زواجُ الرحمة من الشفقة... حين يصبح الزواج شراكةً في طريق الله سبحانه
زواجُ الرحمة من الشفقة... حين يصبح الزواج شراكةً في طريق الله سبحانه
بقلم: زاهر حسين العبد الله
حين نتحدث عن زواج النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) من السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام)، فنحن لا نستعيد قصة زواج مضت قبل قرون، بل نقف أمام نموذج قرآني وإنساني للأسرة التي تتحول من علاقة بين شخصين إلى مشروع يحمل رسالة.
لقد اقترنت خديجة (عليها السلام) بمحمد (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة، ثم جاء الوحي، فإذا بهذه الزوجة لا تقف متفرجة على رسالة زوجها، بل تصبح من أوائل من آمن به، وتضع قلبها ومالها ومكانتها في خدمة الدعوة.
ومن هنا يمكن للمؤمن والمؤمنة اليوم أن يسألا: ما الذي نتعلمه من بيت النبي الأعظم محمد صلي الله عليه وآله و السيدة خديجة الكبرى عليها السلام ؟
الزواج سَكَنٌ قبل أن يكون متاعاً وضع القرآن أساس العلاقة الزوجية بقوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
الروم: 21.
فالزواج في منطقه ليس مجرد بيت ونفقة وأبناء، بل سكن ومودة ورحمة.
وهذه المعاني تجسدت بصورة واضحة في حياة السيدة خديجة (عليها السلام). فعندما ثقلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مواجهة قريش، لم تكن خديجة عبئاً إضافياً عليه، وإنما كانت موضع أمنه ومواساته وتصديقه.
وهنا أول درس لأسرنا:
الزوج الصالح لا يزيد تعب شريكه تعباً، بل يكون المكان الذي يخفّ فيه التعب.
«آمنت بي»... الثقة التي يحتاجها البيت
ومن أبلغ ما نُقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وفائه لخديجة قوله:
«ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس...»
وقد روي هذا المضمون في مسند أحمد، 41/356، ح24864، وحسّن إسناده جماعة من المحدّثين.
تأملوا ترتيب الكلمات:
آمنت بي... صدقتني... واستني.
إنها ثلاثة أركان تستطيع أن تحفظ كثيراً من بيوتنا اليوم: الثقة، والدعم النفسي، والمواساة العملية. فكم من إنسان لا يحتاج في أزمته إلى محاضرة طويلة، وإنما يحتاج إلى زوجة تقول له: أنا أثق بك، وسأقف معك.
وكم من امرأة تواجه تعب الحياة وتحتاج إلى زوج يشعرها أنها ليست وحدها.ليس الزواج الناجح أن نعيش معاً عندما تكون الحياة سهلة؛ وإنما أن يبقى كل واحد منا بجانب الآخر عندما تضيق الحياة.
١-الحب الذي يتحول إلى عطاء
لم يكن حب السيدة خديجة الكبرى (ع)لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كلمات عاطفية مجردة، وإنما تحول إلى بذل. قال تعالى:﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾الضحى: 8.
وقد ذكر العلامة الطباطبائي في الميزان عند تفسير الآية أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان فقيراً، فأغناه الله بعد زواجه بخديجة (عليها السلام)، فوهبت له مالها وكان لها مال كثير.
وهنا نكتشف معنى أعمق للحب:
الحب الحقيقي ليس ما تقوله لمن تحب فقط، بل ما تستطيع أن تبذله من أجله عندما يحتاج إليك.و السيدة خديجة الكبرى (ع) لم تجعل مالها وسيلة تفوق داخل الأسرة، ولم تقل: هذا مالي وأنا صاحبة الفضل، وإنما تحول المال بين يديها إلى أداة لخدمة النبي والرسالة.
وهذا درس بالغ الأهمية للأزواج والزوجات: لا تجعلوا المال ميزان القوة داخل البيت؛ اجعلوه وسيلة لبناء البيت.
٢-الزوجان شريكان في طريق الآخرة
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ التوبة: 71.
فالأسرة المؤمنة لا يكفيها أن تنجح مادياً واجتماعياً؛ بل ينبغي أن يسأل الزوجان نفسيهما:
هل يساعد أحدنا الآخر على الوصول إلى الله؟
هذا هو البعد الذي نراه في بيت النبي الأعظم محمد (ص) والسيدة خديجة الكبرى (ع)؛ فلم تكن العلاقة قائمة على نجاح دنيوي منفصل عن الرسالة، بل أصبحت حياتهما نفسها جزءاً من طريق الله.
ومن هنا ينبغي أن يتحول الزواج المؤمن من سؤال: ماذا سأحصل منك؟
إلى سؤال أرقى: كيف نعين بعضنا على أن نصبح أفضل عند الله سبحانه ؟
الوفاء لا ينتهي بالموت ومن أجمل ما تكشفه سيرة خديجة أن أثر الزوج الصالح لا ينتهي بموته.
فقد ظل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذكر خديجة ويثني عليها بعد رحيلها، حتى نقلت الروايات أنه كان إذا ذكرها «أثنى عليها فأحسن الثناء».
وهذا الوفاء يعلمنا أدباً نحتاج إليه كثيراً: لا تنسوا المعروف بعد انتهاء المواقف.
فبعض الناس يتذكر تقصيراً واحداً، وينسى عشرات المواقف الجميلة. أما رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله)، فبقي يحفظ لخديجة موقفها عندما احتاج إلى الموقف.
إن البيوت لا يحفظها الحب وحده؛ يحفظها الوفاء للحب.
لماذا كانت السيدة خديجة الكبرى (ع) عظيمة؟
لم تكن عظمة خديجة (عليها السلام) لأنها كانت ذات مال فحسب، بل لأنها عرفت أين تضع مالها، ولمن تمنح قلبها، وفي أي مشروع تستثمر حياتها.اختارت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم اختارت رسالته، ثم تحملت معه ثمن هذا الاختيار. ولهذا لم تكن مجرد زوجة لنبي، بل كانت شريكة في حمل آلام البدايات.
وهنا رسالة لكل مؤمنة:
ليس دور المرأة المؤمنة هامشياً في بناء الدين والمجتمع. فقد تستطيع امرأة واعية أن تمنح زوجها وأبناءها ومجتمعها من الثبات ما يغير مسار أجيال.
ورسالة لكل مؤمن:
المرأة التي تقف معك في أيام الشدة ليست تفصيلاً في حياتك؛ احفظ موقفها، واعرف قدرها، ولا تجعل اعتياد العطاء ينسيك قيمة صاحبة العطاء.
٣-من بيت السيدة خديجة الكبرى (ع) إلى بيوتنا.
لو دخل شيء من روح ذلك البيت إلى بيوتنا، لتغيرت كثير من العلاقات الزوجية.أن تقول الزوجة لزوجها عند انكساره: أنا معك.
وأن يقول الزوج لزوجته عند تعبها: لن أتركك تواجهين الحياة وحدك.
وأن يتحول المال من سبب للصراع إلى وسيلة للتكافل، والخلاف من معركة لإثبات الذات إلى فرصة للفهم، والزواج من مجرد مشاركة في الدنيا إلى صحبة نحو الله.
فهذه هي بعض معاني قوله تعالى:﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
لقد كان زواج محمد (صلى الله عليه وآله) من خديجة (عليها السلام) بحق:
زواجَ الرحمة من الشفقة، وزواجَ الرسالة من الوفاء، وزواجَ النبوة من قلبٍ آمن بها حين كذبها الآخرون.
وإذا أردنا أن نأخذ من خديجة درساً واحداً إلى بيوتنا، فليكن:
لا تبحث في الزواج عمّن يشاركك سقف البيت فقط؛ ابحث عمّن يشاركك طريق الله سبحانه، فإذا ضاقت بك الدنيا كان لك سكناً، وإذا ضعفت كان لك عوناً، وإذا أقبلت على الله أخذ بيدك إليه.
سلامٌ على خديجة يوم آمنت، ويوم واسَت، ويوم بذلت، ويوم رحلت وبقي وفاؤها حيّاً في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله).
✍️ زاهر حسين العبد الله

تعليقات
إرسال تعليق