ما هو الدور القويم في حياتنا الاجتماعية العطاء أم الأخذ
ما هو الدور القويم في حياتنا الاجتماعية العطاء أم الأخذ
محاضرة لسماحة السيد منير الخباز حفظه الله الليلة السادسة من المحرم
✍️ زاهر حسين العبد الله
بدأ سماحة السيد منير الخباز حديثه بالاستشهاد بقوله تعالى:
قال تعالى ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾آل عمران .
ثم طرح سؤالاً محورياً يختزل فلسفة الحياة الإنسانية:
هل يدخل الإنسان إلى الحياة وهو يسأل: ماذا سأستفيد؟ أم يدخلها وهو يسأل: ماذا سأعطي؟ وماذا سأقدّم؟
وبيّن سماحته أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يأخذه، بل بما يمنحه للآخرين، وأن التوازن بين الأخذ والعطاء هو أحد أهم مقومات بناء الفرد والمجتمع.
محاور المحاضرة :
أولاً: شخصيتان تتصارعان داخل كل إنسان.. «الأنا» و«نحن»
تحدث سماحته عن وجود نمطين من الشخصيات في كل مجتمع:
١- شخصية الأنا
وهي الشخصية المتمركزة حول الذات، ومن أبرز سماتها:
- النظر إلى الآخرين بوصفهم منافسين لا شركاء.
- اعتبار النجاح تفوقاً وهيمنةً على الآخرين.
- الإيمان بعقلية الندرة والاحتكار.
- التعامل مع الحياة كأنها كعكة ينبغي اقتناص أكبر قطعة منها، سواء في المال أو المناصب أو الشهرة أو المعرفة.
وأشار إلى أن القرآن الكريم رسم ملامح هذه الشخصية بقوله تعالى:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(١)﴾ التكاثر. وقوله سبحانه: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ ...(٢٠)﴾ الحديد .
٢- شخصية «نحن»
أما الشخصية الثانية فهي الشخصية الاجتماعية التي تنظر إلى الآخرين باعتبارهم امتداداً للذات وشركاء في البناء.
ومن أبرز سماتها:
- التفكير في الهم العام.
- الإيمان بأن النجاح يتحقق بالأثر والإنجاز لا بالسيطرة.
- ترسيخ ثقافة التعاون والتكامل.
واعتبر سماحته أن هذه الشخصية هي المصداق العملي لقوله تعالى: ﴿ ...وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾ المائدة .
ولقول النبي صلى الله عليه وآله: «خير الناس من نفع الناس». غرر الحكم ودرر الكلم ، عبد الواحد الآمدى التميمي،ص٣٥٧.
ثانياً: ما منشأ شخصية الأنا وشخصية نحن؟
بيّن سماحة السيد أن بعض الدوافع الكامنة وراء التمركز حول الذات تعد دوافع طبيعية لا يحاربها الدين، ومنها:
- الخوف من النقص.
- حب التميز.
- الحاجة إلى التقدير والاهتمام.
وأوضح أن هذه الدوافع متفرعة عن غريزة حب الذات، وهي غريزة فطرية تحفظ للإنسان مصالحه وتدفع عنه الأضرار.
إلا أن المشكلة الحقيقية ـ كما أكد سماحته ـ تكمن في عاملين خطيرين:
١- الأنانية غير المهذبة
فقد يولد بعض الأطفال بطبع يميل إلى الأنانية المفرطة، وهنا تقع على الوالدين مسؤولية تهذيب هذا الميل قبل أن يتحول إلى سلوك دائم.
٢- التربية الاستهلاكية
وهي أن يُربّى الطفل على أن يكون مستهلكاً دائماً للخدمات والامتيازات، لا إنساناً معطاءً ومبادراً، مما يؤدي إلى صناعة شخصية أنانية تشكل عبئاً على الأسرة والمجتمع.
واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وآله:
«رحم الله والدين أعانا ولدهما على برهما، ولعن الله والدين أعانا ولدهما على عقوقهما». الكافي ، الكليني ٦، ص١٥٩٧.
ثالثاً: ما دوافع العطاء ومستوياته؟
عرض سماحته عدة صور للعطاء، مبيناً تفاوت مراتبها.
الصورة الأولى: العطاء بوصفه جبلة وطبعاً
فبعض الناس يمتلكون طبيعة كريمة، كما كان يُضرب المثل بحاتم الطائي.إلا أن الطبع وحده لا يكفي لبناء الحضارات، لأنه قد يتغير تحت ضغط المصالح والظروف.
الصورة الثانية: العطاء المتضمن للأخذ
كالعطاء من أجل:
- الراحة النفسية.
- حب الظهور.
- اكتساب السمعة الاجتماعية.
- طلب الأجر والثواب.
وبيّن أن الإسلام لا يمنع هذه الدوافع، لكنه يرفض أن تكون هي الغاية الأساسية من العطاء.
واستشهد بقوله تعالى:﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(٩)﴾الانسان.
الصورة الثالثة: العطاء بوصفه خلقاً أخلاقياً
وهو أن يتربى الإنسان على اعتبار البذل والإحسان فضيلة أخلاقية رفيعة.
قال تعالى:﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(٧)﴾الليل .
الصورة الرابعة: العطاء بوصفه مسؤولية اجتماعية
وعدّها سماحته أعلى مراتب العطاء.
فالإنسان المعطاء حقاً هو الذي يشعر بأن البذل مسؤولية تجاه المجتمع، لا مجرد وسيلة للراحة النفسية أو تحصيل الثواب.
وضرب أمثلة لذلك بـ:
- الأب والأم، ولاسيما الأم التي تبذل وجودها ووقتها وجهدها بلا حدود.
- المعلم.
- العلماء والمبتكرين الذين يسخرون علومهم لخدمة البشرية.
رابعاً: ما محفزات العطاء؟
ذكر سماحته ثلاثة محفزات رئيسة:
١- البيئة والعقل الجمعي
فالإنسان يتأثر بطبيعة الوسط الذي يعيش فيه؛ فإذا عاش في مجتمع معطاء أصبح أكثر استعداداً للعطاء.
٢- طلب الثواب الإلهي
واعتبره من أقدس المحفزات لأنه يحرر الإنسان من أسر المصالح الشخصية.
٣- اكتشاف المواهب والطاقات
وتوقف سماحته عند تجربة رائد الأعمال الأمريكي آدم رفكن، الذي أسس شبكة لتبادل الخبرات تحت عنوان «خدمة الخمس دقائق»، بحيث يقدم كل شخص نصيحة أو معلومة أو مساعدة مجانية خلال خمس دقائق فقط.
وأكد أن هذه المبادرات أثبتت أن العطاء الواعي أكثر قدرة على بناء المجتمعات من الرأسمالية المتوحشة القائمة على الشره والتنافس الفردي.
ومن هنا دعا الشباب إلى تأسيس مؤسسات خيرية مستقلة تهدف إلى:
- توجيه الشباب.
- تدريبهم.
- مساعدتهم في العثور على الوظائف.
- احتضان المشاريع الناشئة.
- اكتشاف المواهب الكامنة في المجتمع.
خامساً: دعائم العطاء الناجح
ذكر سماحته عدة أسس تضمن استمرارية العمل الخيري والاجتماعي، أهمها:
• العفو وتجاوز الجراح
فكم من مشروع ناجح انهار بسبب الخصومات والنزاعات الشخصية.
قال تعالى:﴿.. أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ وَ اللَّـهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾النور.
• حمل الهم الاجتماعي
فالمؤمن لا يعيش لأجل بطنه وجيبه فحسب، بل يحمل هموم مجتمعه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:«من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم».
• التوازن بين الأخذ والعطاء
فالإسلام لا يريد إنساناً مستنزفاً يهدم نفسه وأسرته باسم العطاء، بل يريد شخصية متوازنة تعطي دون أن تلغي ذاتها.
واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وآله:
«إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه».
موسوعة معارف الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ج٢، ص٤٢٢.
سادساً: كيف نبني مجتمعاً معطاءً؟
اختتم سماحته محاضرته ببيان خارطة طريق لبناء مجتمع العطاء، وذلك عبر ثلاث خطوات:
١- العطاء الصادق
وهو أن يكون الهدف نجاح المشروع لا صناعة البطولات الشخصية أو تصدر المشهد.
ليست المشاريع لبناء الأشخاص، بل لبناء المجتمعات.
٢- تربية الكوادر الشابة
ودعا إلى إشراك الشباب في صناعة القرار ومنحهم مسؤوليات حقيقية، حتى تتشكل أجيال قادرة على حمل الرسالة مستقبلاً.
وأشار إلى تجربة الإمام علي عليه السلام الذي جمع بين الاستفادة من خبرة الكبار وتقديم الطاقات الشابة، ومنهم مالك الأشتر.
٣- الإيثار والتنازل
فإذا كان الهدف سامياً، فإن الإنسان يكون مستعداً للتراجع عن موقعه وإعطاء الفرصة لغيره.
واستشهد بقوله تعالى:﴿..وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..(١٠)﴾الحشر.
ثم ختم سماحته حديثه باستحضار نماذج الإيثار الخالدة في كربلاء، وفي مقدمتها أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين قدموا أنفسهم بين يديه، مجسدين أسمى صور العطاء والفداء.
✍️ زاهر حسين العبد الله
تعليقات
إرسال تعليق