتهي في قوس الصعود.

فاختلاف الطينة يؤدي إلى اختلاف الاستعدادات، واختلاف الطينة نفسه يرتبط بمراتب الموجودات في خزائن قوس النزول، إلا أن ذلك كله لا يسلب الإنسان إرادته، لأن مناط الثواب والعقاب هو الاختيار، لا الخصائص التكوينية التي لم يكن للإنسان يد في إيجادها.

وبذلك تتكامل الصورة العقدية التي أراد الشيخ بيانها؛ فالتفاوت في الخلقة لا ينافي عدل الله تعالى، لأنه يقع في دائرة التكوين، بينما يكون التفاضل الحقيقي في دائرة الاختيار والعمل. فالإنسان لا يُحاسب على ما وُلد به من استعدادات، وإنما يُحاسب على كيفية توظيفها في طريق الطاعة أو المعصية، وبهذا يلتقي نظام الخلق مع عدل الله سبحانه وتعالى وحكمته البالغة.

والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.


✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!