حوارية (١٧٥)هل للعفة موسم محدد ثم ينتهي ؟

 

                                          

                                    حوارية (١٧٥)هل للعفة موسم محدد ثم ينتهي ؟


رسالة إلى فتياتٍ عشنَ مع الحجاب في محرم وصفر… فهل ينتهي الالتزام بانتهائهما؟

السائل:

أستاذنا، لعل السؤال حساس بعض الشيء، لكنني أراه يتكرر أمامنا كل عام...

نرى في محرم وصفر مشاهد جميلة من الحشمة والعفة والالتزام، وترتدي كثير من أخواتنا المؤمنات العباءة الساترة، ويظهر الحجاب بصورة أكثر وضوحًا، وتعيش الفتاة أجواءً إيمانية مرتبطة بسيرة الزهراء وزينب والحسين عليهم السلام.

لكن ما إن تنتهي أيام محرم وصفر، حتى تتغير بعض المظاهر!

فهل التدين والعفة والحجاب مرتبطون بموسم معين؟ هل كانت العباءة الزينبية لباسًا لمحرم وصفر فقط؟ وهل الحجاب يختلف حكمه بانتهاء الموسم؟

 

الجواب: بسمه تعالى 

أخي المؤمن وأختي المؤمنة...دعونا نبدأ من سؤال أعمق:

س: هل ربُّ محرم وصفر هو غير ربِّ بقية الشهور؟

وهل الزهراء عليها السلام كانت رمز العفة والحياء كانت قدوةً لنا في شهرين فقط؟ وهل زينب الكبرى فخر المخدرات عليها السلام كانت مدرسةً موسمية؟ وهل الإمام الحسين عليه السلام أراد منا أن نلبس ثوب العفة أيامًا، ثم نخلعه عندما تنتهي المناسبة؟

بالتأكيد لا.

فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن مشروع موسم، وزينب الكبرى عليها السلام لم تكن شعارًا عابرًا، وأهل البيت عليهم السلام لم يعلمونا تدين المناسبات، وإنما علمونا دينًا يصاحب الإنسان في كل أيام عمره.

إن الحجاب في الإسلام فريضة شرعية، وليس عرفًا اجتماعيًا مرتبطًا بمحرم أو صفر، كما أن العفة والحياء ليسا زينة موسمية.

فقد قال الله تعالى:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾. سورة النور، الآية 31.

لاحظوا التعبير القرآني:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾

لم يقل: في محرم. ولم يقل: في صفر. ولم يقل: في موسم العزاء.

وإنما جعل الخطاب للمؤمنات، لأن التكليف مرتبط بالإيمان والإنسان، لا بالموسم والزمان.

 

السائل:

لكن أستاذ، قد تقول فتاة: أنا مؤمنة، والإيمان في القلب، وما يهم هو أخلاقي ونيتي التي احفظها مع ربي سبحانه !


الجواب:

صحيح أن الإيمان في القلب، ولكن الإيمان الحقيقي لا يبقى حبيس القلب وليس له ترجمان عملي ف القول والفعل .فإن الإيمان اعتقاد في القلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.

والقرآن نفسه لم يجعل الإيمان مجرد شعور داخلي، بل ربطه بالعمل الصالح في مواضع كثيرة.

فإذا قالت الفتاة: «أنا أحب الزهراء عليها السلام»

فنسألها: هل تحبينها إلى درجة أن تتأسّي بها؟

وإذا قالت: «أنا أحب زينب عليها السلام»

فنسأل: هل حب زينب يعني أن نتغنى باسمها وننرده فقط، أم أن نتعلم منها الحياء والعفة والثبات؟

إن أعلى درجات المحبة لأهل البيت عليهم السلام ليست في رفع الشعارات، وإنما في التمسك بتعاليمهم والسير على طريقهم.

وقد قال الإمام الصادق عليه السلام:

« معاشر الشيعة كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، احفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبيح القول» . وقال الإمام الهادي (عليه السلام) - لشيعته -« اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح» . (١)

فليست القضية أن نرفع اسم أهل البيت عليهم السلام، ثم تكون حياتنا بعيدة عن أخلاقهم وتعاليمهم.

 

السائل:

ولكن لماذا نرى بعض الفتيات يبدأن بالتنازل شيئًا فشيئًا؟

في البداية حجاب كامل، ثم عباءة أقل سترًا، ثم لباس أضيق، ثم شيء من الزينة، ثم تقول:

«لا بأس... أنا ما زلت محتشمة!»


الجواب:

هنا يجب أن ننتبه إلى شيء خطير جدًا: الشيطان لا يطلب منكِ أن تهدمي كل شيء في يوم واحد.

الشيطان يعرف أن الإنسان المؤمن قد يرفض المعصية إذا جاءت إليه بصورة صريحة. لذلك يأتيه من الأبواب الصغيرة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ سورة البقرة، الآية 168 . تأملوا: لم يقل القرآن فقط: لا تتبعوا الشيطان.

بل قال: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. لأن الانحراف كثيرًا ما يبدأ بخطوة صغيرة. ثم تصبح الخطوة عادة.

ثم تصبح العادة أمرًا طبيعيًا، ثم يبدأ الإنسان في الدفاع عنها، ثم يستغرب ممن ينصحه! ولهذا قد تبدأ الفتاة بقول: «سأخفف العباءة قليلًا» . ثم: «هذا اللباس ليس فيه شيء» . ثم: «الجميع يلبسه» ثم: «أنا حرة» .ثم: «المهم القلب»

ثم تصل - والعياذ بالله - إلى مرحلة يصبح فيها التنازل عن الحجاب أمرًا عاديًا.

وهنا تكون المشكلة ليست في قطعة القماش فقط، وإنما في المسار الذي قاد إليها.

 

السائل:

يعني أن الشيطان يريد إسقاط الحجاب بالتدريج دون ان نشعر؟


الجواب:

 أحسنتم وليس الحجاب وحده. الشيطان يريد أن يعتاد الإنسان على التنازل عن حدود الله.

اليوم تنازل بسيط. وغدًا تنازل أكبر. حتى يصبح ما كان بالأمس مستنكرًا شيئًا عاديًا.

ولهذا كان المؤمن يقظًا، لا يسأل فقط: «هل وصلت إلى الحرام؟»

بل يسأل قبل ذلك: «إلى أين تقودني هذه الخطوة؟» وهنا يأتي معنى قوله تعالى:﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾. سورة الإسراء، الآية 32.

لم يقل فقط: لا تزنوا. بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ لأن الإسلام يريد أن يغلق الطريق المؤدي إلى السقوط، لا أن ينتظر الإنسان حتى يقع.

الحجاب ليس قطعة قماش فقط وهنا أريد أن أتوقف عند نقطة مهمة جدًا. الحجاب له ظاهر وباطن.

أولًا: الحجاب الظاهر

وهو أن تلتزم المرأة باللباس الشرعي الساتر الذي أمر الله تعالى به، ومن صوره في مجتمعاتنا العباءة الساترة المحتشمة التي عُرفت عند كثير من المؤمنات بالعباءة الزينبية. وهذا أمر مهم، ولا يصح أن نقول: «أنا مؤمنة من الداخل، فلا أهمية للحجاب» . لأن الله تعالى شرع الحجاب، والمؤمن لا يختار من أوامر الله ما يناسبه ويترك ما لا يناسبه.

لكن...

ثانيًا: الحجاب الباطن

وهو أن يكون للإنسان حجاب في عينه، ولسانه، وقلبه، وسلوكه، وحركته، وعلاقاته.

فماذا ينفع حجاب الجسد إذا أطلق الإنسان لسانه في الكلام الذي لا يليق؟ وماذا ينفع ستر الثوب إذا كانت الحركات مثيرة للانتباه؟ وماذا ينفع اللباس الساتر إذا كان التعامل مليئًا بالإيحاءات؟ وماذا ينفع المظهر المحتشم إذا كان القلب متعلقًا بما نهى الله عنه؟

الحجاب الحقيقي ليس أن تستري جسدكِ فقط، وإنما أن تتعلمي أيضًا كيف تسترين عينيكِ عن الحرام، ولسانكِ عن الفحش، وقلبكِ عن التعلق المحرم، وسلوككِ عن كل ما يسقط حياءكِ.

ولهذا قال النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم :« الحياء شعبة من شعب الإيمان » وقال  أمير المؤمنين عليه السلام: «الحياء سبب إلى كل جميل» (٢). 

فإذا كان الحياء بهذه المنزلة حتى عُدَّ من الإيمان، فكيف نختصر العفة في لباس فقط؟

 

والحجاب ليس للمرأة وحدها

وهنا رسالة إلى فتياننا وشبابنا أيضًا. يا أخي المؤمن...لا تجعل الحجاب قضية تخص الفتاة وحدها.

فالقرآن بدأ قبل آية حجاب النساء بخطاب الرجال:﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. سورة النور، الآية 30.

أي أن عليك أنت أيضًا أن تملك حجاب العين. فكما أن على أختك أن تستر جسدها، عليك أن تستر عينيك عن الحرام. وكما تطلب منها العفة، كن أنت عفيفًا. وكما تنتظر منها الحياء، كن أنت حيّيًا. وكما تريد لها ألا تعرض نفسها للفتنة، لا تكن أنت من يبحث عنها بنظرة أو تعليق أو رسالة أو صورة.

لا تطلب من المرأة أن تحترم حدود الله سبحانه، بينما أنت تتجاوزها بعينيك.

العفة مشروع مشترك، والحياء مسؤولية مشتركة، والتقوى لا تُطلب من طرف واحد.

 

أختي المؤمنة... لا تنظري إلى من تركت الحجاب أو خففت من التزامها فتقولي:

«إذا كانت فلانة فعلت ذلك، فلماذا لا أفعل؟» المؤمنة لا تجعل الناس ميزانًا للحق.

قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. سورة الأنعام، الآية 116.

قد يتغير المجتمع، وقد تتغير الموضة، وقد يتغير تعريف الناس للجمال، وقد يصبح الاحتشام عند البعض «قديمًا». لكن دين الله لا يتغير بتغير الموضة. وأهل البيت عليهم السلام لم يعلمونا أن نقيس الحق بعدد من يلتزم به. بل أن نقيس أنفسنا بميزان الله سبحانه وتعالى . 

 

أختي المؤمنة : لا تجعلي محرم وصفر نهاية العفة... بل بداية الطريق

إذا كنتِ قد ارتديتِ العباءة الزينبية في محرم وصفر حبًا للإمام الحسين وزينب عليهما السلام، فلا تخلعي معها روح العفة والحجاب زينب عليها السلام ، اجعلي انتهاء الموسم بداية مرحلة جديدة.

قولي لنفسك: أنا لم أرتدِ الحجاب لأن الناس تراقبني، وإنما لأن الله سبحانه يراني.

لم ألتزم في محرم لأن المجتمع ينتظر مني ذلك، وإنما لأنني أريد أن أكون ممن قال الله فيهم:

﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.[9]

والفوز الحقيقي ليس أن يقال عنكِ: «ما أجمل حجابها». بل أن يقال في ملكوت الله:

هذه أمة أطاعت ربها سبحانه فكساها الهيبة والرحمة بلطفه وكرمه 

 

كلمة أخيرة... أختي المؤمنة... لا أريدك أن تنظري إلى الحجاب باعتباره قيدًا.

انظري إليه باعتباره رسالة كرامة، ولا أريدك أن ترتديه لأنني قلت، أو لأن المجتمع قال، أو لأن الناس يراقبون. ارتديه لأنكِ اخترتِ أن يكون رضا الله سبحانه متقدم و أعلى من رضا الناس.

وإذا رأيتِ غيركِ تتنازل عن شيء من حجابها، فلا تحتقريها، ولا تسخري منها، ولا تجعلي نفسكِ أفضل منها. انصحي برفق، واثبتي برحمة، وكوني أنتِ النموذج.

فقد تحتاج أختكِ يومًا إلى امرأة لم تضحِّ بمبادئها تحت ضغط الموضة، ولا تحت تأثير الصديقات، ولا تحت أعذار المجتمع. كوني أنتِ تلك المرأة.

ويا فتياتنا...

لا تجعلوا الحجاب لباس محرم، ثم تخلعونه بانتهاء عاشوراء. اجعلوا عاشوراء هي التي تُبقي الحجاب في حياتكم. ولا تجعلوا زينب عليها السلام صورة في موسم، بل اجعلوها مدرسة في كل يوم. ولا تجعلوا حب أهل البيت عليهم السلام كلمات على اللسان، بل طاعة تظهر في اللباس، وفي الكلام، وفي النظرة، وفي الحركة، وفي الاختيار، وفي كل تفاصيل الحياة.

فالحجاب الظاهر يحفظ الجسد من أعين الناس...أما الحجاب الباطن فيحفظ القلب من أعين الشيطان. والمرأة التي تجمع بين الاثنين لا تكون فقط محتشمة في مظهرها، بل تكون عفيفة في حضورها، طاهرة في سلوكها، كريمة في أخلاقها، زينبية في ثباتها. ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به قول أمير المؤمنين عليه السلام: «الحياء سبب إلى كل جميل». فإذا كان الحياء مفتاح الخير، فاحفظيه...ليس لمحرم وصفر... بل لله، ما دام فيكِ قلب ينبض بالإيمان.

بقلم
زاهر حسين العبد الله

الهوامش والمصادر


[١] ميزان الحكمة ، الشيخ محمد الريشهري ، ج ٢، ص ١٥٤٤ . 

[٢] مستدرك الوسائل ، المحدث النوري ، ج٨ ، ص ٤٦٦ .

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!