أجوبة على أبرز الإشكالات الفكرية والعقدية الجزء الأول

 


أجوبة على أبرز الإشكالات الفكرية والعقدية الجزء الأول  

من جلسة الأسئلة والأجوبة بعد محاضرات شهر محرم لسماحة آية الله السيد منير الخباز (دام ظله)

✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

تمهيد

بعد اختتام الليالي العشر الأولى من شهر محرم، خُصِّصت ليلة الحادي عشر لجلسة حوارية للإجابة عن الأسئلة التي أثارتها المحاضرات السابقة، وذلك نظراً لكثرة الاستفسارات الفكرية والعقدية التي وردت إلى سماحة السيد.

وقد تناولت الأسئلة قضايا ترتبط بفلسفة الخلق، وفطرة الإنسان، والقيم الأخلاقية، وحقوق الإنسان، وبناء الحضارة، إضافة إلى مسائل كلامية وعقدية دقيقة، فجاءت الإجابات لتزيل الإشكالات وتعمق الرؤية وتفتح آفاقاً جديدة للتأمل.


أولاً: هل وجود الإنسان ضروري لتحقيق هدف الكون؟

انطلق السؤال من شبهة مفادها أن الحياة تستمر سواء وجد الإنسان أم لم يوجد، وأن الإنسان مجرد مستهلك لموارد الكون، فلا يبدو أن لوجوده غاية حقيقية.

ويرى سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - أن هذا التصور يغفل حقيقة الدور الذي أُوجد الإنسان من أجله، فلو خلا الكون من الإنسان لتحولت الأرض إلى مجرد بيئة طبيعية تعيش فيها الكائنات وفق غرائزها، دون أن يتحقق أي تطور حضاري أو استثمار واعٍ لما أودعه الله في الكون من طاقات وإمكانات.

فالإنسان وحده هو الكائن القادر على:

  • اكتشاف قوانين الكون.
  • استخراج الثروات والمعادن.
  • استثمار الطاقات الطبيعية.
  • بناء الحضارة.
  • تطوير المعرفة جيلاً بعد جيل.

ومن هنا فإن التصميم المذهل والدقيق للكون لا يمكن تفسيره إلا بوجود غاية كبرى، إذ لو كان المقصود مجرد استمرار الحياة البدائية لما كانت هناك حاجة إلى هذا الإحكام البالغ في قوانين الوجود.

فالقرآن الكريم يؤكد أن الخلق لم يكن عبثاً، وإنما خُلق بالحق ولغاية، وأن الإنسان يمثل الحلقة الأساسية في تحقيق هذه الغاية.

ويرى سماحته أن الحضارة الإنسانية لم تبلغ غايتها النهائية بعد، بل إن المستقبل يحمل آفاقاً أوسع لانتقال الإنسان من بناء الحضارة الأرضية إلى حضارة كونية تستثمر إمكانات الكون بأسره.

 

ثانياً: هل القيم الأخلاقية فطرية أم أنها صناعة اجتماعية؟

ناقش سماحته إحدى النظريات الفلسفية التي ترى أن العدالة والأمانة والكرامة ليست قيماً أصيلة، وإنما هي اتفاقات اجتماعية أوجدها الإنسان بعد تطوره الثقافي حفاظاً على استقرار المجتمع.

ويرى سماحته أن هذا التفسير لا يجيب عن السؤال الجوهري:

لماذا اختار الإنسان هذه القيم بالذات دون غيرها؟

فلو لم تكن جذور هذه القيم مغروسة في أعماق الفطرة الإنسانية، لما استطاع الإنسان أن يهتدي إليها بوصفها الأساس الذي يقوم عليه العمران البشري.

فالإنسان لم يخترع العدالة من العدم، وإنما اكتشف قيمة مودعة في فطرته، ثم جاء التطور الحضاري والشرائع السماوية لينظما تطبيقاتها ويضعا لها الأنظمة والحقوق والتفصيلات.

ولهذا ينبغي التمييز بين أمرين:

  • أصل الإحساس بالعدالة، وهو أمر فطري.
  • تفصيل الحقوق والقوانين المنظمة للعدالة، وهو ثمرة تطور الإنسان وهداية الوحي.

 

ثالثاً: هل الأخلاق شرط لعدالة الحضارة أم لاستمرارها أيضاً؟

أكد سماحة السيد أن الضمير الأخلاقي ليس مجرد عنصر يجمّل الحضارة، بل هو شرط لبقائها واستمرارها.

فالتقدم العلمي والتكنولوجي إذا انفصل عن الأخلاق قد يتحول إلى وسيلة لتدمير الإنسان بدلاً من خدمته، ولذلك فإن كثيراً من أزمات العالم المعاصر تعود إلى غياب المسؤولية الأخلاقية لدى القوى الكبرى التي تسعى إلى الهيمنة والمصلحة الذاتية دون مراعاة للإنسانية جمعاء.

ولهذا فإن القرآن الكريم يربط بناء الحضارة بالتعارف والتكامل بين الأمم، لا بالصراع والاستعلاء، قال تعالى:

﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّـهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ الحجرات.

فالأخلاق ليست شرطاً لعدالة الحضارة فحسب، بل هي أيضاً الضمان الحقيقي لاستمرارها وعدم انهيارها.

 

رابعاً: كيف نفهم رواية: «علم، وشاء، وأراد، وقدّر، وقضى، وأمضى»؟

عن معلى بن محمد قال سئل العالم عليه السلام كيف علم الله؟ 

قال: «علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الامضاء، والعلم متقدم على المشيئة..» الكافي ، الشيخ الكليني ،ج١ ،ص١٩٦.

تُعد هذه الرواية من أهم النصوص التي بيّنت مراتب الفعل الإلهي، وقد شرحها سماحة السيد بأسلوب مبسط يوضح التسلسل المنطقي لهذه المراحل.

١- العلم

العلم هو إحاطة الله تعالى منذ الأزل بجميع مصالح الوجود، فقد علم سبحانه أن من المصلحة وجود الإنسان، والأرض، والأنبياء، وسائر الموجودات.

فالعلم هنا ليس علماً حادثاً، بل هو علم أزلي بكل ما تقتضيه الحكمة الإلهية.

٢-المشيئة

المشيئة ليست إيجاد الشيء مباشرة، وإنما هي إعداد أسبابه.

فحين شاء الله وجود النبي الأعظم محمد -صلى الله عليه وآله- وسلم هيأ جميع المقدمات التي تفضي إلى وجوده، من المكان، والزمان، والآباء، والظروف المناسبة.

٣- الإرادة

الإرادة هي مرحلة تنفيذ تلك الأسباب بعد اكتمالها.

ولذلك جاء التعبير القرآني: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(٨٢)﴾يس.

٤-التقدير

لا تكون المشيئة إلا ضمن حدود معينة.

فكل موجود له زمانه، ومكانه، وعمره، وخصوصياته، وهذه الحدود هي التي تسمى بالتقدير.

قال تعالى:﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(٤٩)﴾القمر.

٥- القضاء

القضاء هو إيجاد الشيء وفق ذلك التقدير.

وشبّه سماحته ذلك بمن يرسم مخططاً لبناء منزل، فالرسم هو التقدير، أما تنفيذ البناء فهو القضاء.

٦- الإمضاء

أما الإمضاء فهو رفع الموانع التي قد تحول دون استمرار الشيء بعد وجوده.

فالجنين قد تتوافر أسباب وجوده، ثم يعترضه مانع يؤدي إلى سقوطه، فإذا رفع الله المانع واستمر وجوده كان ذلك هو الإمضاء.

وبذلك تتضح مراتب الرواية: علم، ثم شاء، ثم أراد، ثم قدّر، ثم قضى، ثم أمضى.

 

خامساً: ماذا يقصد أمير المؤمنين بقوله: «أفر من قضاء الله إلى قدره»؟

استشهد سماحة السيد بالرواية التي تذكر أن الإمام علي (عليه السلام) كان جالساً قرب جدار آيل للسقوط، فلما لاحظ خطره انتقل إلى مكان آخر، فقيل له: أتفر من قضاء الله؟

فأجاب: «أفر من قضاء الله إلى قدره».بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ، ج٥٦،ص٥.

وبيّن سماحته أن سقوط الجدار أحد الأسباب الطبيعية التي قد تؤدي إلى الهلاك، لكن الله تعالى قدّر للإنسان أيضاً عقلاً يدرك به الخطر، وقدرةً على تجنبه.

فالانتقال من مكان الخطر إلى مكان الأمان ليس خروجاً عن إرادة الله سبحانه، بل هو انتقال من سبب جعله الله إلى سبب آخر جعله الله أيضاً.

ولهذا لا يتعارض الأخذ بالأسباب مع الإيمان بالقضاء والقدر، بل هو من تمام العمل بهما.

 

سادساً: إذا كنا نؤمن بالبداء، فكيف نطمئن إلى نتائج أعمالنا؟

أوضح سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - أن الاعتقاد بالبداء لا يعني استحالة التخطيط للمستقبل، ولا يلغي مسؤولية الإنسان في السعي والعمل.

فالإنسان لا يحتاج في حياته إلى يقين مطلق بنسبة (100%) حتى يقدم على مشروع أو تجارة أو دراسة، وإنما يعتمد على الضمان العقلائي المبني على دراسة الأسباب وحساب الاحتمالات.

فالتاجر يدخل السوق بعد دراسة، والطالب يختار تخصصه بعد تقييم، وصاحب المشروع يبني قراره بعد المقارنة، مع أن الجميع يدرك وجود احتمالات للفشل. وهذا هو المنهج العقلائي الذي تقوم عليه الحياة كلها.

أما البداء، فهو يؤكد أن الله سبحانه قادر على تغيير بعض مجريات الأحداث وفق حكمته، لكنه لا يمنع الإنسان من الاعتماد على الأسباب الطبيعية، ولا يلغي قيمة التخطيط والعمل.

فالضمان المطلوب شرعاً وعقلاً هو الاطمئنان العقلائي، لا اليقين المطلق الذي لا يتوفر في شؤون الحياة.

 

سابعاً: لماذا أخفى الله نفسه عن خلقه؟

طرح أحد الحاضرين سؤالاً حول سبب عدم ظهور الله لعباده بصورة مباشرة.

فأجاب سماحة السيد بأن الله تعالى لم يُغلق باب معرفته، وإنما أخفى الإحاطة الكاملة بذاته؛ لأن المحدود لا يستطيع أن يحيط باللامحدود.

واستشهد بالحديث القدسي:«كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف». شرح دعاء السحر موسوعة الإمام الخميني 42،ص١٥٣.

كما أشار إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾ الذاريات.

بأن المراد من يعبدون هو: ليعرفون. كما أكدت بعض الروايات على ذلك من اهل العصمة 

فالإنسان خُلق لمعرفة الله سبحانه، لكن هذه المعرفة تكون بقدر طاقته واستعداده، أما الإحاطة الكاملة بحقيقة الذات الإلهية فهي فوق قدرة المخلوق. ولهذا بقي باب المعرفة مفتوحاً، بينما استحال الإحاطة الكاملة به سبحانه لأنه غير محدود والمخلوق محدود فلا يدرك المحدود غير المحدود.

 

ثامناً: كيف نجمع بين علم الله سبحانه الأزلي واختيار الإنسان؟

من أقدم الإشكالات الكلامية أن يقال:

إذا كان الله يعلم مسبقاً جميع أفعال الإنسان، فأين يبقى مجال الاختيار؟

أجاب سماحة السيد منير الخباز -حفظه الله - بأن الله لا يعلم وقوع الفعل مجرداً عن الاختيار، بل يعلم وقوعه بما هو فعل اختياري.

فالله يعلم أن فلاناً سيختار هذا الطريق بإرادته، وأنه سيتزوج هذه المرأة باختياره، وأنه سيدرس هذا التخصص بإرادته.إذن عنصر الاختيار داخل في نفس المعلوم الإلهي، وليس شيئاً منفصلاً عنه.

ولو لم يكن الفعل صادراً عن اختيار، لكان علم الله مخالفاً للواقع؛ لأن الإنسان يدرك بالوجدان أنه يختار أفعاله بنفسه.

وعليه، فإن العلم الإلهي لا يسلب حرية الإنسان، بل يكشف عنها كما هي.

 

تاسعاً: هل تثبت الفطرة ما يسمى بـ"جين التدين"؟

سُئل سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - عن العلاقة بين ما يطرحه الإسلام من كون التوجه إلى الله سبحانه أمراً فطرياً، وبين النظرية التي اشتهرت باسم "جين الإيمان" أو "جين الألوهية".

فبيّن أن بين الطرحين فرقاً جوهرياً.

فالقرآن الكريم يقرر أن الميل إلى الله سبحانه جزء من الفطرة الإنسانية، قال تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ الروم.

أما النظرية التي طرحها بعض الباحثين فترى أن التدين مرتبط بجين وراثي خاص يوجد لدى بعض الناس دون بعض، وهو ما يعني أن المتدينين وحدهم يمتلكون هذا الجين.

ويرى سماحة السيد أن هذا الادعاء لا يملك دليلاً علمياً معتبراً، كما أنه يتعارض مع الرؤية الإسلامية التي تؤكد أن الفطرة مشتركة بين جميع البشر، وأن الجميع يحمل الاستعداد لمعرفة الله سبحانه.

غير أن هذا الاستعداد ليس علةً تامةً للإيمان، بل قد يضعف أو ينحرف بسبب البيئة، أو التربية، أو الثقافة، أو المؤثرات الاجتماعية. فالفطرة تمنح الإنسان قابلية الهداية، لكنها لا تسلبه حرية الاختيار.


عاشراً: كيف يميز الإنسان بين الدين والعادات الاجتماعية؟

طرح أحد الأسئلة إشكالية مهمة، وهي أن الإنسان ابن بيئته وثقافته، فكيف يستطيع غير المتخصص أن يفرّق بين ما هو دين ثابت، وما هو مجرد عادة اجتماعية اكتست ثوب الدين؟

قدم سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله - طريقين عمليين لذلك:

أولاً: المقارنة الواعية

أكد أن عصرنا يتيح فرصاً واسعة للاستفادة من الفضاء الرقمي، حيث أصبحت آلاف المحاضرات والدروس متاحة للجميع.

فالإنسان كلما استمع إلى أكثر من طرح، وقارن بين الأدلة، ولخص الأفكار، نشّط قدرته العقلية على التمييز، وبدأ يكتشف بنفسه نقاط القوة والضعف في الآراء المختلفة.

فالمقارنة ليست مجرد جمع للمعلومات، وإنما هي تدريب للعقل على النقد والتحليل.

ثانياً: الحوار مع أهل العلم

لم يحصر سماحته علاقة الناس بالعلماء في مجرد السؤال عن الأحكام الشرعية، بل دعا إلى تحويلها إلى حوار فكري.

فالأسئلة العقدية والفلسفية والكلامية ينبغي أن تكون مجالاً للنقاش الهادئ مع أهل الاختصاص، لأن الحوار يوسع المدارك، ويحرر الإنسان من الجمود، وينمي لديه القدرة على تقويم الأفكار.

ولهذا استشهد بقوله تعالى:﴿..فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾الأنبياء.

وبقوله سبحانه:

﴿..فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ(١٨)﴾الزمر.

فالاستماع وحده لا يكفي، وإنما المطلوب هو التمييز بين الأقوال واختيار أحسنها.

 

الحادي عشر: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي حفظ التراث العلمي مستقبلاً؟

سُئل سماحة السيد عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، وإمكان تحويل المحاضرات والكتب إلى قواعد معرفية يستفيد منها الجيل القادم.

فأبدى سماحته تفاؤله بهذا التطور، ورأى أن التقنية ستصبح أداة مهمة في خدمة المعرفة إذا أحسن استخدامها.

وبيّن أن كثرة المحاضرات والمؤلفات تحتاج إلى جهود علمية تقوم بما يأتي:

  • جمع المادة العلمية، وتصنيفها، وإزالة التكرار، وربط الموضوعات المتقاربة، واستخراج النتائج، ووضع كل فكرة في موضعها الصحيح.

وأعرب عن ثقته بأن الأجيال القادمة تمتلك من المهارة التقنية والقدرة الذهنية ما يؤهلها لإنجاز هذا المشروع، وتحويل التراث العلمي إلى مادة أكثر تنظيماً وسهولة في الوصول.

 

الثاني عشر: القروض البنكية في الدول الغربية

اختُتمت الجلسة بسؤال فقهي حول القروض البنكية في البلدان الغربية، وكيف ينسجم التعامل معها مع الالتزام بالأحكام الشرعية.

عرض سماحة السيد اتجاهين فقهيين معروفين:

الاتجاه الأول

أن كثيراً من القروض المصرفية الحديثة لا تتحقق فيها حقيقة القرض الشرعي؛ لأن المال لا يُسلَّم للمقترض مباشرة، وإنما يُحوَّل إلكترونياً إلى الجهة البائعة، سواء كانت شركة سيارات أو مؤسسة تمويل عقاري.

وبناءً على هذا التحليل، يرى بعض الفقهاء أن هذا ليس قرضاً شرعياً بالمعنى الفقهي، وبالتالي لا يصدق عليه الربا المصطلح.

الاتجاه الثاني

وهو ما ذكره عدد من الفقهاء، ومنهم مرجع الطائفة السيد الخوئي(قدس) وبعده السيد السيستاني (مد في ظله)، حيث يفرقون بين التوقيع القانوني والقصد الشرعي.

فالمكلَّف يوقّع على العقد لاستكمال الإجراءات القانونية، لكنه لا يقصد في نيته الالتزام بالشرط الربوي بما هو شرط شرعي، وإنما يقصد الحصول على الخدمة أو العين المطلوبة، ثم إذا دفع الزيادة لاحقاً فإنما يدفعها بحكم الإلزام القانوني، لا بقصد الوفاء بشرط ربوي.

وأشار سماحته إلى أن هذه من المسائل الاجتهادية التي قد تتطور بتطور الدراسات الفقهية، مما يستدعي الرجوع فيها إلى فتوى المرجع الذي يقلده المكلف.

 

 

خاتمة وتعليق 

اتسمت هذه الجلسة بطابع حواري متميز، إذ لم تقتصر على الإجابات المباشرة، بل سعت إلى تأسيس منهج في التفكير يقوم على احترام العقل، والاستناد إلى البرهان، والانفتاح على الحوار، مع المحافظة على أصالة الرؤية الإسلامية.

وأكد سماحة السيد منير الخباز – حفظه الله -أن بناء الإنسان المؤمن لا يتحقق بكثرة المعلومات وحدها، بل بامتلاك عقل ناقد، وروح باحثة، وضمير أخلاقي حي، يجعل صاحبه قادراً على التمييز بين الحق والباطل، وبين الدين الأصيل وما يلتبس به من عادات أو تصورات غير دقيقة.

وبذلك اختُتمت الجلسة الأولى من الأسئلة والأجوبة، على أن تُستكمل بقية الأسئلة في لقاءٍ لاحق، لما حملته من قضايا فكرية وعقدية تستحق المزيد من البيان والتأمل. والحمد لله رب العالمين 

 

✍️ تقرير: زاهر حسين العبد الله

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!