حوارية (١٧٦) ما المقصود بالنظر لوجه الله تعالى ؟
حوارية (١٧٦) ما المقصود بالنظر لوجه الله تعالى ؟
السائل:
ما المقصود بالنظر لوجه الله تعالى؟ الوارد في الأدعية المباركة مثل وشوقي إليك يبله إلا النظر إلى وجهك أو وأقررت أعينهم بالنظر إليك إلى وجهك؟
الجواب بسمه تعالى:
أحسنتم، وهذا هو الموضع الذي تتجلّى فيه دقّة لسان أهل البيت عليهم السلام: يُثبتون كمال القرب من الله، وينفون عنه الحدّ والصورة والجهة.
ومن أوضح الشواهد الروائية في الباب:
١- الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: لا تُدركه الأبصار
قال عليه السلام في نهج البلاغة:
سأله ذعلب اليماني هل رأيت برك يا أمير المؤمنين؟
فقال (ع) : أفأعبد ما لا أرى ، فقال : وكيف تراه؟
فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الاشياء غير ملامس، بعيد منها غير مبائن، متكلم بلا روية ، مريد بلا همة ، صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء، بعيد لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، وتوجل القلوب من مخافته
وهذه كلمة جامعة؛ فالإدراك الحقيقي لله ليس إدراكًا حسيًا بصريًا، وإنما إدراك القلب بحقائق الإيمان والمعرفة. (١)
ومن هنا نفهم «النظر إلى وجه الله»: نظرُ قلبٍ، وشهودُ معرفةٍ، وبلوغُ قربٍ؛ لا تحديقُ عينٍ في جهة.
٢-الإمام الرضا عليه السلام ينفي الرؤية الحسية صراحة
ورُوي عنه عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنه قال:
«يعني مشرقةً، تنتظر ثواب ربها» . (٢)
أي أن «النظر إلى ربها» ليس رؤية الذات الإلهية بالعين، بل انتظار رحمته وثوابه وكرامته.
وهذا شاهد مهم جدًا؛ لأن القرآن استعمل لفظ النظر، والإمام عليه السلام منعنا من حمله على الرؤية الحسية.
٣- والإمام الكاظم عليه السلام كان أشدّ تصريحًا
سُئل عليه السلام عن الرؤية، فقال بما مضمونه:
«إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أُسري به إلى السماء... رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يرَ الله بعينه». نص الرواية
«..ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا رَأَی فَقَالَ لَقَدْ رَأی مِنْ آیاتِ رَبِّهِ الْکُبْری فَآیَاتُ اللَّـهِ غَیْرُ اللَّـهِ وَ قَدْ قَالَ اللَّـهُ وَ لا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْماً فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْعِلْمُ وَ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ..»(٣)
ثم بيّن عليه السلام أن ما ورد من رؤية الله إنما يحمل على رؤية آياته وعظمته، لا رؤية ذاته سبحانه.وهذا منسجم تمامًا مع قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.
السائل :
كيف نفهم عبارة الدعاء: «وشوقي إليك لا يبله إلا النظر إلى وجهك»؟
الجواب :
هنا نصل إلى لبّ المسألة: بحيث نحتاج لبيان هذا المعنى الدقيق
ف«وجه الله» ليس عضوًا من أعضاء الله تعالى، بل هو ما يُعبّر به عن جهة الله ورضوانه وما يتقرّب به إليه، بحسب مورد الرواية والدعاء.
وعليه فمعنى: «النظر إلى وجهك»
أي: الوصول إلى غاية المعرفة والقرب والرضوان، وانكشاف الحجب عن القلب حتى يشهد عظمة الله وجلاله وآياته شهادةً أتمّ وأكمل.
فكأن العاشق يقول:يا رب، إن قلبي لا يرويه نعيمٌ من نعيمك إذا كان عنك محجوبًا؛ إنما غايتي أن أكون منك قريبًا، وبمعرفتك مستضيئًا، وبرضوانك قرير العين.
وهذا يفسّر أيضًا قول الدعاء:«وأقررت أعينهم بالنظر إليك»
أي: جعلت أعظم قرّة أعينهم القرب منك، ومعرفتك، ورضوانك، وشهود آثار جمالك وجلالك.
ولذلك فالعبارة ليست فقط نفيًا للتجسيم، بل فيها مقام عرفاني رفيع:
العبد لا يطلب من الله شيئًا فحسب، بل يطلب اللهَ؛ لا يطلب العطاء منفصلًا عن المعطي، بل يطلب رضوان المعطي وقربه.
ومن لطيف ما يقرّر هذا المعنى أن المصادر العقدية التي عندكم تجعل معرفة الله قائمة على التنزيه، وتبحث صفاته تعالى بعيدًا عن التشبيه والتجسيم. كما يقرر كتاب في رحاب العقيدة البحث في الصفات الإلهية ضمن منظومة التوحيد والتنزيه.
فالخلاصة:
الرؤية الحسية لله: منفية.
النظر القلبي إلى الله بمعنى المعرفة والقرب والرضوان وشهود آياته: ثابت المعنى.
والتعبير بـ«وجه الله» في الدعاء: تعبير عن الغاية الإلهية والقرب والرضوان وما به التوجه إليه، لا عن جارحة أو صورة أو جهة.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
السائل :
احسنتم وأجدتم لقين شفيت غليل السؤال عني فجزاك الله كل خير
الجواب :
وانتم من المحسنين ونسأل من الله القبول
✍️ زاهر حسين العبد الله.
المصادر
(١) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ط مؤسسة الوفاء، ج٧٢، ص٢٧٩.
(٢) التوحيد عند مذهب أهل البيت، علاء الحسون، ج١، ص١٣٠.
(٣) تفسير اهل البيت عليهم السلام ج١٥، ص٢٨٤.
تعليقات
إرسال تعليق