الإمام العسكري عليه السلام... حين ضاق الحصار واتسعت الرسالة
الإمام العسكري عليه السلام... حين ضاق الحصار واتسعت الرسالة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
حين نقرأ سيرة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، قد يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: كيف استطاع إمام عاش في ظل رقابة السلطة العباسية، وفي ظروف سياسية شديدة التعقيد، أن يؤدي رسالته في هداية الأمة، ويحفظ خط الإمامة، ويمهّد لمرحلة الغيبة؟
إن عظمة الإمام العسكري عليه السلام لا تكمن في طول مدة إمامته، ولا في اتساع مجال حركته، وإنما في عمق ما أنجزه في زمن قصير وتحت حصار شديد.
لقد كان عليه السلام أمام مسؤولية تاريخية دقيقة: حفظ مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وتثبيت أتباعها، وبناء وعيهم، وإعدادهم لمرحلة جديدة لم يعهدوها من قبل.
حفظ خط الإمامة
بدأ الإمام العسكري عليه السلام إمامته وهو يحمل أمانة خط الإمامة الذي نصّ عليه أبوه الإمام الهادي عليه السلام؛ فقد روى الكليني أن الإمام الهادي عليه السلام أوصى إلى ابنه الحسن قبل وفاته، وأشهد جماعة من مواليه على ذلك.[1]
وكان هذا التثبيت ضروريًا في مرحلة يمكن أن تستغل فيها السلطة التضييق على الإمام لإثارة الحيرة بين أتباعه.
فالإمام لم يكن يحافظ على شخصه، وإنما كان يحافظ على الحجة الإلهية في الأمة.
وقد روي عنه عليه السلام في مواجهة حالة الشك:
«أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة، وأنا ذلك الحجة».[2]
وهنا ندرك أن مهمته الأولى كانت ألا يسمح للظروف السياسية بأن تتحول إلى أزمة في عقيدة الأمة.
بناء الإنسان قبل مواجهة الظروف
لم يكن مشروع الإمام العسكري عليه السلام عقائديًا مجردًا، بل كان مشروعًا لبناء الإنسان.
ومن أجمل وصاياه لأتباعه: «أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم... وصدق الحديث، وأداء الأمانة... وحسن الجوار».[3]
ثم يقول:
«فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك».
ثم يلخص المنهج كله بقوله:
«اتقوا الله وكونوا زينًا ولا تكونوا شينًا».
هذه الكلمات تكشف أن الإمام لم يكن يريد أتباعًا يحملون اسم أهل البيت عليهم السلام فقط، وإنما أناسًا يجسدون أخلاق أهل البيت في حياتهم.
فالصدق دعوة، والأمانة دعوة، وحسن الخلق دعوة. ولهذا قال أيضًا: «جرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح». إنه يريد من شيعته أن يكونوا سببًا في محبة الناس لأهل البيت، لا سببًا في نفورهم منهم.
الحكمة في التعامل مع المجتمع
ومن هنا نفهم توجيهه الآخر:
«صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم».
فالإمام لم يربِّ أتباعه على الانغلاق، بل على الحضور الإيجابي في المجتمع.
وهذه رسالة ما زالت حاضرة اليوم: الثبات على العقيدة لا يعني سوء التعامل مع الناس، والاختلاف لا يسقط الأخلاق.
فالمؤمن يحمل مبدئه بثبات، لكنه يحمله أيضًا بالحكمة وحسن الخلق.
إدارة الأمة في زمن الحصار
لم يكن الوصول إلى الإمام العسكري عليه السلام أمرًا سهلًا، ولذلك احتاج إلى أسلوب منظم في التواصل مع أتباعه، فاعتمد على مجموعة من الثقات والوكلاء.
ومن أبرزهم عثمان بن سعيد العمري، الذي وصفه الإمام العسكري عليه السلام بأنه:
«الثقة الأمين».[٤]كما ورد عنه في عثمان بن سعيد وابنه محمد:
«العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليكم فعني يؤديان».[٥]
وهنا يظهر بُعد مهم من القيادة؛ فالإمام لم يكن يعالج مشكلة الحاضر فقط، بل كان يبني للأمة أسلوبًا يمكنها من الاستمرار عندما يصبح الاتصال المباشر بالإمام أكثر صعوبة.
التمهيد للغيبة وحفظ المستقبل المهدوي
ولعل هذا أعظم أدوار الإمام العسكري عليه السلام حساسية.
فقد كان عليه السلام والد الإمام المهدي عليه السلام، وكان يعلم أن الأمة مقبلة على مرحلة جديدة، ولذلك لم يترك قضية الإمام من بعده غامضة عند خاصته.
ومن أبرز الشواهد ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين عن جماعة من أصحاب الإمام العسكري، قال لهم بعد أن أراهم ابنه:
«هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا».[٦]
ورد عن محمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري قالوا : عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي 8 ابنه ونحن في منزله وكنا أربعين رجلا فقال : هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوا ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في إديانكم ، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا.
قالوا : فخرجنا من عنده فما مضت إلا أيام قلائل حتى مضى أبومحمد. ».[٧]
وهنا تظهر عظمة التخطيط:
الإمام لم يكن يعرّف الأمة بإمامها القادم فحسب، بل كان يهيئها نفسيًا وعقائديًا لمرحلة لا يكون فيها الإمام حاضرًا بين الناس بالصورة التي اعتادوها.
وهذا يفسر أهمية شبكة الوكلاء والثقات، وأهمية ترسيخ العقيدة، وأهمية الصبر والثبات وعدم الوقوع في الحيرة.
فالإمام العسكري عليه السلام كان يبني جيلًا يستطيع أن يحمل الدين حتى في زمن الغيبة.
الإمام العسكري... صناعة المستقبل تحت الحصار
إذا جمعنا هذه الأدوار، سنكتشف أن الإمام العسكري عليه السلام لم يكن يؤدي وظائف متفرقة.
لقد كان يحفظ الإمامة، ويبني العقيدة، ويربي الإنسان، ويحمي جماعة المؤمنين، وينظم التواصل معهم، ويمهّد للغيبة، ويحفظ مستقبل الإمامة المهدوية.
ولهذا لا ينبغي أن نقيس أثره بعدد سنوات حياته. فقد عاش زمنًا قصيرًا، لكنه كان يعمل لأجيال ستأتي بعده. وقد ضُيّق عليه في حركته، لكنه وسّع دائرة رسالته. وراقبته السلطة، لكنه استطاع أن يبني وعيًا لا تستطيع السلطة أن تراقبه.
وهنا يكمن أحد أعظم دروس سيرته:
قد يُحاصر الإنسان، لكن لا ينبغي أن تُحاصر رسالته.
ماذا نتعلم منه اليوم؟
إن الإمام العسكري عليه السلام لا يقدم لنا درسًا تاريخيًا فحسب، وإنما يقدم نموذجًا للإنسان الرسالي في الظروف الصعبة.
فحين تضيق الظروف لا نتوقف. وحين تقل الوسائل لا نتخلى عن الرسالة. وحين لا نستطيع أن نغير الواقع كله، نبدأ ببناء الإنسان الذي يستطيع أن يغيره. وهذا ما فعله الإمام عليه السلام.
لم تكن ظروفه مثالية، لكنه أدى تكليفه. لم تكن ساحته مفتوحة، لكنه نشر الهداية. لم يكن زمنه طويلًا، لكنه صنع أثرًا طويلًا.
الخاتمة
حين نعود إلى السؤال الأول: كيف استطاع الإمام الحسن العسكري عليه السلام أن يهدي الأمة تحت الحصار؟
يأتي الجواب واضحًا: لقد أدرك أن الهداية لا تتوقف على اتساع الميدان، وإنما على حكمة القيادة ووعي الإنسان.
فحفظ العقيدة، وبنى الإنسان، وأرسى أخلاق الانتماء، ونظم جماعة المؤمنين، ومهّد للغيبة، وحفظ مستقبل الإمامة.
وكان بذلك جسرًا بين مرحلتين: مرحلة حضور الإمام، ومرحلة الغيبة.
ولذلك فإن سيرته تعلمنا أن القيادة الرسالية لا تُقاس بكثرة الظهور، وإنما بعمق الأثر. فقد ضاق المكان على الإمام العسكري عليه السلام، لكن اتسعت رسالته. وقصرت سنوات حياته، لكن امتد أثره إلى المستقبل. وحاصرته السلطة، فلم تستطع أن تحاصر الهداية.
سلام الله على الإمام الحسن العسكري، يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًا، وسلام الله على ابنه الحجة القائم بأمر الله، وعلى آبائه الطاهرين.
والله أعلم والحمد لله رب العالمين
✍️ زاهر حسين العبدالله.
الهوامش
[1] الشيخ الكليني، الكافي: 1/ 325.، كتاب الحجة، باب النص على أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام، ح1. ونقل الشيخ الطوسي الرواية أيضًا في الغيبة.
[2] بحار الأنوار ،العلامة المجلسي ، ج٢٣، ص3٨0.
[3] ميزان الحكمة ، الشيخ محمد الريشهري ، ج٤،ص٣٥٤٧ ، ط دار الحديث .
[4] أعيان الشيعة ، السيد محسن الأمين ، ج٢، ص ٤٧، مكتبة مدرسة الفقاهة .
[5] أعيان الشيعة ، السيد محسن الأمين ، ج٢، ص ٤٧، مكتبة مدرسة الفقاهة .
[6] أعيان الشيعة ، السيد محسن الأمين ، ج٢، ص ٤٧، مكتبة مدرسة الفقاهة .
[7] بحار الأنوار ،العلامة المجلسي ، ج٥٢، ص٢٦، ط مؤسسة الوفا ، مكتبة مدرسة الفقاهة .
تعليقات
إرسال تعليق