طلاب الفضيلة أم المؤتمنون عليها؟

 


                                                      طلاب الفضيلة أم المؤتمنون عليها؟ 


تقرير محاضرة الأستاذ: الشيخ عبد الجليل البن سعد حفظه الله 

تمهيد لدروس البحث الخارج لعام ١٤٤٨ هجري 

في محاضرته، انطلق سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد من التذكير بنعمة الانتساب إلى الحوزة العلمية، وما تمثله من مسؤولية كبيرة في استمرار العلم وحضوره في المجتمع، مؤكداً أن طالب العلم لا ينبغي أن ينظر إلى العلم على أنه غاية يصل إليها، وإنما هو وسيلة لاكتساب الفضيلة وحملها إلى الناس.

ومن هنا توقف سماحة الشيخ عند عبارة مهمة، وهي أننا طلاب فضيلة، لكن هذه العبارة ينبغي ألا تبقى في حدود الطلب الشخصي؛ لأن طالب العلم مع مرور الوقت يصبح مؤتمناً على الفضيلة، أي أن مسؤوليته لا تقتصر على أن يتحلى بها في نفسه، بل أن يسعى إلى إحيائها في المجتمع أيضاً.

وأشار سماحة الشيخ إلى أن الحديث عن الفضيلة ليس خاصاً بالعلماء، فالفلاسفة تحدثوا عنها من خلال الفكر والمنطق، والأدباء والشعراء عرضوها في الشعر والنثر والروايات، كما أن المجتمعات الحديثة قد تعرض الفضيلة في صورة قوانين وشعارات ومظاهر عامة. إلا أن ما يميز علماء الدين هو أن عرضهم للفضيلة لا يكون بالكلام وحده، وإنما بالسيرة والحركة والطباع والأخلاق؛ فالفضيلة عند العالم ينبغي أن تكون شيئاً يُرى في سلوكه قبل أن يُسمع في كلامه.

وهنا تظهر المسؤولية الحقيقية لطالب العلم؛ لأن الناس قد يسمعون منه العلم، لكنهم في الوقت نفسه ينظرون إلى أخلاقه ومواقفه وتعامله مع الآخرين. ولذلك فإن من علامات صدق الإنسان في طلب الفضيلة أن يتحمل مشقة إحيائها في نفسه وفي المجتمع، وألا يكتفي بأن يكون صالحاً لنفسه، بل يسعى لأن تكون الفضيلة حاضرة فيمن حوله أيضاً.

الفضيلة تحتاج إلى الصبر على المشقة

ومن الأفكار التي ركز عليها سماحة الشيخ أن طريق إحياء الفضيلة ليس طريقاً سهلاً دائماً، بل يحتاج إلى تحمل المعاناة والصبر. وقد يحاول الشيطان أن يقنع الإنسان بأن المجتمع قد ابتعد عن الفضيلة، وأن الناس لم يعودوا يريدونها، وبالتالي لا داعي لأن يتعب الإنسان نفسه في دعوتهم إليها.

لكن سماحة الشيخ رفض هذا التصور، وبيّن أن كثيراً من الناس لا يعادون الفضيلة في حقيقتها، وإنما قد يعيشون حالة من التوهم بوجود تزاحم بين الفضيلة وبين بعض متطلبات الحياة. ومن هنا جاءت أهمية فهم منطق التزاحم، ليس فقط في أبواب الفقه والأصول، وإنما في حياتنا اليومية أيضاً.


وضرب سماحة الشيخ مثالاً بالحجاب، فهناك من النساء من تؤمن بالله سبحانه وتصلي وتصوم وتؤدي واجباتها، لكنها قد تتصور أن الحجاب الكامل يتعارض مع الحياة أو العمل أو الحرية، فتقدم ما تتوهمه من مقتضيات الحياة على الحجاب. والحقيقة أن المشكلة هنا ليست بالضرورة رفضاً للفضيلة، وإنما قد تكون نتيجة تصور خاطئ بوجود تزاحم بينها وبين الحياة. ثم أشار إلى وجود نماذج من المحجبات سجلت حضوراً بعفافها وحجابها وعلمت الأخريات من خلال أدائها وعملها المتميز فلم يكن الحجاب عائق أمام أداء مهمتها في الميدان العملي .

وهنا تبرز أهمية دور طالب العلم والمؤتمن على الفضيلة؛ إذ يستطيع من خلال تجربته وسلوكه أن يقدم نموذجاً عملياً يثبت أن الالتزام بالدين لا يعني الانعزال عن الحياة، وأن الإنسان يستطيع أن ينجح ويؤثر ويخدم مجتمعه مع المحافظة على عفته وحجابه والتزامه.

 

 

لا تنظر إلى الآخر على أنه منافس ومزاحم لك 

ومن النقاط التي وجدتها عميقة ولافته من حديث سماحة الشيخ وهو وهم التزاحم في العلاقات بين الناس. فقد يظن الإنسان أن وجود شخص آخر في المجال نفسه يعني أنه يزاحمه أو يأخذ مكانه، فينشأ التوتر والعداء، بينما قد لا يكون هناك تزاحم حقيقي أصلاً.

وقد ذكر سماحة الشيخ من تجربته أن بعض الأشخاص كانوا ينظرون إليه وكأنه يزاحمهم، لكنه حين تعامل معهم بطريقة مختلفة، وفتح لهم المجال، وأحال الناس إليهم، تغيرت العلاقة وانتهى الشعور بالعداوة. وبذلك يتحول من كان يظن أنك منافس له إلى شخص يرى فيك معيناً وشريكاً في خدمة المجتمع.

وهذا المعنى يجعل الإيثار من الوسائل المهمة في إحياء الفضيلة؛ لأن الإنسان حين يؤثر غيره لا يترك للشيطان مجالاً ليزرع في قلب الآخر وهم المنافسة والتزاحم.


الفضيلة أقوى من العلم المجرد

ومن أجمل ما أكده سماحة الشيخ أن الفضيلة بالنسبة إلى طالب العلم قد تكون أقوى تأثيراً من العلم نفسه؛ فالناس وإن كانوا ينتفعون من العالم في معرفة الحلال والحرام، إلا أن ما يبقى في ذاكرتهم بصورة أعمق هو أخلاقه وأمانته ومواساته وتواصله معهم.

فطالب العلم ليس دوره أن يكون صاحب معلومة فقط، بل أن يكون حاضراً في حياة الناس، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، يعزيهم، يبارك لهم، ويتواصل معهم، ويهتم باحتياجات عقولهم وأرواحهم. وهذه كلها صور من صور الفضيلة التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم.


الصمود في المواجهة والإنجاز

وفي ختام المحاضرة، توقف سماحة الشيخ عند فضيلة مهمة، وهي الصمود؛ الصمود في مواجهة التحديات، والصمود في تحقيق الإنجازات.

وضرب مثالاً بالمحدث البحراني (قدس)، الذي واجه ظروفاً صعبة، وتنقل من مكان إلى آخر، وتعرض للخطر، ومع ذلك واصل العمل والعطاء والتأليف حتى أنجز كتابه الحدائق الناضرة. ولم يكن صموده مقتصراً على الإنجاز، بل ظهر أيضاً في إنصافه لخصومه واحترامه للعلماء المخالفين له في الاتجاه العلمي، حتى كان إنصافه نموذجاً بارزاً في التعامل مع الخلاف العلمي.

وهذا يعلّم طالب العلم أن الثبات لا يعني فقط أن يتحمل المشقة، وإنما أن يحافظ أيضاً على أخلاقه وإنصافه وهو يواجه الخلاف والتحديات.


ما فهمته من محاضرة الشيخ الأستاذ

خرجت من هذه المحاضرة بفكرة أراها من أهم الأفكار التي يحتاجها طالب العلم، وهي أن الانتساب إلى الحوزة ليس مجرد انتساب إلى مكان يتلقى فيه الإنسان العلم، وإنما هو انتقال إلى مسؤولية أكبر.

فأنا لا أريد أن أكون طالباً للفضيلة فقط، بل ينبغي أن أعمل على أن أكون مؤتمناً عليها؛ أحملها في أخلاقي قبل كلامي، وفي تعاملي قبل مواعظي، وفي علاقتي بالناس قبل أن أطالبهم بها.

كما فهمت أن كثيراً من المشكلات التي نراها بين الناس قد لا تكون بسبب رفضهم للفضيلة، وإنما بسبب تصورات خاطئة عن التعارض بينها وبين الحياة، وهنا يأتي دور طالب العلم في أن يصحح هذه التصورات من خلال القدوة والسلوك والإيثار وحسن التعامل.

وأدركت كذلك أن العلم إذا لم يتحول إلى فضيلة في السلوك فقد بقي ناقص الأثر، وأن العالم الحقيقي ليس من يملك المعلومات فقط، وإنما من يستطيع أن يجعل علمه رحمةً في تعامله، وأمانةً في مواقفه، وخدمةً للناس، وصموداً أمام التحديات.

ولعل خلاصة ما أخذته من هذه المحاضرة أن طالب العلم ينبغي أن يسأل نفسه دائماً: هل أنا أطلب الفضيلة لنفسي فقط، أم أنني أصبحت مؤتمناً عليها ومسؤولاً عن إحيائها فيمن حولي؟

وهذا السؤال، في نظري، هو الذي يحوّل العلم من مجرد معرفة تُحفظ إلى رسالة تُحمل، وفضيلة تُعاش، وأثرٍ يبقى في الناس. والحمد لله رب العالمين.


✍️ زاهر حسين العبد الله. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"الشيخ حيدر السندي: مشروع علمي بين عمق الحوزة وتحديات الفكر المعاصر"

هل يُغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟

✳️ 🖋️ "الشيخ الأوحد(قدس)".. قراءةٌ تنفض غبار السنين!