مناعة الروح بين الورع والبصيرة ..قبس من كلمات الإمام الحسن العسكري (ع)
مناعة الروح بين الورع والبصيرة
قبس من كلمات الإمام الحسن العسكري عليه السلام
بقلم: زاهر حسين العبد الله
في زمن تتدفق فيه المعلومات والشبهات والمغريات إلى الإنسان من كل جانب، لم تعد حماية الروح مسؤولية وعظيه عابرة، بل أصبحت حاجة يومية تتطلب وعياً وبصيرة وقدرة على التمييز.
ومن هنا تأتي أهمية كلمات الإمام الحسن العسكري عليه السلام، التي ترسم للإنسان المؤمن منهجاً متكاملاً في بناء مناعة روحية تبدأ من حراسة النفس، ولا تنتهي عند حدودها، بل تمتد إلى حماية الآخرين وإرشادهم.
يقول الإمام الحسن العسكري عليه السلام:
«أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترك الحرام، وأشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب» أعيان الشيعة ج2 ص42.
هذه الكلمات تعيد ترتيب مفهوم التقوى في وعي الإنسان؛ فالورع ليس كثرة الحديث عن التقوى، وإنما القدرة على التوقف عندما يشتبه الطريق. والقوة ليست أن يقترب الإنسان من كل مواطن الفتنة ثم يقول: أنا قادر على النجاة، وإنما أن يمتلك الشجاعة ليقول: قف.
فالإنسان قد يجد أمامه محتوى مشبوهاً، أو علاقة تتجاوز حدودها، أو مالاً لا يعرف مصدره، أو شبهة فكرية لا يملك أدوات التحقق منها. وهنا تكون أول درجات المناعة أن يتوقف، وأن يسأل، وأن يتحقق، وألا يجعل الفضول بوابة إلى ما يصعب الخروج منه.
إن الوقوف عند الشبهة ليس ضعفاً في الشخصية، بل هو قوة في البصيرة؛ لأن كثيراً من الانحرافات الكبرى تبدأ بخطوة صغيرة كان يمكن للإنسان أن يتوقف عندها.
ثم يضع الإمام عليه السلام معياراً آخر للعبادة، فيقول: «وأعبد الناس من أقام الفرائض». وفي ذلك تصحيح لمفهوم العبادة؛ فلا معنى لانشغال الإنسان بالنوافل والمستحبات إذا كان يفرّط في واجب، أو يضيّع صلاة، أو يهضم حقاً، أو يتهاون في مسؤولية شرعية.
ثم يقول: «وأزهد الناس من ترك الحرام». فالزهد لا يعني بالضرورة أن يحرم الإنسان نفسه من المباحات، وإنما أن يتحرر من سلطان الحرام، وألا يسمح لرغبة عابرة أو شهوة مؤقتة أن تسلبه إرادته وصلته بالله.
أما قوله عليه السلام: «وأشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب»، فهو ينقل مفهوم الجهاد إلى ميدان النفس. فقد يكون الإنسان قادراً على المعصية، وتتهيأ له أسبابها، ولا يراه أحد، ثم يقول لنفسه: لا، لأن الله يراني. هنا تظهر حقيقة القوة.
وفي هذا المعنى يحتاج الشاب اليوم إلى أن يجعل لنفسه نظاماً داخلياً واضحاً: إذا اشتبه عليه أمر، توقف. وإذا وجبت عليه فريضة، أقامها. وإذا واجهه حرام، تركه. وإذا شعر أن خطوة ما تقوده إلى الذنب، قطع الطريق قبل الوصول إليه.
هذه هي مناعة الروح؛ أن يمتلك الإنسان جهاز إنذار داخلياً ينبهه قبل أن يتحول الخطأ إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى جزء من شخصيته.
لكن مدرسة الإمام العسكري عليه السلام لا تجعل التقوى مشروعاً فردياً مغلقاً على النفس؛ فبعد أن يحرس الإنسان قلبه، تبدأ مسؤوليته تجاه الآخرين.
وفي الرواية الواردة عنه عليه السلام في بيان مقام علماء شيعته، يقول:
«يأتي علماء شيعتنا القوّامون لضعفاء محبينا وأهل ولايتنا يوم القيامة، والأنوار تسطع من تيجانهم...» مستدرك الوسائل، المحدّث النوري، الجزء ١٧، ص٣٢٠ .
والتعبير بـ «القوّامون لضعفاء محبينا» يحمل دلالة عميقة؛ فالعالم في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس صاحب علم فحسب، وإنما صاحب مسؤولية. قيمة المعرفة لا تظهر في مقدار ما يحفظه الإنسان من المعلومات، بل في مقدار ما يقدمه من هداية، وما يرفعه من جهل، وما يرده من شبهة، وما يأخذ به بيد إنسان إلى طريق الله.
وهنا تمتد الرسالة إلى كل من يمتلك قدراً من العلم والبصيرة. فليس المطلوب أن يكون الإنسان عالماً بالمعنى الاصطلاحي حتى يشعر بالمسؤولية تجاه من حوله؛ بل كل إنسان يستطيع أن ينفع بعلمه، أو يوجه بكلمة حكيمة، أو يمنع شبهة، أو يفتح باب أمل أمام شخص أنهكته المعصية.
١-فإذا رأيت شاباً يتخبط في شبهة، فلا تجعل جهله مادة للسخرية.
٢-وإذا رأيت إنساناً بعيداً عن الصلاة، فلا تكتفِ بالحكم عليه.
٣-وإذا رأيت مبتلى بمعصية، فلا تدفعه إلى اليأس، وإنما ساعده على العودة.
إن المؤمن لا يسأل فقط: كيف أنجو أنا؟ بل يسأل أيضاً: من أستطيع أن أساعده على النجاة؟
وهنا يلتقي الحديثان في بناء صورة متكاملة للتقوى: الحديث الأول يعلّم الإنسان كيف يحصّن نفسه، والحديث الثاني يعلّمه ألا يحتفظ ببصيرته لنفسه.
فمناعة الروح تبدأ من الورع، حين يعرف الإنسان متى يتوقف، وتكتمل بـ البصيرة، حين يعرف كيف يهدي غيره إلى الطريق.
ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي يحتاجها شبابنا اليوم: لا تجعل التقوى مجرد شعور داخلي، ولا تجعل العلم مجرد معلومات، ولا تجعل التدين مجرد مظهر؛ بل حوّل كل ذلك إلى موقف ومسؤولية.
احرس قلبك من الشبهة، وأقم فريضتك، واترك حرامك، وجاهد نفسك؛ فإذا رزقك الله بصيرة، فلا تبخل بها على الآخرين.
فالتقوى الحية هي نفس تعرف كيف تقول للباطل: لا، وقلب يعرف كيف يأخذ بيد الآخرين إلى الله.
وهكذا تتحول مناعة الروح من مفهوم وعظي إلى مشروع حياة: ورعٌ يحمي الإنسان من الداخل، وبصيرةٌ تجعله سبباً في حماية الآخرين.
فالسلام عليك يا أبا محمد الحسن الزكي العسكري يوم ولدت ويوم بلغت ويوم تبعث حيا والحمد الله رب العالمين .
✍️ زاهر حسين العبد الله.

تعليقات
إرسال تعليق