الشيخ الفياض(قدس) كما عرفه الكبار: مدرسةٌ من العلم والإخلاص والوفاء
الشيخ الفياض(قدس) كما عرفه الكبار: مدرسةٌ من العلم والإخلاص والوفاء
المرجع الذي عاش للمشروع لا لنفسه
بسم الله الرحمن الرحيم
حين يرحل العظماء لا تتحدث عنهم كلمات الرثاء بقدر ما تتحدث عنهم آثارهم التي تركوها في الأمة، والعلم الذي بثّوه في العقول، والقيم التي غرسوها في النفوس. ومن هؤلاء العظماء المرجع الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره)، الذي مثّل طوال عقودٍ طويلة ركناً راسخاً من أركان الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وعلماً بارزاً من أعلام الفقه والأصول والتربية العلمية.
لقد جاءت كلمات التأبين الصادرة من المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله)، وكلمات الأعلام في حقه، لترسم لنا صورةً متكاملةً لهذا الرجل الاستثنائي؛ صورة العالم الذي جمع بين عمق العلم ونقاء الروح، وبين دقة التحقيق وسلامة القلب، وبين علو المقام العلمي والتواضع الذي لا يعرفه إلا الكبار.
ومن أبلغ ما ورد في بيان المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله) وصفه للفقيد بـ«أخي الصفي»، وهي عبارة تختزن تاريخاً طويلاً من الأخوّة العلمية والروحية، وتكشف عن عمق العلاقة التي جمعت الرجلين في خدمة الدين والمذهب والحوزة العلمية. فليست الأخوّة هنا أخوّة صحبةٍ عابرة، بل أخوّة مشروع ورسالة ومسيرة طويلة من العمل المخلص لله تعالى.
لقد شهد المرجع الأعلى السيد السيستاني للشيخ الفياض بأنه من الأعلام البارزين في الحوزة العلمية خلال العقود الأخيرة، وهي شهادة لها وزنها الكبير في الوسط العلمي؛ لأنها صادرة من أعلى مرجعية دينية معاصرة، وتؤكد أن الشيخ المرجع الفياض (قدس سره) لم يكن فقيهاً متميزاً فحسب، بل كان ركناً أساسياً من أركان المدرسة النجفية الحديثة، وصاحب أثرٍ علمي امتد عبر أجيال من العلماء والفضلاء.
وإذا كان بيان المرجع الأعلى قد أبرز عظمة المقام العلمي والإخلاص في خدمة العلم، فإن كلمات غيره من الأعلام والمجتهدين من علماء قم والنجف كشفت جانباً آخر لا يقل عظمة، وهو الجانب الأخلاقي والإنساني في شخصية المرجع الراحل الكبير الشيخ الفياض (قدس سره).
فقد كان (قدس سره) مثالاً نادراً للإيثار ونكران الذات، حتى غدا نموذجاً للعالم الذي يقدّم مصلحة الدين والحوزة على كل اعتبار شخصي. ولم يكن ينظر إلى المرجعية بوصفها موقعاً للتنافس، بل كان يراها مسؤولية شرعية كبرى ينبغي أن تتكامل فيها الجهود وتتوحّد فيها المواقف لخدمة الأمة وصيانة المذهب.
ومن أبرز خصاله وفاؤه العميق للمرجعية العليا المتمثلة في السيد السيستاني (دام ظله)، وحرصه على وحدة الكلمة داخل البيت الحوزوي، حتى أصبح بحق نموذجاً لما يمكن أن نسميه «الروح الواحدة» بين المراجع الكبار؛ حيث لم يكن يبحث عن حضورٍ شخصي مستقل بقدر ما كان يبحث عن حفظ المسيرة العامة للحوزة العلمية، وتثبيت أركانها، والمحافظة على أيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله) الذين هم في أعناق العلماء ومسؤوليتهم يوم القيامة.
أما على المستوى العلمي، فقد كان المرجع الكبير الشيخ الفياض (قدس سره) مدرسةً قائمةً بذاتها في علم الأصول والفقه، تميزت أبحاثه بالتحقيق العميق والقدرة الفائقة على تحليل المسائل المعقدة وتفكيك الإشكالات العلمية بأدوات اجتهادية رصينة. ولذلك أصبح درسه مقصد النخب العلمية لعشرات السنين، وتخرّج على يديه عدد كبير من الفضلاء والمجتهدين والباحثين والدارسين.
ولم يكن علمه منقطعاً عن واقع الحياة، بل امتازت فتاواه بنظرة واعية تجمع بين المحافظة على أصالة النص الشرعي وفهم حاجات المجتمع ومتغيرات العصر، الأمر الذي منح اجتهاده بعداً حيوياً، وجعل الفقه حاضراً في حياة الناس وقادراً على معالجة قضاياهم المستجدة.
كما تجلّى في شخصيته وفاؤه لأساتذته وعلماء عصره، ولا سيما لأستاذه السيد الخوئي (قدس سره)، فكان من أبرز حملة تراثه العلمي وحفظة آرائه، كما عُرف بإنصافه العلمي وإبراز جهود الآخرين، وهي خصلة لا يجود بها إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
لقد عاش المرجع الكبير الراحل الشيخ الفياض (قدس) زاهداً في الدنيا، معرضاً عن الأضواء، منصرفاً إلى البحث والتدريس والتأليف والتربية العلمية. فلم يكن طالب شهرة ولا باحثاً عن وجاهة، بل كان يرى نفسه خادماً للعلم وأهله، ولذلك بارك الله في عمره وآثاره، وجعل له هذا القبول الواسع في الأوساط العلمية والشعبية.
ومن هنا نفهم سرّ الألم العميق الذي عبّر عنه المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله )حين وصف الخسارة بفقده بأنها «فادحة»، وأن الفراغ الذي تركه «واسع يصعب ملؤه». فالأمر لا يتعلق بفقد شخصية علمية فحسب، بل بفقد مدرسة متكاملة من العلم والأخلاق والإخلاص والتجربة الحوزوية العريقة.
إن المرجع الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره) يمثّل في وجدان الحوزة العلمية نموذج العالم الرباني الذي جمع بين التحقيق العلمي، والزهد العملي، والإخلاص الرسالي، والثبات على المبادئ، والوفاء للمرجعية، وخدمة الدين دون ضجيج أو ادعاء.
فأصبح بحق النموذج الرسالي، رغم ما وهبه الله سبحانه من ملكات فريدة ومواهب خاصة، لم يستثمرها في إبراز ذاته، وإنما استثمرها في أداء شكر الخالق سبحانه من خلال خدمة أيتام آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وخدمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
رحم الله هذا المرجع الكبير، وأجزل له المثوبة، وحشره مع محمد وآله الطاهرين، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وجعل ما خلّفه من علم وتربية وأثرٍ صالحٍ صدقةً جاريةً تمتد بركاتها إلى يوم القيامة.
✍️ زاهر حسين العبد الله
رحم الله والديك ابا سجاد
ردحذفعليه سحائب الرحمة والرضوان..حشره الله مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين..لا فض فوك أستاذنا العزيز ابوسجاد. حفظك الله
حذف